أخبار عامة - وكالة أنباء المرأة - اخبار الأدب والفن - وكالة أنباء اليسار - وكالة أنباء العلمانية - وكالة أنباء العمال - وكالة أنباء حقوق الإنسان - اخبار الرياضة - اخبار الاقتصاد - اخبار الطب والعلوم

الصفحة الرئيسية - أوراق كتبت في وعن السجن - نهاد ابو غوش - عباس الكردي والثورة والسلطة والأخلاق














المزيد.....

عباس الكردي والثورة والسلطة والأخلاق


نهاد ابو غوش
(Nihad Abughosh)


الحوار المتمدن-العدد: 7044 - 2021 / 10 / 11 - 19:30
المحور: أوراق كتبت في وعن السجن
    


نهاد أبو غوش
مع انتشار أخبار التجاوزات التي ترقى إلى مستوى الفساد والتعدي على المال العام في ملف "وقفة عز"، وما نشر عن ملف "القدس عاصمة الثقافة العربية"، يقفز السؤال مباشرة: هل الخلل يكمن في أخلاق الناس التي خربت حتى بات كثيرون منهم يحسون أن كل ما هو موجود في متناول أيديهم متاح لهم استخدامه واستنزافه أو سرقته، أو أخذه بكل بساطة وبكل وقاحة، وينطبق عليهم قول أمير الشعراء أحمد شوقي
وإذا أُصـيـب القـــوم في أخـلاقـهــــم فـأقـــمْ عـلـيـهـــم مـأتـمـــاً وعــويــلا

مع أن المأتم والعويل يجدر أن يقام على الحالة العامة وليس على الأشخاص الذين اصيبوا في أخلاقهم، أم أن الخلل إداري نتيجة غياب أو اختلال منظومات الرقابة والشفافية والنزاهة؟ أم أن الأمر متداخل ومترابط، فالسياسي يقود إلى القانوني والإداري والاجتماعي والأخلاقي، ومن الصعب أن نفصل بين هذه الحلقات المتداخلة؟
ملفا الفساد المتصلين بصندوق "وقفة عز" و"القدس عاصمة الثقافة" ملفان محددان وموصوفان، ولكننا نعلم عن عشرات ملفات الفساد التي كانت تجري منذ قيام السلطة الفلسطينية، بشكل علني وشبه علني أو مسكوت عنه، وكان ذلك يتم في دوائر حساسة وخطيرة بدءا من هيئة البترول لوزارة المالية لحقائب الرواتب، ويستمر حتى الآن استغلال مواقع النفوذ والسلطة للتربح وتحقيق مكاسب شخصية بما في ذلك تعيين الأبناء والأقارب والمحاسيب في وظائف مرموقة على حساب المال العام، وعلى حساب معايير الكفاءة والجدارة والتنافس وتكافؤ الفرص بين الناس، ويشمل ذلك الاستفادة من الإعفاءات الجمركية، والاستفادة من التحويلات الطبية، والمنح الدراسية. هذا بخلاف الامتيازات الكثيرة وغير المبررة التي يحظى بها المسؤولون بحسب ارتفاع مستوى مسؤولياتهم، والتي تشمل ما يسمى "النثرية" والموازنات الخاصة التي لا تخضع لأي حساب أو مراقبة، ومستلزمات الوظيفة من سيارة ووقودها وصيانتها وتأمينها، وهواتف بسقوف فواتير عالية جدا، وقدرات على استصدار قرارات مكلفة لفرش وتأثيث المكاتب، وصولا حتى للمصاريف الشخصية مثل أجرة البيت وفواتير المنزل من كهرباء وماء وانترنت وحتى أن البعض يستصدر فواتير رسمية لكل مصروف ممكن ولا يخطر على البال، بما في ذلك تكاليف التردد على المطاعم الفاخرة ومصاريف المصابغ والتنظيف الجاف والكوي، وهي كلها مصاريف تدل على الشراهة واستباحة المال العام، مع أن المسؤولين الذين يفعلون ذلك يتمتعون برواتب مجزية وليسوا بحاجة ابدا للتعدي على المال العام، ما لم يكونوا يحسون في قرارة انفسهم بأن كل ما يفعلون هو حق لهم لأنهم فلتات زمانهم، ومن النعم والأعطيات التي منّ الله بها على شعبهم المغلوب على أمره.
كل هذه التجاوزات حصلت نتيجة افتقاد الثورة الفلسطينية وقواها الرئيسية لضوابط ومعايير أخلاقية كان يمكن تنميتها وتربيتها من خلال التدريب والتثقيف والتربية الحركية والحزبية، وطرق اختيار الكادر، وتقديم النماذج "القدوة" من قبل القادة للعناصر، بدلا من أن ترث الثورة وتعيد اجترار كل آفات المجتمع الإقطاعي الأبوي، والبرجوازي المشوّه، الذي ساهمت الطفرة النفطية وتدفق المال الخليجي والتدخلات السلطوية العربية في تفاقمه واستشرائه.
خلال تداول هذه الملفات والاطلاع عليها تذكرت مناضلا عايَشَنا لفترة حوالي عامين في سجن المحطة في عمان الأردن قبل 40 عاما، ولا أعرف عنه شيئا الآن، اسمه عباس زادة وهو على الأغلب اسم حركي وليس حقيقيا، عباس هذا هو مناضل كردي من أكراد تركيا وهو من مدينة اورفة (الرها القديمة أو سانلي أورفا كما تسمى حاليا، مدينة على الفرات وقريبة من الحدود السورية) . كان عباس ينتمي لحزب العمال الكردستاني PKK بزعامة عبد الله أوجلان، قاده حظه إلى الأردن وكانت معه بالصدفة هوية للجبهة الديمقراطية ووثائق مزورة تظهر أنه إيراني مع أنه لم يكن يعرف كلمة فارسية واحدة، وقد حبسته السلطات الأردنية بعد أن عجزت عن تحصيل اي معلومة منه ، وكان معه زميل له كردي سوري من مدينة عامودا، وبصرف النظر عن مواقف الحزب وأساليبه التي يمكن لأي يساري أن يتفق معها أو يختلف، فقد كان عباس ثوريا حقيقيا بأخلاق ثورية، لم يكن يعرف العربية ولا الانجليزية ولكنه كان قادرا على التواصل مع الآخرين والحوار معهم في أدق المواضيع واكثرها صعوبة سياسية كانت أو علمية او اجتماعية، كان في أواخر العشرينات وعاش مع رفاق الجبهة الديمقراطية لتحرير فلسطين في السجن، فكان نظام الحياة الرفاقية يقضي بصرف مبلغ دينار اردني واحد لكل رفيق في الأسبوع من اجل مصاريفه الشخصية التي يمكن للسجين أن يشتريها (خلاف الطعام واللوازم العامة) ، فإذا انقضى الأسبوع ومع عباس نصف دينار أو اي مبلغ آخر، كان يرفض أن يأخذ أكثر من الاستكمال حتى يصبح ما معه مثل الآخرين، يرفض أن يأخذ أكثر من حاجته، وكان يحدد حاجته بأقل قدر ممكن من الضرورات. وغير ذلك كان عباس مثالا في التسامح والمبادرة واللطف والتهذيب والخدمة الرفاقية والزهد والإيثار، حين كان يأتي دوره كان يتفانى في خدمة الآخرين بحب وإخلاص ويحرص على تقديم افضل ما عنده، وقد عكس صورة مشرقة ورائعة للمناضل الثوري ولشعبه الكردي لدى كل من عرفه، وما زلت أحتفظ باعتزاز، ببطاقة معايدة أرسلها لي من سوريا بعد الافراج عنه.
الأخلاق ركن ضروري لأي ثورة ولأي حزب ولكل مجتمع سواء كان المجتمع الواسع العام او مجتمعا جزئيا مناطقيا أو قطاعيا أو مهنيا، بدون الأخلاق تسود شريعة الغاب، وإذا عجزت قيم المجتمع وضوابطه الأخلاقية عن ضبط سلوك الأفراد وفق معايير تنسجم والصالح العام، فإن على القوانين والانظمة والتعليمات، وادوات الرقابة والمحاسبة والردع والجزاء والعقاب ان تفعل فعلها.



#نهاد_ابو_غوش (هاشتاغ)       Nihad_Abughosh#          



اشترك في قناة ‫«الحوار المتمدن» على اليوتيوب
حوار مع المفكر اليساري عدنان الصباح حول دور واوضاع اليسار في المنطقة العربية عموما وفلسطين بشكل خاص
د. اشراقة مصطفى حامد الكاتبة والناشطة السودانية في حوار حول المراة في المهجر والاوضاع في السودان


كيف تدعم-ين الحوار المتمدن واليسار والعلمانية على الانترنت؟

تابعونا على: الفيسبوك التويتر اليوتيوب RSS الانستغرام لينكدإن تيلكرام بنترست تمبلر بلوكر فليبورد الموبايل



رأيكم مهم للجميع - شارك في الحوار والتعليق على الموضوع
للاطلاع وإضافة التعليقات من خلال الموقع نرجو النقر على - تعليقات الحوار المتمدن -
تعليقات الفيسبوك () تعليقات الحوار المتمدن (0)


| نسخة  قابلة  للطباعة | ارسل هذا الموضوع الى صديق | حفظ - ورد
| حفظ | بحث | إضافة إلى المفضلة | للاتصال بالكاتب-ة
    عدد الموضوعات  المقروءة في الموقع  الى الان : 4,294,967,295
- طوابير القهر ويوم العمل اللائق
- استحضار ماجد أبو شرار
- في يوم التراث: كوفية، حطة ، شماغ
- الدين والأخلاق
- لا دولة ولا دولتين... بل إسرائيل الكبرى
- عن الدولة الواحدة
- في الذكرى 40 لاستشهاد الحاج سامي وزوجته مها أبو غوش
- بينيت لا يرى الفلسطينيين
- في ذكرى نعيم الطوباسي: الوطني النقابي العرفاتي
- الحزب اليساري أداة للطبقة الاجتماعية وليس ملكا لمؤسسيه(4)
- مجازر متنقلة بحماية حكومة إسرائيل وصمت عالمي
- مقايضة حقوقنا الوطنية بالاقتصاد
- عام على اتفاقيات ابراهام والتطبيع
- اليسار الفلسطيني والعربي وتعلقه بالماضي (3)
- مستقبل اليسار ووحدة قواه في فلسطين (2)
- مستقبل اليسار في فلسطين (1)
- هجمة إسرائيلية شاملة لتهويد القدس
- الأسرى الستة حفروا عميقا في وعينا
- صناعة الإحباط
- عالم يحكمه الجشع


المزيد.....




- اعتقالات غرب المكسيك تثير أعمال تدمير في ولايتين
- الأمم المتحدة: الوكالة الدولية للطاقة الذرية بصدد زيارة محطة ...
- الأمم المتحدة: سمحنا بمغادرة 12 سفينة أوكرانية تحمل أكثر من ...
- طبيب معوق..نموذج ناجح لحالة الصمود والثبات التي سطرها اليمني ...
- الرئيس اللبناني يبحث إجراءات تنفيذ خطة عودة النازحين السوريي ...
- الرئيس اللبناني يستعرض إجراءات تنفيذ خطة عودة النازحين السور ...
- تسريبات من سجن روسي تكشف عمليات تعذيب ممنهجة
- مصر.. المحكمة العسكرية تصدر حكما غيابيا بإعدام المتهمين بقضي ...
- بعد يوم دام بالضفة الغربية.. حملة مداهمات واعتقالات ودعوات ف ...
- لبنان يبحث خطة لعودة النازحين السوريين الى بلدهم


المزيد.....

- في الذكرى 103 لاستشهادها روزا لوكسمبورغ حول الثورة الروسية * / رشيد غويلب
- الحياة الثقافية في السجن / ضرغام الدباغ
- سجين الشعبة الخامسة / محمد السعدي
- مذكراتي في السجن - ج 2 / صلاح الدين محسن
- سنابل العمر، بين القرية والمعتقل / محمد علي مقلد
- مصريات في السجون و المعتقلات- المراة المصرية و اليسار / اعداد و تقديم رمسيس لبيب
- الاقدام العارية - الشيوعيون المصريون- 5 سنوات في معسكرات الت ... / طاهر عبدالحكيم
- قراءة في اضراب الطعام بالسجون الاسرائيلية ( 2012) / معركة ال ... / كفاح طافش
- ذكرياتِي في سُجُون العراق السِّياسِيّة / حـسـقـيل قُوجـمَـان
- نقش على جدران الزنازن / إدريس ولد القابلة


المزيد.....
الصفحة الرئيسية - أوراق كتبت في وعن السجن - نهاد ابو غوش - عباس الكردي والثورة والسلطة والأخلاق