أخبار عامة - وكالة أنباء المرأة - اخبار الأدب والفن - وكالة أنباء اليسار - وكالة أنباء العلمانية - وكالة أنباء العمال - وكالة أنباء حقوق الإنسان - اخبار الرياضة - اخبار الاقتصاد - اخبار الطب والعلوم

الصفحة الرئيسية - الادب والفن - دلور ميقري - مدخل إلى عصر الرعب: البرج التاسع















المزيد.....



مدخل إلى عصر الرعب: البرج التاسع


دلور ميقري

الحوار المتمدن-العدد: 6784 - 2021 / 1 / 10 - 20:40
المحور: الادب والفن
    


1
أكان الطواشي الراحلُ قد أفرغَ خزانةَ أسراره بين يديّ ربيب الأحاجي، الذي أخذ على عاتقه مهمّة المحقق على غرار بطل القصص، المؤلّفة في بلاد الفرنجة؟ لعلني كنتُ نادماً، لأنني لم أشارك بالتحقيق في تلك الليلة الحاسمة؛ ما فوّتَ عليّ معرفة سرّ السلطانة، المتكنّم عليه ولا شك عاشقها العملاقُ. لكنني لم أصرّ عليه بشأن ذلك الموضوع، خشيةَ أن يعدّني مثل خادمي، المأثور عنه الفضول واللجاجة.
هنالك أيضاً مسألة أخرى، ولو أنها هامشية، أثارت انتباهي عقبَ سماعي إعترافات الطواشي على لسان مَن حقق معه، ألا وهيَ مسألة تأثير الأدب على الإنسان بحيث يُمكن أن يحدد مسار حياته ومصيره. وأعني تلك القصص، آنفة الذكر، وكان حكيم قد قرأها فيما مضى واستلهم من خلالها شخصية القاتل، الساعي ليلاً للإيقاع بالضحايا البريئة؛ كونه هوَ بالذات اعتبر نفسه ضحيةً مذ أن كان طفلاً لا عهد له بمظالم العالم، الكائن خارج قريته. وبلغ بي الاهتمام بالموضوع، أنني ناقشته مع باسيل، وكان حضر إلى منزلي مساءً عقبَ مرور يومين على كشفنا شخصية القاتل. بالطبع، جاء كي يستعلم ما لو كان الطواشي قد إعترفَ قبل موته بجرائمه. أهملتُ عندئذٍ ذكر العديد من التفاصيل، المتعلقة بالسلطانة، وذلك بناءً على نصيحة سابقة من صديقنا العاشق.
قال لي باسيل، غبَّ فراغي من السرد: " لا يُعقل أن يقتل المرءُ شباناً أبرياء، بزعم أنه كان بنفسه ضحيةً بريئة، إلا لو كان في عقله لوثة. ثم إنه تعرّضَ لعملية إخصاء، ولم يُحكم بالموت مثلما فعل هوَ مع أولئك الشبان ". في قرار أعماقي، كنتُ ألوم ذاتي لأنني أخفيتُ عنه الخيط الرئيسي للأحداث، المتصل مع السلطانة. لكنها كانت رغبة صديقنا برو، وأنا وافقته على مضض.
علّقتُ على كلام باسيل، بالقول: " ونحنُ بدَورنا حكمنا عليه بالموت، جزاء جرائمه ". ثم انتقلت لذلك الموضوع، الذي كان يشغل بالي: " عدا عن باعث القتل، الموسوم ـ وأنتَ لم تجده منطقياً ـ ثمة دافعٌ آخر، ذكرته أنا في سياق سردي لإعترافاته. إنه وقع تحتَ تأثير قراءته لعدد من القصص، المكتوبة بلغة البنادقة، وموضوعاتها تتمحور حول قاتل يرتكبُ عدد من الجرائم، لأسباب مختلفة في كل قصّةٍ ".
قاطعني الضيفُ قائلاً: " هذا أيضاً، مبررٌ لا يقل إعتباطاً. وإلا فإن المفترض بكل من يقرأ قصة من ذلك النوع، أنه سيغدو بالضرورة قاتلاً. وأزيدك علماً، بأنني سبقَ وأطلعتُ على كتبٍ تتعرّض بالحديث عن الآداب في الدول الأوروبية؛ أو ما تسمونها بدول الإفرنجة الكفّار "، تبسّمَ عندئذٍ، ثم تابع: " هكذا كتب، تصنّفُ هناك في خانة تُدعى النقد الأدبيّ، وهيَ تبحث في أأنواع الكتابة وأغراضها. لن أسهب في الموضوع، بل أكتفي بالتنويه إلى أنّ الفن القصصي، إجمالاً، يهتم بتهذيب النفس البشرية من خلال تقديم حبكة تعتمد على الواقع ولو كانت من خيال مؤلّفها. فالقصة المتكفّلة عرض جريمة قتل، وهيَ ما تهمنا هنا، تنتهي دائماً بكشف المجرم وتقديمه إلى العدالة أو جعله يقع في شرّ أعماله "
" ولكن العدالة، المتمثلة بالجندرمة، نجدها في القصة تتخلى عن مهامها لشخص المحقق، الذي يتولى التقصّي وتعقّب القاتل لحين لحظة الإيقاع به؟ "
" نعم، وهذا الشخص يُسمى بطل القصة في ذلك النوع الأدبيّ، وهوَ مَن يشد القارئ ضمن ملابساتٍ تتسم بالإثارة حتى تحل عقدة الحبكة بكشف المجرم. فأن يكون المحقق من عامة الناس، وليسَ تابعاً للهيئة الرسمية، يجعله أكثر قبولاً واستساغة عند القارئ "
" نحن الثلاثة، قمنا بهكذا مهمّة بعدما عجز أولو الأمر عن القيام بواجبهم. أليسَ صحيحاً؟ "، قلتها في شيءٍ من التباهي المُظهَّر بالدعابة. أجابني باسيل ضاحكاً: " بلى، ولكنّ أولي الأمر يُمكن أن يكافئوننا بالإعدام نظيرَ تخليص المدينة من القاتل ". ثم عاد إلى لهجته الجدية، ليستطرد: " لقد أضطررنا لإخفاء عملنا البطوليّ عن أعين الآخرين، وذلك لأن القاتلَ هوَ طواشي السلطانة، شقيقة إمبراطور الكون. وإنني لأتساءل، ما لو كانت هذه المرأة بريئة من جرائم خادمها أو أنها متورطة بها بشكل أو بآخر؟ ".
بادرتُ من فوري إلى الرد، متجّنباً هذه المرة الاضطرار للكذب: " من غير المنطقيّ أن توافقَ الطواشي الأرعن، فتقول له هيا إذهب وخذ بثأر فحولتك، التي فقدتها في مصر، من الشبان الدمشقيين الأبرياء "
" لا، أنا لم أقصد ذلك بالطبع. إنني، حَسْب، تساءلتُ ما لو كانت السلطانة قد غطّت على الطواشي لسبب من الأسباب "
" هذا مستبعدٌ تماماً، لأنه خادمٌ ويعرف حدوده بكل تأكيد "، قلتُ ذلك ثم أضفتُ بانشراح: " لكنني أشكرك لتنويري بموضوع الأدب في بلاد الفرنجة، بالأخص الفن القصصي منه. هذا الفن، لا نعرفه بعدُ في المشرق بكل أسف ". أحنى صديقي رأسَهُ، ثم عقّبَ على كلامي بالقول: " مع أنهم في تلك البلاد ينوّهون بتأثرهم بفننا القصصي القديم، نظير ألف ليلة وليلة، التي ترجمت إلى لغاتهم وحازت على شعبية غامرة ".
عدنا للتداول في موضوع الأدب، عندما أستأذنَ خادمي ليعلنَ حضور ربيب الأحاجي. عبّرَ باسيل عن ابتهاجه بمقدم صديقنا، كونه لم يراه مذ ليلة كشفنا سرّ جرائم الطواشي.

2
جاء برو بوجهٍ متجهّم، وكأنما ليعيد جو الكآبة، الذي لفّ المنزل قبل حضور صديقنا النصرانيّ. أقلقتني هيئته، فتساءلت في نفسي ما لو تناهى خبرٌ من لدُن السلطانة. كان يضايقه أن أذكر اسمها أمام ذلك الصديق، وكما لو أنه سرّ من الأسرار يجب أن يبقى بيننا نحن الإثنين. ولكنني كنتُ مجبراً الآنَ على خرق المحظور، وذلك لأن باسيل شريكنا في سرّ حقيقيّ، يُمكن أن يؤدي كشفه للإطاحة برؤوسنا جميعاً على نطع الجلّاد.
بعدما رحبتُ بالضيف الجديد، سألته بشيء من الحذر: " هل أتاك مرسالٌ من جهة القصر؟ ". في الأثناء، كان قد همد بجسده على الأريكة، المقابلة لمجلسي، ليُطرق في الأرضية كما هيَ عادته. رفع من ثم رأسه، ليجيب باقتضاب: " لا جديدَ بعدُ ". أتبعَ ذلك، بإلقاء نظرة مختلسة على باسيل. هذا الأخير، وكان يلوحُ محتفظاً بحيوية ذهنه على أثر حديثنا، ما لبثَ أن خاطب الآخرَ بالقول: " كنا نتكلم عن الطواشي، لأن ذكره ما يني طرياً، وطرحنا سببين لاقترافه جرائمه البشعة والمجانية. الأول، وكان باح لك به، عن رغبته بالانتقام لفحولته. السبب الآخر، افترضه مضيفنا، ويداور حول تأثّر الرجل بقراءاته لقصص ألّفها أدباء فرنجة، تتمحور حول محقق يتعقّبُ آثارَ قاتلٍ على جانب كبير من الذكاء والدهاء ". سكتَ برهة، قبل أن يسأل المخاطَب: " ولعلك تملكُ فرضيةً ثالثة، يُمكن أن تُحيي جدلنا؟ ". بقيَ برو صامتاً، وكأنما لم يفهم السؤال أو فوجئ به. تدخلتُ عندئذٍ للقول: " الفرضيتان كلتاهما، على رأيي، تبدوان صائبتين ومكملتين لبعضهما البعض. وإلا فإن الطواشي من غير المعقول أنه كان يستدرج الضحايا كي يسلبهم كيسَ نقودهم أو أنهم ينافسونه على قلب امرأة ". نطقتُ الجملة الأخيرة بشكلٍ متسرّع، لكن فات أوان الإستدراك. إذ التقط باسيل هذا الخيط، وكأنما كان قبلاً غافلاً عنه. لوّح بيده، قائلاً: " بلى، لا بد أن ثمة امرأة في خلفية الموضوع. قبل أن نعرف شخصَ القاتل، لو أنكما تذكران؟، افترضنا أنه يمضي أولاً مع الضحية لمقابلة امرأة ما، وفي طريق العودة يرتكبُ جريمته. الآن، بعدما عرفنا القاتل، يجوزُ الافتراض أنه كان يقتلُ للتستر على مولاته ".
هتف برو وهوَ يفتح ذراعيه، وكأنما ليردّ ضربةً: " هذا محضُ هراء ". توقعتُ أن يستطرد بالكلام، لكنه راحَ ينقّل بصره بيننا وكما لو شاء قراءة علامات معينة. أدركتُ أنه يتساءل في نفسه، إذا ما كنتُ أبحتُ بسرّ السلطانة. فبادرتُ للتعليق بنبرةٍ واضحة: " أنا أيضاً أستبعدُ تورّطَ السلطانة بجرائم الطواشي، كونه من غير المنطقيّ أن تحط من قدرها مع عبد من عبيدها. لدينا سببان مقنعان، وكلاهما أكّده الطواشي في إعترافه قبل خطف روحه. فلنكتفِ بهذا القدر من الحديث عن باعث القتل، ولنأملن ألا يكتشف أحدٌ علاقتنا بالموضوع ". تحرك برو في مجلسه، وقد بان الإرتياح على سحنته. بَدوره، أخذ باسيل ينقل عينيه بيننا وقد بدا على شيء من الحيرة والدهشة. لكنه آثرَ التقيّد بنصيحتي، عندما عقّبَ وهوَ يتكلّف الابتسام: " بلى، يكفينا أننا لم نعُد نسمع عن جريمة جديدة، ضحيتها أحد الشبان الأبرياء ".

في الأيام التالية، تحققنا من تخلّص المدينة من حالة الرعب، وأن سيرة القاتل المجهول أصبحت من الماضي. في الأثناء، ترددت أقاويلٌ عن عزم الدولة استبدال مورلي باشا بوالٍ آخر؛ كونها لم تنسَ تهاونه في حماية المحمل الشريف. لكن الدولة، في حقيقة الحال، كانت قد أنعمت على مورلي باشا عندما أمرت بزواجه من السلطانة. في المقابل، كافأت شتجي باشا، المنتصر على الأعراب، بالعزل ومن ثم القتل. مع ذلك، كنتُ في الديوان قريباً من أسرار الدولة، ولم يكن لتلك الأقاويل من أساس. المستغرب، من ناحية أخرى، عدم اهتمام السلطانة بمصير خادمها المخلص؛ وهذا استنتجته أيضاً من خلال وظيفتي في الديوان. فلم يطرح موضوع إختفاء الطواشي مرة أخرى قط، كما وطويَ الاهتمام بتعقّب القاتل المجهول طالما أنه لم يُعاود نشاطه المشين.
بموت حكيم، لاحَ أنّ طريقَ القصر لم يعُد سالكاً لقدَمَي صديقنا برو. إذ توالت الأيام، ومن ثم الشهور، دونَ أن يُستدعى من قبل حبيبة قلبه. مع أنني كنتُ ألتقي به كمألوف العادة، فإنني آثرتُ ألا أفتح جرحه بالسؤال عنها. مع حلول الربيع، حقّ لي الانشغال عن كل ذلك بحدوث ظواهر تكاد تكون خارقة للطبيعة، لدرجة أن الخلق راحوا يتكلمون عن قرب ساعة القيامة: هطول الثلج، برغم إشراق الشمس الدافئة؛ شهب مشتعلة، تتساقط في العتمة؛ نجمٌ ذو ذيل، يتربع في السماء ليلة تلو ليلة.
إلى أن كانت ليلة، خرجتُ في آخرها مع ربيب الأحاجي كي نرافق باسيل إلى مسكنه. قبّة السماء، كانت تسبح فيها السحبُ السود مثل مراكب في البحر؛ وهذا أدهشنا أيضاً، بالنظر إلى أننا على أبواب الصيف. كنا نسيرُ مثل أشباح، بالنظر لعدم حملنا فانوساً. في خلال الطريق، تابعنا حديثاً كنا بدأناه في منزلي، متواشجاً مع تلك الظواهر الطبيعية غير الاعتيادية. كان باسيل يقول، أنّ أبناء ملّته يؤكدون كذلك قرب مجيء من يدعونه ب " المسيح الدجال "، الذي ورد ذكره في الإنجيل ـ بحَسَب زعمهم بالطبع. كنا على مشارف تربة الدحداح، عندما شعرتُ باهتزاز الأرض. ربما استغرق ذلك لحظة أو بعضها، لكنها كانت كافية لبث الرعب في الأحشاء. تسمرنا في مكاننا، ومضت لحظات أخرى قبل أن نعلّق على ما جرى. كان باسيل أول مَن خرقَ الصمتَ، بالتساؤل: " إنها هزّة أرضية، أليسَ صحيحاً؟ "
" أجل، كانت كذلك ولا شك "، أفرختُ روعي بهذا القول. لحظتُ أن حركة الهواء اشتدت، كأنما ريحٌ نفثته تلك الهزّة من باطن الأرض. عاد باسيل ليقول بنفس النبرة الجَزِعة: " من قراءاتي في كتاب أحد الجغرافيين الأوروبيين، أنّ زلزلة حقيقية قد تتبع الهزة الأرضية الأولى ".

3
اشتدّ الرعبُ في نفسي عقبَ سماعي إنذار باسيل، المبني على قراءاته العلمية. لكنني كنتُ أمتلك تجربة عملية من زمن الطفولة، دعمتها شهادةُ الأب فيما مضى من السنين: ثمة في كردستان، أفقنا ذات يوم فجراً على أثر إرتجاج الأرض، فأسرعنا بالخروج من المنزل وقد استبدت بنا حالة من الهلع. وما لبثت دروبُ الحي أن امتلأت بالناس، الذين كانوا في مثل حالتنا. الهزة، برغم قوتها، لم تخلّف أضراراً تُذكر غير تكسّر بعض الأواني، المتساقطة من على الرفوف. لكنّ تأثيرها في النفوس كان شديداً، بحيث أن الجميع بقوا خارج منازلهم فيما تبقى من الصباح. بعد الظهر، وصلت الأخبار عن زلزلة مهولة ضربت في ذلك اليوم الجانبَ الآخر من الحدود، الخاضع للدولة الفارسية، وأنها خلّفت العديد من الضحايا علاوة على خراب القرى والبلدات.
تلك الذكرى، المستلّة من عهد الطفولة، مرّت خطفاً في ذهني عقبَ سماعي كلام صديقنا النصرانيّ. وهوَ ذا الصديق الآخر، يُعقّب بالقول مخاطباً باسيل: " أسرع إذاً إلى المنزل، لكي تُنذر أفراد أسرتك بالخطر الوشيك. هيا، أركض بكل قواك ". لبثَ المخاطَبُ متسمراً لحظةً، وما عتمَ أن انطلق راكضاً دونَ أن يحيينا. على الأثر، قال لي برو فيما كان يلتفت إلى الجهة الأخرى: " هيا بنا ". حاولتُ اللحاق بخطواته العملاقة، العجولة. وكان قد ردد في خلال الطريق، أكثر من مرة: " عليّ أيضاً الإسراع بإنذار أسرة صديقة ". لم أعلم قبلاً أن لديه صداقة خاصة بأسرة ما، لكنني لم أعلّق يشيء. عندما توغلنا أخيراً في دروب حينا، لحظنا أن بعض المنازل كانت منارة؛ ما دل على انتباه ساكنيها للهزّة الأرضية. قبل وصولي لمنزلي، كان شبحُ صديقي قد اختفى مذ بعض الوقت. وهذا خادمي، يظهرُ عند باب المنزل والمصباح في يده. كان نومه خفيفاً، كحال مَن هم في سنّه، وقد لحظتُ أمارات الاضطراب على ملامحه.
خاطبته بالقول، دونَ أن يخطر ببالي الدخول إلى المنزل: " حسنٌ أنك صحوتَ، لأنني عدتُ سريعاً من أجلك ". ثم أتبعتُ ذلك، بالطلب منه أن يقوم بالطرق على أبواب الجيران. هُرعت أيضاً لفعل نفس الشيء، عندما تحركت الأرضُ تحت قدميّ بصورة مريعة مع صدور هدير مرعب، شيطانيّ. بحركة تلقائية، قذفتُ نفسي بعيداً عن العمران، لأجدني وجهاً لوجه مع خادمي، الذي لا بد وفعل ذات الأمر. في الأثناء، رأيتُ جدرانَ البيوت تتصدّع من حولي قبل أن تنهار مع أسقفها، مصدرةً دوياً أصم، لتمحى معالمها بلمحة وتغدوا أطلالاً. منزلي بدَوره، المبنيّ من الآجر وأسقفه خشبية، ضاعَ في حمأة الخراب المهول. صراخُ الخلق، كان قد أعقبَ ذلك الهدير المرعب المنطلق من باطن الأرض، وحقّ عليه أن يستمر الليل بطوله. ذلك أن هزات أخرى، متقطّعة، أعقبت الزلزلة العظمى، لتسوّي بالأرض ما كان قد سلم من العمران. منارة مسجد الورد، تهاوت متأثرة بإحدى الهزات، مثيرة موجة من الغبار مع صوت الصدع الرهيب. لعلني في تلك اللحظة سقطتُ أرضاً، وقد امتلأ أنفي وفمي بالتراب. مع ذلك، شعرتُ بالخادم وهوَ يجرّني بعيداً عن الخراب. ثم صحوتُ تماماً، بفضل رشقات من الماء على وجهي: صنبور سبيل الجامع، كان قد انفجرَ بتأثير الزلزلة، أو الهزّات المعقّبة لها، ما جعل الماء يسيل على طول الدرب. عند ذلك استعدتُ قوايَ، لأنهضَ من مكاني كي أسهم بإنقاذ الجيران، المدفونين تحت أنقاض دورهم. غير أن آخرين كانوا قد خرجوا قبل الزلزلة، أو في خلالها، شاركوا أيضاً بمحاولة إنقاذ أولئك الجيران. هذا، دفعني للصراخ باسم خادمي، الذي كان بين المنقذين. لما هُرع إليّ، وكان بهيئة شبحٍ مجلل بالتراب، طلبتُ منه أن يذهب إلى القيمرية لمعرفة ما حل بربيب الأحاجي.
" رحماك، يا سيّدي. معالمُ الدروب، لا شك أنها أندثرت في كل مكان؛ فكيفَ سأتمكن من الوصول إلى ذلك الحي؟ "، ردّ عليّ بنبرة ضارعة. لكنني أصررت عليه بالذهاب، طالباً منه إتخاذ الطريق المار تحت السور. لحُسن الحظ، أنّ السماءَ أنيرت في تلك اللحظة بظهور القمر خِلَل السحب الهاربة. هكذا تجسّم خادمي بوضوح أمامي، وما لبثَ أن تحرك من مكانه تنفيذاً للأمر. عقبَ ذهابه، فطنتُ إلى حماقة ما فعلته. هكذا بقيتُ أبذل جهدي مع الآخرين، لاستخراج الأحياء من تحت الركام قبل أن يقضوا خنقاً أو بتأثير جروحهم. في ساعة الفجر، وصل للمكان عددٌ من جند الحامية ومعهم خيام، راحوا ينصبونها لإيواء العائلات الناجية، مثلما أنهم اهتموا بنقل المصابين بجروح بليغة إلى البيمارستانات، التي لا بد أنها سلمت لمتانة عمرانها. الجثث، تم تكويمها على العربات المشدودة بالخيل، ليصار إلى نقلها لتربة الدحداح، المجاورة. في الأثناء، كان خادمي قد رجع ليبلغني أن منزل برو لم يتضرر سوى بشكل بسيط: " طلبَ مني الاهتمامَ بطفلةٍ أنقذها، وذلك لكي يواصل مد يد العون للآخرين في الحي "، أختتم روايته وكان ما فتأ يلهث.

في صباح اليوم التالي، توجّهتُ مشياً إلى مقر عملي في الديوان، ولم أكن قد ذقتُ طعمَ النوم. رأيتُ من واجبي أن أضع نفسي رهنَ أوامر الوالي، للمساهمة في رفع بعض البلاء عن الأهالي عقبَ الواقعة المستطيرة. في خلال سيري، لحظتُ بنفسي أن طريقَ السور كان أكثر مشقة، وذلك بالنظر إلى إقتلاع الزلزلة الأشجارَ من جذورها؛ ما أدى لتراكمها وإعاقة السالكين. كان الركام في كل مكان، فيما علامات الذهول ما تني مرتسمة على وجوه البشر. رائحة مقيتة، مبعثها الجثث والحيوانات النافقة، رافقت سيري. الحيوانات الناجية، من خيول وحمير ودجاج، كانت تنطلق تائهة في الدروب كما لو أصابها السعار. بمجرد اجتيازي بابَ الفراديس، والخروج منه إلى الساحة السماوية، انتبهتُ لمنظر مئذنة عيسى، المعدّة أطول المنارات الثلاث في الجامع الأموي، وكان قسمها العلويّ منهاراً: من عجائب المقدور، أنّ المئذنة أخذت اسمها من النبي عيسى، بحسَب إعتقادٍ عن نزوله من السماء في آخر الزمان لمحاربة المسيح الدجال. ومثلما ألمحتُ فيما سلف، أنّ صديقنا باسيل كان قد نقلَ لنا أقاويلَ طائفته عن قرب مجيء المسيح الدجال بعدما ظهرت علامات طبيعية خارقة في المدة الأخيرة، التي سبقت الزلزلة.

4
لاحقاً، قدّر لي العودة إلى مراجع المؤرخين، لأتأكّد بأن زلزلة هذا العام لم يسبق لمثلها الحدوث أبداً. وقد ضربت الزلزلةُ الولاياتِ المجاورة بنفس القوة، خصوصاً جبل لبنان، وامتد تأثيرها المدمّر حتى العريش على حدود صحراء سيناء. المعلومة الأخيرة، وصلتني على مراحل وأنا في مقر وظيفتي. وكان القصرُ قد سَلَمَ بشكل كبير مع ساكنيه، وكذلك عددٌ كبير من دور الأعيان. لكن ثلاثة من أركان الديوان، قضوا في الواقعة، وكانوا ممن يكنون لي مشاعر البغضاء بسبب الحسد. رحمهم الله وغفر لهم. المشرف على القصر، سمح لي بالاقامة في حجرةٍ محاذية لمكان عملي في الديوان، وكان الطعام يصلني من المطبخ الرئيس.
في الأثناء، رحتُ أطل بين فينة وأخرى على منزلي، الذي تضرر بشكل بالغ، لأشرف على أعمال الترميم، وكنتُ عهدت بها لعدد من العمال. خادمي، بقيَ يقيم في حجرةٍ سليمة بالمنزل، بغيَة مراقبة العمال. وكان اللصوص قد ظهروا عقبَ الواقعة، ليعمدوا إلى سرقة البيوت المهجورة، سواءً التي تركها أصحابها أو قضوا تحت أنقاضها. لذلك أمر الوالي بنشر المزيد من العسكر في الأحياء، وفي الآن نفسه، أرسل منادياً يُنذر بعقوبة الإعدام لكل من يُضبط متلبّساً بالسرقة. عند ذلك تذكّرتُ صديقي باسيل، فأرسلتُ الخادمَ كي يستعلم عن أحواله. عاد إليّ بعد نحو ساعة، ليخبرني أن منزل صديقي مدمرٌ كلياً مع غيره من منازل الحارة، وقالوا له هناك أن غالبية الناجين يقيمون في الأديرة والكنائس. في المقابل، علمتُ من مصادري أن أعمال إعادة البناء كانت بطيئة في حي النصارى؛ إلى تعرّض الكثير من أملاك ساكنيها للسرقة على أيدي عصابات من الأحياء الإسلامية، كانت تحتمي ببعض أصناف العسكر.
مثلما أشرتُ فيما سلف، أنّ الأيام السابقة للزلزلة شهدت بعض الظواهر الطبيعية غير المألوفة، ما جعل الخلق يلهجون بقرب الساعة. لذلك جاءت الزلزلة بمثابة التأكيد للأوهام المتداولة، فبقيَ الناجون بضعة أيام وهم يتوقعون سماع النفير، المؤذن بنهاية العالم. في حقيقة الحال، أنهم بقوا في العراء، أو تحت الخيام، خوفاً من هزاتٍ أرضية جديدة. مع مرور الوقت، دونَ حصول ما يحقق مخاوفهم، بدأ الكثير منهم يشمرون عن ساعد الجد لإزالة الأنقاض وتعمير ما تهدم. ثم عادت الحياة الطبيعية تدريجياً للمدينة، وزالت منها رائحة الموت، التي بقيت أياماً منتشرة في أجوائها.

كذلك كان الحال، عندما إندفع إلى المدينة ذات يوم عددٌ كبير من أهالي الريف، لاهثين مروّعين، وعلى ألسنتهم هذه المفردة المرعبة: " الطاعون! ". هذا الوباء، حصل ولا شك نتيجة تفسخ جثث ضحايا الزلزلة، كون أعمال الإنقاذ في الريف قد تأخرت أو أهملت كلياً. أولئك القرويون، الملتجئون للمدينة، ما لبثوا أن اقتحموا المساجدَ والزوايا الصوفية، ليقيموا فيها مع عيالهم. لما فاضت تلك الأمكنة، عمدَ الآخرون إلى السكنى بالخيام، التي تركها الناجون من الزلزلة ولم تكن قد رفعت بعدُ. عم الرعبُ مجدداً في دمشق، خشيةً تفشي الوباء الأسود من خلال اللاجئين إليها. لم يمض يومان، إلا وتحققت تلك المخاوف.
" العديد من أهالي القيمرية، تجمعوا خارج دار صديقك، لاعتقادهم أنها مباركة وتضمن لهم النجاة من الوباء "، هذا ما أفادني به خادمي فورَ دخوله المنزل. وكنتُ قد أرسلته ذلك المساء إلى برو، لكي أطمأن عن أحواله؛ أنا مَن انشغلتُ عن زيارته عقبَ الزلزلة. عندئذٍ هببتُ واقفاً على قدميّ، معلناً عزمي الذهاب إلى صديقي. لم أنصت لاعتراض العجوز، وما لبثتُ أن رأيتني أخوضُ في الدرب المعتم، المتصل مع إحدى بوابات السور. في خلال سيري، رأيتُ أن الأنقاض رفعت بشكل كبير وكذلك هياكل الأشجار. كانت ليلة ربيعية جميلة، متألقة بأنوار مصابيح السماء. لكنني كنتُ أشعر بالهواء مكتوماً، مفعماً برائحة مشئومة تذكّر بالليالي المعقّبة واقعة الزلزلة. وهيَ ذي واقعة جديدة، أشد هولاً، تدهم البلاد على الأثر وتنذر بعودة ملاك الموت ليحصد هذه المرة أرواحَ الناجين من الزلزلة.
حال وصولي إلى مدخل حارة ربيب الأحاجي، هالني ما تجمّع هنالك من الناس وبأيدي بعضهم المشاعل والقناديل. اخترقتُ صفوفهم بصعوبة، وقد أوسعوا لي بالنظر لمظهري، الموحي بانتمائي لهيئة الأشراف. حالما تناهيتُ إلى مدخل المنزل، التفت لأقول بصوت عال مخاطباً الجمع: " تجمهركم بهذا الشكل، هوَ ما يساعد على انتقال العدوى. أفضل مكان للاحتماء من الطاعون، ليسَ سوى منازلكم ". بينما كنتُ أهم بدفع باب الدار، سمعتُ أحدهم يصرخ فيّ من بين الجمع: " وأنتَ، أيها السيّد؟ لِمَ آثرت الاحتماء بمنزل النبي كيكي، لولا أنك متيقنٌ بأنه مباركٌ وسبقَ أن خرجَ سالماً من الزلزلة؟ ". اضطررت مرة أخرى للالتفات، كي أجيب ذلك الرجل: " هذا المنزلُ بقيَ سليماً، لأنه مبنيّ من الحجر، وليسَ لسببٍ آخر ". قبل أن أسمع الجواب، دلفتُ إلى داخل الدار عبرَ الفناء المتصل بالرواق. هنالك وجدتُ صديقي جالساً على الأرض العارية، مستنداً بظهره إلى الجدار، وثمة شمعة مشتعلة بالقرب منه. بعدما حييته، استأذنتُ منه بحمل الشمعة كي أعاين بقية أقسام المنزل: لم يكن هناك أضرار تذكر، سوى أن جدران المطبخ تخللتها بعضُ الشروخ. الفضول، دفعني أيضاً للاطلالة على حديقة الدار، الغارقة في العتمة؛ ثمة، أين أخفيت في تربتها جثة الطواشي.

5
رجعتُ إلى الرواق، لأجلس بمقابل المضيف بعدما ثبّتُ الشمعة في مكانها. كان يبدو مرهقاً، كما لو أنه أنهى لتوه عملاً مضنياً. سألته عندئذٍ، ما لو عاد إلى شغله في السوق. هز رأسه ببطء، متمتماً: " وكيفَ لي أن أعيش بدون عمل؟ ". ثم أضافَ بعد قليل، أنه منذ الصباح المعقّب الزلزلة يُطلب غالباً للمساعدة برفع أنقاض المحلات التجارية. أومأتُ إلى جهة باب البيت، متسائلاً: " وماذا فعلتَ بشأن ذاك الجمع، المرابط خارجاً؟ "
" لقد وجدتهم اليومَ متجمهرين قدّام باب الدار، عقبَ إيابي من السوق عصراً "
" إنهم يؤمنون بكراماتك، وأنها كفيلة على الأقل بدفع غائلة الوباء عن الحي "
" دعهم على إعتقادهم، فأنا لا أهتم بهم "، قالها نافخاً بشيء من الضيق. عند ذلك، أعدتُ عليه ما خاطبتُ به الجمعَ بشأن خطر انتشار الوباء. ثم قلتُ مستطرداً: " لن ينفضوا من مكانهم، إلا لو تركتَ المنزلَ لبعض الوقت. فأقترحُ أن نمضي الآنَ إلى منزلي، ولو شئتَ في وسعك المبيت هناك ". لما التزمَ الصمتَ، عدتُ أقول مشجّعاً فكرتي: " غداً الجمعة، وكلانا سيكونُ بلا عمل ". كنتُ أدركُ أن ذلك الجمع من الناس، يحرمه من شعوره الأثير بالوحدة. ولعله أيضاً بحاجةٍ إلى صحبتي، لكي يفضي إليّ ببعض الأمور. نهضتُ على الأثر، مُظهراً نيّتي بالذهاب: " هيا إذاً، يا صديقي ". بدَوره، استقامَ ببعض التثاقل وهوَ يحملُ الشمعة. في الوهلة التالية، لما صرنا خارجَ المنزل، شُقّ لنا طريقٌ وسط الجمع الصامت. لكن الهمهمات سرعانَ ما تصاعدت خلفنا، لتمتزجَ رويداً مع النسيم الربيعيّ والعتمة المتكاثفة.

" مثلما فهمتُ من خادمك، أن صديقنا باسيل لم يظهر منذ ليلة الزلزلة؟ "، تساءلَ ربيبُ الأحاجي حالما دخلنا حجرة الجلوس وأخذ مكانه على الأريكة. هذه الحجرة، شأنها في ذلك شأن بقية أقسام المنزل، أعيدت تقريباً إلى حالتها القديمة على أثر أعمال البناء والترميم. كذلك أضفيَ عليها رونقٌ جميل، بفضل تصاميم وزخارف مشغولة بالجص. لكن هذه الأشياء لم تجذب اهتمام الضيف، المعروف بالميل إلى الزهد والبساطة والتقشّف.
قلتُ مجيباً تساؤله: " بلى. وأظن أن العجوز أخبرك أيضاً، بأن باسيل وأسرته يقيمون على الأرجح في الدير عقبَ ذهاب بيتهم بالزلزلة؟ ". أومأ رأسَهُ إيجاباً، وهوَ يتنهّدُ بصوتٍ مسموع. ما أسرعَ أن ظهرَ رأسُ الخادم من الباب الموارب، ليستفهم ما لو عليه تقديم القهوة أو تحضير العشاء. أمرته بالقول: " بل إجلب القهوة أولاً، وسنتعشى في وقتٍ لاحق ". في الأثناء، كان برو يتناول كناشي من مكانه فوق المنضدة الصغيرة، الموجودة بإزاء المكتبة. سألني غبَّ إختفاء الخادم: " ألم يطلب منك الوزيرُ تسليمه هذا الكناش، المخصص لتدوين وقائع الحملة على الأعراب؟ "
" نعم، ولقد حصل على ما أراد. لكنني عمدتُ قبلاً لنسخ ما دونته في كناش مستقل، لكي أزيد عليه وقائعَ أخرى. ولحُسن الحظ، أنّ الكناشَ سلمَ من الزلزلة مع معظم محتويات مكتبتي "
" يلوحُ لي أنك تروي الأحداثَ هنا، بنفس طريقة القصاصين الإفرنج؟ "، قالها فيما كان يقلّبُ صفحاتِ الكناش وقد استفاقَ اهتمامه. عمدتُ إلى إظهار الدعابة، لما أجبتُ مبتسماً: " ربما يخرجُ من ذلك قصةٌ، كإحدى تلك القصص، التي كانت تثيرُ خيالَ الطواشي الراحل ". لكنه استقبلَ دعابتي بالعبوس، ثم عاد ليتنهّدَ بصوتٍ مسموع.
وآبَ الخادمُ، ليضع عدّة القهوة في متناول أيدينا، ثم انصرفَ بخطواتٍ حذرة كالمتسلل. قال الضيفُ وهوَ يطوي الكناشَ، محدّقاً في عينيّ: " لا أعلمُ ما لو كانت تلك القصص تعتني بوصف حالة القاتل، ومقدار ما يشعر به من عذاب الضمير. أظن أن حالته الموصوفة هيَ ما تدفعه لكشف نفسه للعدالة، وليست مهارة المحقق ونباهته ". ثم قال مستدركاً، فيما يحوّل نظرَهُ إلى السقف: " هكذا حالة، قُدّرَ لي أن أعيشها منذ أن انتزعتُ حياةَ الطواشي. ولو أنّ السلطانة قد بادرت لاستدعائي في خلال هذه الفترة، لأعترفتُ لها بالحقيقة فيما يتعلق بسر إختفاء خادمها. سأفعلُ ذلك، لكي أريح ضميري. وبالطبع، دونَ أن أذكركما بكلمة أنتَ وصديقنا باسيل "
" ولكنها لم ترسل إليك بعدُ، أليسَ صحيحاً؟ "، سألته بمزيدٍ من القلق. طفقَ يتأملني، وربما لحظ نبرةَ صوتي. أجاب باقتضاب: " لا، ولا أظنها تفعل ذلك ". استدركتُ في نفسي، مؤيداً تأكيده؛ وذلك بالنظر للمصيبة الجديدة، المتمثلة بالوباء. علّقتُ على كلامه، بالقول: " لستُ قلقاً على مصيري، وإنما على مصيرك أنتَ. فماذا ستجني من الإعتراف بقتل الطواشي، سوى فقدانك لرأسك؟ كأنك غفلتَ عن حقيقةٍ أهم، وهيَ أننا أنقذنا المدينة من قاتلٍ كان يُروّعها بين فينةٍ وأخرى؟ إننا لم نفعل شيئاً، إلا تطبيق العدالة. وكما تعلم جيداً، أننا لو سلمناه للقاضي لأُجبِرَ هذا على إطلاق سراحه ولكنّا نحنُ مَن دفع الثمن غالياً ".
تمتمَ بنبرته الساخرة: " بيد أنّ المدينة لم تعرف السلامة منذ قُتل الطواشي، فدهمتها الزلزلة ثم الوباء، وكما لو أنّ لعنته حلت بها ". وكنتُ عندئذٍ أفكّرُ بأمرٍ آخر، بعثه في ذهني موضوعُ السلطانة وحرصها المفترض على حماية القاتل. فقلتُ له بشكل مباشر، متسائلاً: " أنتَ لم تخبرني بكل إعترافات الطواشي، بالأخص تلك المتعلقة بمولاته؟ ". ثم أضفتُ بسرعة، وأنا أنظرُ في عينيه: " وماذا عن تلك الطفلة، التي أخبرني خادمي أنه وجدها لديك في ليلة الزلزلة؟ أليست هيَ نفس الطفلة المفقودة، التي إهتمت السلطانة بالبحث عنها؟ ". أطرق ضيفي نظرَهُ في الأرض، واستسلم للصمت. انتبهتُ إلى أننا لم نمسّ القهوة، فتناولتُ الدلّة ورحتُ أصبّ الشرابَ لنا. تناول الضيفُ فنجانه، ثم عاد ووضعه على الطاولة أمامه. كأنما رائحة القهوة أنعشت نفسه، فما لبثَ أن ردّ على كلامي بالقول: " لقد خضتُ وقائعَ عديدة، هنالك في السوق، وذلك خلال الأعوام المنصرمة. كذلك نجوتُ مؤخراً من واقعتَيّ الأعراب والزلزلة. لكنني أشعرُ بدنو النهاية، مع هذا الوباء اللعين. على ذلك، أرغبُ بأن تحملَ عنيّ عبءَ مسؤوليةٍ جسيمة، ما لو وقعَ القضاءُ فعلاً ".

* الكتاب الثاني من رواية " الأولى والآخرة "، المنشورة في الموقع عام 2010




لمعرفة اخر تطورات فيروس كرونا في بلدك وفي العالم كله انقر على هذا الرابط
https://ahewar.org/Corona.asp





كيف تدعم-ين الحوار المتمدن واليسار والعلمانية على الانترنت؟

تابعونا على: الفيسبوك التويتر اليوتيوب RSS الانستغرام لينكدإن تيلكرام بنترست تمبلر بلوكر فليبورد الموبايل



رأيكم مهم للجميع - شارك في الحوار والتعليق على الموضوع
للاطلاع وإضافة التعليقات من خلال الموقع نرجو النقر على - تعليقات الحوار المتمدن -
تعليقات الفيسبوك () تعليقات الحوار المتمدن (0)


| نسخة  قابلة  للطباعة | ارسل هذا الموضوع الى صديق | حفظ - ورد
| حفظ | بحث | إضافة إلى المفضلة | للاتصال بالكاتب-ة
    عدد الموضوعات  المقروءة في الموقع  الى الان : 4,154,853,175
- مدخل إلى عصر الرعب: البرج الثامن
- مدخل إلى عصر الرعب: البرج السابع
- مدخل إلى عصر الرعب: البرج السادس
- مدخل إلى عصر الرعب: البرج الخامس
- مدخل إلى عصر الرعب: البرج الرابع
- مدخل إلى عصر الرعب: البرج الثالث
- مدخل إلى عصر الرعب: البرج الثاني
- مدخل إلى عصر الرعب: البرج الأول
- مدخل إلى عصر الرعب: توطئة
- مدخل إلى عصر الرعب: تنويه من المحقق
- زمن موناليزا الحزينة: الخاتمة
- زمن موناليزا الحزينة: الفصل العشرون/ 5
- زمن موناليزا الحزينة: الفصل العشرون/ 4
- زمن موناليزا الحزينة: الفصل العشرون/ 3
- زمن موناليزا الحزينة: الفصل العشرون/ 2
- زمن موناليزا الحزينة: الفصل العشرون/ 1
- زمن موناليزا الحزينة: الفصل التاسع عشر/ 5
- زمن موناليزا الحزينة: الفصل التاسع عشر/ 4
- زمن موناليزا الحزينة: الفصل التاسع عشر/ 3
- زمن موناليزا الحزينة: مستهل الفصل التاسع عشر


المزيد.....




- كاريكاتير القدس- الإثنين
- فيل سبيكتور: وفاة المنتج الموسيقي الأمريكي في محبسه عن 81 عا ...
- كورونا يكتب الفصل الأخير في حياة نجم موسيقي مدان بالقتل العم ...
- البرلمان العربي يدين تقارير -هيومن رايتس ووتش-  المضللة 
- العمل عن بعد وآثاره بعيدة الأمد.. أسئلة عالم كورونا وأجوبة ع ...
- تحركات حزبية بعد الفراغ السياسي الذي خلفته وفاة البامي بلكرم ...
- وفاة المنتج الأميركي الشهير فيل سبيكتر في السجن
- وفاة المنتج الأميركي الشهير فيل سبيكتر في السجن
- عبادي الجوهر يتلقى الجرعة الأولى من لقاح كورونا
- تدشين فعاليات العام الثقافي -قطر-الولايات المتحدة الأميركية ...


المزيد.....

- سيرة الهائم / محمود محمد عبد السلام
- حكايات قريتنا / عيسى بن ضيف الله حداد
- دمي الذي برشو اليأس / محمد خير الدّين- ترجمة: مبارك وساط
- كتاب الأعمال الشعرية الكاملة حتى عام 2018 / علي طه النوباني
- الأعمال القصصية الكاملة حتى عام 2020 / علي طه النوباني
- إشارة ضوئية / علي طه النوباني
- دموع فينيس / علي طه النوباني
- ميزوبوتاميا / ميديا شيخة
- رواية ( حفيان الراس والفيلة) / الحسان عشاق
- حكايات الماركيز دو ساد / رويدة سالم


المزيد.....


الصفحة الرئيسية - الادب والفن - دلور ميقري - مدخل إلى عصر الرعب: البرج التاسع