أخبار عامة - وكالة أنباء المرأة - اخبار الأدب والفن - وكالة أنباء اليسار - وكالة أنباء العلمانية - وكالة أنباء العمال - وكالة أنباء حقوق الإنسان - اخبار الرياضة - اخبار الاقتصاد - اخبار الطب والعلوم

الصفحة الرئيسية - كتابات ساخرة - مصطفى الهود - مقالة / المتنبي والاعلام الفاسد















المزيد.....

مقالة / المتنبي والاعلام الفاسد


مصطفى الهود

الحوار المتمدن-العدد: 6781 - 2021 / 1 / 7 - 22:34
المحور: كتابات ساخرة
    


المتنبي وسنة الإعلام الفاسد
مما لاشك فيه إن أي فكرة تبدأ تحمل في طياتها هدفا نبيلا له غاية عظمى تزدهر بها وتنير المجتمع بفكرها وخلق روح من التنوير والعلو الفكري والنموذج لهذه المقالة دور المثقف في المجتمع وبتعبير أوضح الإعلام ما له ودوره في تغيير الفكرة وانتشارها إن كانت الغاية عليا أو مصلحة شخصية وكيفية استغلال القلم الذي يولد حرا وبعدها يصبح أسيرا ومجيرا للمنفعة الشخصية ولنأخذ دور الشاعر الكبير الذي لا احد يشك في شاعريته وامكانيته في النظم والقول وكيف آلت إليه النرجسية التي يحملها هذا الشاعر، فقد كانت القبيلة او العشيرة تحتفل بولادة الشاعر أو الفارس المتمثل بالشجاعة التي يدافع عن عشيرته من الغزوات والطامعين بها وهو يحمل سيفه ويذود في الدفاع وكما الشاعر الذي يدافع بالقرطاس والقلم في ذكر مناقب قبيلته وفضلها بين باقي القبائل المحيطة بها فالعرب تحرص كل الحرص على السمعة والمفاخرة وهنا يأتي دور الشاعر حيث يعتبر الوسيلة الإعلامية بمثابة فضائية تنقل كل ما تريد وتدافع عن مآثرهم وصفاتهم أمام الجميع فالناس في تلك الفترة كانت وسيلتهم الإعلامية هي الشعر حيث ينقل الشعر بين القبائل والدول عن طريق الشاعر وما يحفظ وقد اشتهرت العرب بهذه الميزة ميزة الحفظ والتنقل لنشر الشعر والأخبار، وقد اشتهر المتنبي على إنه أقوى وسيلة إعلامية في تلك الفترة حيث استطاع أن يُعرف المنسي وغير المعروف ويسفه من كانت سمعته طيبة وحسب ما تقتضيه المصالحة الضيقة، والى يومنا هذا الناس تحفظ شعر المتنبي وتردد حكمه وأقواله بل كثير منا يفتخر بأنه يحفظ من شعر المتنبي، فقد استطاع أن يغرس قلمه في عقولنا كما يغرس الفارس السيف في جسد الخصم...
(سَيعْلَمُ الجَمعُ ممّنْ ضَمّ مَجلِسُنا .. بأنّني خَيرُ مَنْ تَسْعَى بهِ قَدَمُ
أنَا الذي نَظَرَ الأعْمَى إلى أدَبي .. وَأسْمَعَتْ كَلِماتي مَنْ بهِ صَمَمُ
أنَامُ مِلْءَ جُفُوني عَنْ شَوَارِدِهَا .. وَيَسْهَرُ الخَلْقُ جَرّاهَا وَيخْتَصِمُ
الخَيْلُ وَاللّيْلُ وَالبَيْداءُ تَعرِفُني * وَالسّيفُ وَالرّمحُ والقرْطاسُ وَالقَلَمُ)
فكلمات المتنبي تأبى أن تموت مع الزمن فهذا الرجل يعرف معنى الكلمة ومدى قوتها في النفس البشرية وخاصة في بيئة مثل الجزيرة العربية فهو أبو الطيب أحمد بن الحسين والذي يعتبر أعجوبة زمانه وإمبراطور الشعراء كما يطلق عليه، ولد عام 303هـ في الكوفة بالعراق وكان من عائلة فقيرة وبسيطة الحال فعمل على التكسب بالمديح للملوك والأمراء وغيرهم ممن يدفعون له المال مقابل مدحهم، والعجيب بهذا الشاعر كان دائما يحاول أن يظهر عزة نفسه وإبراز ذاته وغروره، بدأ بتعلم العربية منذ صغره وقد قال الشعر وهو في عمر التاسعة من عمره والسبب إن العرب كانت ترسل أطفالها الى البادية ليتعلم النطق الصحيح وفصيح الكلام ولكون البادية لم تتأثر بالمدن وما يدخل على المدن من أجانب فتضعف اللغة وتصبح كما نسمعها في يومنا هذا، وقيل إنه ادعى النبوة وقد اتبعه أناس من البدو فخرج اليه أمير حمص وقبض عليه وسجنه سنة 321هـ فلما طال مكوثه في السجن كتب قصيدة يطلب العفو من أمير حمص فأطلق سراحه وقيل إنه قال لمن حوله انظروا سوفه أكتب قصيدة للأمير وأخرج من السجن وقد حدث ذلك بالفعل وسمي بالمتنبي بسبب هذه الحادثة أما مقدار حقيقة تلك الرواية فالله أعلم بها، لكن الصحيح إن هذا الرجل كان له طموح كبير وليس له حد يقف عليه، وبسبب قوة شعره وفصاحة لسانه جعله يتنقل بين الأمراء لغرض التقرب اليهم وقد عرف عنه إنه كان بعيدا كل البعد عن جلسات المسامرة والشهوات النفسية ولعل ذلك بسبب عزة نفسه كما يقال، وكان يكتب قصائد جميلة جدا وضمن ديوانه الشعري أكثر من خمسة آلف بيت وأكثر من ثلاثمائة قصيدة وهو الذي جمع ديوانه ورتبه كما نراه الآن ويذكر أن له أكثر من أربعين شرح لهذا الديوان وهذه الشهرة الواسعة أوجدت له خصوما، والسبب قوة شعره وفصاحته حتى يقال إنه كان يسفه الشعراء ويحرجهم أمام الجميع، وعندما ازدادت شهرته في الآفاق بدأ الملوك هم الذين يطلبونه الى بلاطهم، حيث مثلما قلت كان الإعلام هو الشعر بدلا من الصور ونشر الفيديوهات على مواقع التواصل والفضائية، حتى استدعاه سيف الدولة الحمداني والي الشام ليكون من المقربين إليه وخاصة إن سيف الدولة الحمداني كان في حرب مستمرة مع الروم فكان بحاجة الى شعر المتنبي لينقل للناس هذه الحروب وما حققه من انتصارات على الروم، وبالفعل كتب المتنبي أجمل أشعاره في ديوان تحت عنوان (سيفيات المتنبي) نسبة الى سيف الدولة الحمداني وكان سيف الله يكافئ المتنبي على تلك الأشعار والمتنبي حلمه أكبر من عطايا سيف الدولة فهو لم يبحث عن المال فقط بل يريد المناصب السيادية والمهمة بالدولة لكن وامير مثل سيف الدولة كان يحكم منطقة صغيرة لا تلبي رغبة المتنبي، بالرغم من أن شعر المتنبي كان له أثر كبير في نفوس الناس لسيف الدولة بل حتى لم يعرف الناس عن سيف الدولة أكثر من شعر المتنبي وما قال فيه، ترك المتنبي بلاط سيف الدولة ففكر في أي اتجاه يسلك فاختار (دولة الاخشيدية) والتي كانت يحكمها ملك يدعى(كافور الأخشيدي) فقرر الذهاب الى مصر مقر تلك الدولة، فجلس عند الملك كافور أربع سنوات وقد امتاز الملك كافور بشدة الدهاء والحكمة وكان يعرف مقاصد المتنبي ويعرف ماذا يريد من كل هذا المدح والثناء وحسب تقييم الملك كافور يرى في المتنبي شخصا غير كفء لنيل المطالب فاستخدم معه أسلوب التقريب والتبعيد عنه، بمعنى أبقاه مترجحا ما بين بين، ومسألة أخرى إن كافور كان يخشى أن يطرد المتنبي خوفا من شعره وهجائه، وخلال هذه الفترة أصدر المتنبي ديوان شعر بعنوان( الكافوريات) وهذا يعتبر آخر ديوان للمتنبي، ولما يئس المتنبي من كافور قال فيه قصيدته التي هجاه بها والتي عرف كافور بهذه القصيدة ولولا هذا القصيدة لم نعرف كافور بالشكل المعقول وقد قال فيها...
لا تشـتَـرِ الـعَـبـد إلا والـعَـصَـا مـعــه * إِن الـعَـبِـيــدَ لأنـــجـــاسٌ مَـنـاكــيــد
مـا كُنـتُ أَحسَبُنـي أَحيـا إلـى زَمَـن * ٍيُسـيء بـي فيـهِ عَبـد وَهْـوَمَحمـودُ.
ولم يكن كافور يستحق هذا الهجاء لكن هذا هو الإعلام الفاسد الذي امتاز به المتنبي من شتم من يسيء إليه ومدح لمن يدفع أكثر وهذه هي مخالفة للضمير وواضح الصراع من أجل المصالح وهنا تضيع المبادئ التي من أجلها ترفع الكلمة، ليصبح الآن القلم مأجورا والصحيفة التي تنشر أكاذيبهم مأجورة وهذا مبتغات المستبدين وعندما يكون الثالوث(المال والإعلام والسلطة) تكون الضحية هي الحقيقة، وهذه النرجسية التي عرف بها المتنبي كانت سبب في قتله سنة 354هـ عندما كان قاصدا بغداد خرج عليه رجل كان المتنبي هجا ابن اخته وقطع الطريق على المتنبي حاول المتنبي الهرب فلم يكن مع المتنبي سوى ثلاثين رجلا والذين خرجوا عليه يفوق عددهم، وعندما هرب نادى عليه خادمه قائلا كيف تهرب وماذا تقول عليك العرب وأنت القائل
الخَيْلُ وَاللّيْلُ وَالبَيْداءُ تَعرِفُني * وَالسّيفُ وَالرّمحُ والقرْطاسُ وَالقَلَمُ
صَحِبْتُ في الفَلَواتِ الوَحشَ منفَرِداً * حتى تَعَجّبَ مني القُورُ وَالأكَمُ
فرجع حتى قتل مع ابنه محسد، ليكون المتنبي ضحية لأشعاره والنرجسية التي يحملها من حب المناصب والنفوذ، لذلك عندما تكون الكلمة مؤثرة ولها قوة في المعنى والمقصد تكون ثمارها إما فائدة واما مصيبة وتلك هي المشكلة فالكثير من الإعلاميين والصحفيين والأدباء وغيرهم عندما يصبحون أداة بيد السلطة وخاصة إذا كانت السلطة مستبدة وتحمل كل معاني الظلم تجعل منهم عبيدا ويقتلون كل إبداع لديهم سوى لمصلحتهم فقط ، فتحاول أن تجد تلك النخبة عن طريق المال والمناصب، والحقيقة ان السلطة ليس لها ولاء لهؤلاء الكتاب فهم لديهم ثمن ووقت عندما تحترق أوراقهم يرمونهم في الشارع وهذا الذي يحدث الآن وقبل، فذلك أنصح كل ذي امكانية في شتى المجالات أن يبتعد عن السلطة الفاسدة لأن نهايته ستكون في جوار المتنبي.



#مصطفى_الهود (هاشتاغ)      



اشترك في قناة ‫«الحوار المتمدن» على اليوتيوب
حوار مع الكاتب التونسي د. هشام القروي حول تعدد الاحزاب والديمقراطية في تونس والعالم العربي بشكل عام
حوار مع الباحثة اللبنانية د. ريتا فرج حول الاسلام والجندر واتجاهاته الفكرية في التاريخ المعاصر


كيف تدعم-ين الحوار المتمدن واليسار والعلمانية على الانترنت؟

تابعونا على: الفيسبوك التويتر اليوتيوب RSS الانستغرام لينكدإن تيلكرام بنترست تمبلر بلوكر فليبورد الموبايل



رأيكم مهم للجميع - شارك في الحوار والتعليق على الموضوع
للاطلاع وإضافة التعليقات من خلال الموقع نرجو النقر على - تعليقات الحوار المتمدن -
تعليقات الفيسبوك () تعليقات الحوار المتمدن (0)


| نسخة  قابلة  للطباعة | ارسل هذا الموضوع الى صديق | حفظ - ورد
| حفظ | بحث | إضافة إلى المفضلة | للاتصال بالكاتب-ة
    عدد الموضوعات  المقروءة في الموقع  الى الان : 4,294,967,295
- مقالة / لم يكونوا عربا
- مقالة / نظرية العبيد
- حرمة المال العام
- الشاعر حسين مردان / بعقوبيا
- الفنان التشكيلي خضير الشكرجي / البعقوبي
- جواد سليم
- احمد الوائلي
- المنابر الاعلامية
- حوار مع الدكتور القاضي حسن علي آغا الزنكنه عن طبيعة عمله كقا ...
- عالية محمد
- حوار مع استاذ التاريخ الدكتور تحسين حميد مجيد عن الاسس العلم ...
- سقوط
- حوار مع الشاعر الكبير غزاي درع الطائي عن تجربته الشعرية
- متسولون
- السيرة الذاتية للدكتور تحسين حميد مجيد استاذ التاريخ
- السيرة الذاتية للكابتن ثامر احمد كلاز
- رئيس مهندسين بشار عسكر في حوار مفتوح عن اهمية التخطيط والمتا ...
- حوار مفتوح مع المحامي احمد الخياط عن ما وراء الاحتلال الامري ...
- جاريث جالهان
- أداة حاكم


المزيد.....




- أكثر من ألف قطعة فنية.. متحف الفن الإسلامي بقطر في حلة جديدة ...
- أَثَرٌ بَعْدَ عَيْن
- في تعليقه على قرار -أوبك+-.. وزير الطاقة السعودي يذكّر بمسرح ...
- روسيا والهند تتجهان لتنظيم عروض متبادلة للأفلام الوطنية
- في تعليقه على قرار -أوبك+-.. وزير الطاقة السعودي يذكّر بمسرح ...
- دبي: انطلاق معرض سوذبيز لفنون القرن العشرين
- ذكرى رحيل الروائي السويدي هينغ مانكل
- 11 مطربا في مهرجان -الغناء بالفصحى- بالرياض.. ماجدة الرومي ت ...
- بحلته الجديدة المبتكرة.. متحف الفن الإسلامي بقطر يبرز روائع ...
- وزير الطاقة السعودي يستشهد بمسرحية في تعليقه على قرار أوبك+ ...


المزيد.....

- فوقوا بقى .. الخرافات بالهبل والعبيط / سامى لبيب
- وَيُسَمُّوْنَهَا «كورُونا»، وَيُسَمُّوْنَهُ «كورُونا» (3-4) ... / غياث المرزوق
- التقنية والحداثة من منظور مدرسة فرانكفو رت / محمد فشفاشي
- سَلَامُ ليَـــــالِيك / مزوار محمد سعيد
- سور الأزبكية : مقامة أدبية / ماجد هاشم كيلاني
- مقامات الكيلاني / ماجد هاشم كيلاني
- االمجد للأرانب : إشارات الإغراء بالثقافة العربية والإرهاب / سامي عبدالعال
- تخاريف / أيمن زهري
- البنطلون لأ / خالد ابوعليو
- مشاركة المرأة العراقية في سوق العمل / نبيل جعفر عبد الرضا و مروة عبد الرحيم


المزيد.....
الصفحة الرئيسية - كتابات ساخرة - مصطفى الهود - مقالة / المتنبي والاعلام الفاسد