أخبار عامة - وكالة أنباء المرأة - اخبار الأدب والفن - وكالة أنباء اليسار - وكالة أنباء العلمانية - وكالة أنباء العمال - وكالة أنباء حقوق الإنسان - اخبار الرياضة - اخبار الاقتصاد - اخبار الطب والعلوم

إذا لديكم مشاكل تقنية في تصفح الحوار المتمدن نرجو النقر على الرابط البديل ادناه
https://www.ahewar.net/debat/show.art.asp?aid=682662

الصفحة الرئيسية - مقابلات و حوارات - مصطفى الهود - حوار مع الشاعر الكبير غزاي درع الطائي عن تجربته الشعرية















المزيد.....



حوار مع الشاعر الكبير غزاي درع الطائي عن تجربته الشعرية


مصطفى الهود

الحوار المتمدن-العدد: 6604 - 2020 / 6 / 27 - 01:18
المحور: مقابلات و حوارات
    


عتبارها غاية أيضا ، وإذا كان يمكن لجميع مستخدمي اللغة أن يتملَّصوا من هذا النوع من المسؤولية فإن الا يذكر شعراء العراق الكبار إلا ويذكر أسمه , الشاعر غزاي درع ألطائـــــــي أحد أعمـــــــــدة الشعر العراقـــــــي المعاصر ومــن
جيل الشعراء السبعيني ، الطائي الذي يتمتع بشهرة أدبية واسعة التقيت به في فترات متباعدة كان أخرها , أمسية أقامتها مؤسسة قلم الثقافية في بغداد ، وقدمه فيها ابن مدينته الشاعر أمين جياد والتي أعادنا إلى أجواء الشعر الحقيقية والحياة التي مرت دون رجعة ، وسحر بغداد وبعقوبة ، والقرى الغافية على ضفة نهر خريسان .
الشعر واسع كالحياة وهائل كالخيال وعميق كالمحيط وغير متوقع كالحلم
والشعراء يكسرون القواعد دائما بحثا عن الجديد
 البدايات تقود إلى طرق متشعبة وربما غير متوقعة، بودي أن أعرف شيئا عن البدايات والطرق التي تشعبت إليها ؟
ولدت في عام 1951م في قرية العكر التي تبعد بمسافة عشرين كيلومترا عن بعقوبة بمحافظة ديالى / العراق ، حيث الأشجار والأنهار والأزهار والعصافير والحمام والدُّرّاج ، وحيث المضائف والأعمام والأخوال والضيوف المتعاقبون .
القادم إلى العكر لا بد أن يمر بتلول الكريستال ، وهي تلول يعود تاريخها إلى عصر دويلات المدن ، فيها آثار الغابرين وعلاماتهم الفارقة ، وفيها قطع من الذهب تلمع تحت الشمس بعد نزول المطر وانقشاع الغيوم .
أنهيت دراستي الابتدائية في مدرسة القرية واسمها (مدرسة المجد الابتدائية للبنين) ، وكنت الأول على المدرسة في امتحانات البكالوريا للصف السادس الابتدائي ، أما دراستي الثانوية فقضيتها في بعقوبة ( 1964 ـــ 1970 ) ، وفي عام 1970 انتقلت (دراسيا) إلى بغداد ، إذ جرى قبولي في كلية الهندسة التكنولوجية بجامعة بغداد التي كانت مدة الدراسة الهندسية فيها خمس سنوات ، وفي عام 1975 حصلت على شهادة البكالوريوس في هندسة الميكانيك / المكائن ، ومن الحياة المدنية الدراسية انتقلت إلى الحياة العسكرية ضابطا مهندسا في القوة الجوية والدفاع الجوي ، وتدرجت في الرتب العسكرية حتى وصلت إلى رتبة عميد مهندس ، وبقيت في الخدمة حتى حصول الاحتلال الأمريكي الغاشم للعراق عام 2003م .
ونظرا لإحساسي بأهمية دراسة اللغة العربية لي ولكل شاعر وأديب ، اتجهت لدراسة اللغة العربية في جامعة ديالى.
بدأت بالاهتمام بالقراءة والكتابة وبالأدب بشكل عام وبالشعر بشكل خاص منذ فترة الدراسة المتوسطة ، ففي تلك الفترة كنت غاويا لقراءة الكتب والصحف والمجلات ، وقد كان لمدرسي في مرحلة الدراسة الإعدادية الدكتور ( حاليا ) السيد عبد الحليم المدني الفضل في توجيهي وفي الأخذ بيدي في دروب القراءة والكتابة .
كانت أول قصيدة منشورة لي هي قصيدة ( مطالعات في عودة سعيد بن جبير ) وقد نشرتها جريدة الثورة التي كانت تصدر في ذلك الوقت في شباط 1973 .
في مرحلة الدراسة الجامعية كنت أشارك بشكل مستمر في المهرجانات الشعرية التي كانت تقام في الكلية وفي الجامعة ، وكانت تلك الفترة عاجة بالشعراء الموهوبين من أمثال خزعل الماجدي ورعد عبد القادر ومرشد الزبيدي وساجدة الموسوي وصاحب الشاهر وريسان الخزعلي وفاضل عزيز فرمان وغيرهم .
شاركت مع الشاعرين خزعل الماجدي وعبد الحسين صنكور بكتابة (دعوة لكتابة القصيدة اليومية) ، التي عُدت فيما بعد (بيان الجيل السبعيني في العراق ) ، وقد نشرت تلك الدعوة مجلة الكلمة في عددها الخامس / أيلول / 1973م .
ـــ قدم لي صورة تعريفية عنك .
أسكن في محافظة ديالى / بعقوبة
مهندس استشاري / عضو نقابة المهندسين العراقية / عضو اتحاد المهندسين العرب / حاصل على شهادة البكالوريوس في الهندسة من كلية الهندسة التكنولوجية بجامعة بغداد (الجامعة التكنولوجية حاليا) عام 1975 ، وحاصل على شهادة البكالوريوس في اللغة العربية من كلية التربية بجامعة ديالى عام 2001 .
وحاصل على شهادة الماجستير في اللغة العربية / تخصص ( الأدب ) من كلية التربية للعلوم الإنسانية بجامعة ديالى عام 2018م .
منذ أيلول 2018 وأنا طالب دراسات عليا / دكتوراه لغة عربية / أدب ، في كلية التربية للعلوم الإنسانية بجامعة ديالى.
عضو الاتحاد العام للأدباء والكتاب في العراق
أصدرت ست مجموعات شعرية ما بين عامي 1974 و1997وكلها صدرت عن وزارة الثقافة والإعلام العراقية ، وهي:
1 . الرماد في الشوارع ... أين الرفاق ؟ ، 1980 .
2 . القرى تنتظر القمر ، 1984 .
3 . بلاد لا يغلبها إلا الحب ، 1987 .
4 . البحر الأخضر ، 1988 .
5 . السيف والجنائب ، 1989 .
6 . نقاط حديث عراقية ، 1998 .
ـــ صدر لي ( 2014 ) كتاب شعري عنوانه ( سلسلة من ذهب ) عن دار ضفاف للطباعة والنشر (الشارقة ـــ بغداد) .
ـــ صدر لي كتاب شعري عنوانه ( خبز عراقي ساخن ) ، كانت طبعته الأولى في مؤسسة شمس للنشر والإعلام ، القاهرة ، 2016 ، فيما كانت طبعته الثانية في دار أور للطباعة والنشر / بغداد ، عام 2016 أيضا .
ـــ صدر في دمشق / دار الينابيع كتابي الشعري ( وقت من رمل ) عام 2017 .
ـــ كنت واحد من ثلاثة شعراء أصدروا ( دعوة لكتابة القصيدة اليومية ) عام 1974 .
ـــ أطلق عليَّ شيخ النقاد العراقيين المرحوم عبدالجبار البصري لقب لوركا العراق عام 1981.
ـــ أنا الشاعر العراقي الذي كتب قصيدة ضد أولبرايت سفيرة أميركا في الأمم المتحدة عام 1994ووصفها بالأفعى الأمر الذي جعلها تسدر في غيها وتضع على صدرها دبوسا على شكل أفعى ردا على القصيدة .
ـــ أنا الشاعر العراقي الذي خاطب الرئيس أوباما في قصيدة عنوانهـــــــــــــا ( شاعر عراقي يخاطب الرئيس أوباما ) في أثناء الاحتلال الأميركي للعراق .
آخر نشاطاتي :
ـــ حصولي على الجائزة الأولى في المسابقة التي أقامها النادي الثقافي العراقي في دمشق عام 2010م باسم (جائزة الشاعر عبد الرزاق عبد الواحد ) .
ـــ حصولي على درع الجواهري من الإتحاد العام للأدباء والكتاب في العراق / 2011 .
ـــ حصولي على وسام الإبداع من شبكة أنباء العراق/2013 .
ـــ اختار لي معجم البابطين للشعراء المعاصرين ضمن طبعته الثالثة التي صدرت عام 2014 مجموعة من قصائدي .
ـــ أنجزت تحرير (ديوان الشعر الفصيح لمظفر النواب) ،عام 2018 ، (مخطوط) ، وهو من أكثر من ألف صفحة .
ـــ أنجزت تحرير كتاب ضم جميع ما كُتب عن مظفر النواب من مقالات وما أُجري معه من حوارات وما كتبت عنه من قصائد ، عام 2018 ، (مخطوط) .
ـــ صدر عن دار الشؤون الثقافية ، وزارة الثقافة العراقية ، بغداد ـ كتابي : مظفر النواب شاعر الصبر العراقي الجميل، دراسة في الإيقاع ـــ أنماطه ودلالاته ـــ في شعر مظفر النواب ، وهي رسالتي التي نلت بها درجة الماجستير في اللغة العربية ، تخصص الأدب ، وقد صدر عام 2019 .
ـــ قدمت إلى الإتحاد العام للأدباء والكتاب في العراق مخطوطة كتابي التقدي (سلاطين القول) ، وذلك في تموز 2019 ، لغرض النشر .
بعد التعريف ، ننتقل الآن إلى عوالم الإبداع وحيثياتها وأفكارها.
 القلم ، هل يُباع ؟ وهل يُشترى ؟ .
سيِّد هو القلم ، مبجَّل ، كريم ، محترم ، مقدَّر ، مصان ، وأكبر شرف للقلم أن السورة الثامنة والستين في القرآن الكريم حملت اسم ( القلم ) ، وأن الله تعالى قد أقسم بالقلم وما يسطره القلم ، وذلك في قوله المبارك : ( ن والقلم ِ وما يسطرون ) ، وعن هذا يقول أبو الفتح البستي :
كفى قلمَ الكُتّابِ مجداً ورفعةً
مدى الدَّهرِ أنَّ اللهَ أقسمَ بالقلمْ
قال أرسطو عن القلم : القلم هو العلَّة الفاعلة ، وإن عقول الرجال تحت سنِّ أقلامهم ، وقال عنه جالينوس : القلم طبيب المنطق ، وقال ابن المقفع : القلم بريد القلوب ، يخبر بالخبر وينظر بلا نظر ، وقال سهل بن هارون : القلم أنف الضمير ، وقال ابن أبي دؤاد : القلم سفير العقل ورسوله ولسانه الأطول وترجمانه الأفضل ، ونقل ابن عبد ربه الأندلسي في كتابه ( العقد الفريد ) قول علي بن عبيدة عن القلم ، وهو : القلم أصم يسمع النجوى ، أعيا من باقل ، وأبلغ من سحبان بن وائل ، يجهل الشاهد ويخبر الغائب ، ويجعل الكتب بين الإخوان ألسنا ناطقة وأعينا لاحظة ، وربما ضمَّنها من ودائع القلوب ما لا تبوح به الألسن .
هو القلم الذي لا يخضع إلا لقيم الخير والسلام والمحبة والتعاون والتآخي والمساواة والتحرر ، ولا يلتزم إلا جانب الشرف والقيم النبيلة التي يتَّفق عليها الأحرار في مشارق الأرض ومغاربها .
إن الكلمة الطيبة تخرج من القلم الطيب ، والكلمة الخبيثة تخرج من القلم الخبيث ، ورحم الله امرأ أوسع الطرق والأوراق للقلم الطيب وأغلق الطرق والأوراق بوجه القلم الخبيث .
وحملة الأقلام كحملة السيوف في مستوى الكرامة والعزة، وضربة القلم لا تقل أثرا عن ضربة السيف ، وصرير الأقلام ليس أقل هيبة من صليل السيوف ، وإذا كنّا نسمع أو نقرأ هنا أو هناك ، في هذا أو ذاك من الأزمان ، عن شراء قلم أو بيع آخر ، فإننا نسمع ذلك أو نقراه كما نسمع أو نقرأ عن الفضائح والأعمال الرذيلة والصفقات المهينة ، إن ذلك عار ليس قبله أو بعده عار ، وذل يتبع صاحبه أينما حلَّ وأينما رحل .
إن القلم المُباع أو المُشترى يجب أن يُحرم من التمتع بحقوق الأقلام والتباهي بشرفها والزهو بحريتها ، إنه ملعون ، مهان ، غير محترم ، ذليل ، مطرود ، منبوذ ، وليس له مكان بين الأقلام أبدا .
 لم يعد التعبير الشعري معتمدا على اللفظ الشعري ، والشاعر المعاصر استخدم وسائل عديدة لإغناء المعنى في النص الشعري ، كيف تنظر إلى هذه المسألة ؟ .
لم يعد التعبير الشعري معتمدا على اللفظ الشعري وحسب ، ولم يعد الشاعر معتمدا على الألفاظ فقط في نصه الشعري ، فإلى جانب اللفظ الشعري ، برزت أهمية ما يسمى بعلامات الترقيم .. مثل : النقطة ، الفارزة ، الشارحة ، النقطتين الشارحتين ، علامة الاستفهام ، علامة التعجب ، الأقواس بأنواعها المختلفة ، الخط المائل ..الخ ، وقد استخدم الشاعر المعاصر علامات الترقيم هذه لأغراض مضمونية يستطيع القارئ أن يلتقطها ويتآلف معها ويفهمها ، والى جانب علامات الترقيم التي ذكرناها ، استخدم هذا الشاعر وسائل أخرى كان لها دورها في إغناء معنى النص الشعري وتعميقه وتوسيع آفاقه ، ومن تلك الوسائل :
ـــ السطر الخطي المتكون من خط مستمر فقط .
ـــ السطر المتكون من نقاط متتالية فقط ، وربما كانت هناك عدة سطور من النقاط المتتالية .
ـــ الفراغات بين الكلمات والجمل والسطور الشعرية .
ـــ وضع الخطوط تحت الكلمات والجمل والسطور الشعرية .
ـــ تغيير في حجم حروف الطباعة لكلمات أو جمل أو مقاطع أو سطور شعرية يحدِّدها الشاعر .
ـــ تغيير في كثافة حبر الطباعة المستخدم في بعض الكلمات أو الجمل أو المقاطع أو السطور الشعرية ، وحسب ما يراه الشاعر .
وغيرها .. ، ويمكن للشاعر المبدع أن يأتي بوسائل جديدة أخرى .
 الشعر كلمة ، نعم ، ولكنه حرية وإحساس وشعور وموقف ، أليس كذلك ؟ .
الشعر كلمة ، هذا بديهي ، ولكنه كلمة طيبة وليست خبيثة ، وعندما يكون الشعر كلمة طيبة ، نستطيع أن نقول براحة بال كاملة إن ذلك الشعر يستحق النشر .
الشعر حرية ، هذا بديهي أيضا ، ولكن الحرية يجب أن تكون للنور لا للظلام ، للأمل لا لليأس ، للرحمة لا للانتقام ، للربيع لا للخريف ، لي ولك وللآخرين ، على أساس المساواة والحب والحق والعدل والتعاون والاحترام والدور الإيجابي والفاعلية الإنسانية .
الشعر إحساس وشعور ، ليس إحساسي وشعوري وحسب ، بل إحساسي بالآخر وشعوري به ومشاركتي له ، وإحساس الآخر وشعوره بي ومشاركته لي ، وما دام الإحساس فيضا والشعور كذلك ، فإن الشعر بالضرورة فيض ، إنه فيض على الذات القائلة من جهة ، وعلى الذات الأخرى ـــ ذات القارئ أو السامع أو السامع والرائي ـــ من جهة أخرى .

 كان الشعراء طبقات ، فهل ما زال الشعراء طبقات ؟ .
الشعراء طبقات هكذا كانوا ، وهكذا هم ، ولا غرابة في ذلك ، وعلى كل شاعر أن يعرف طبقته وطبقات الآخرين ، وأن يعرف حجمه وحجوم الآخرين ، وبعد ذلك ليصرح بما يشاء للعدسات واللاقطات والأوراق وليقل ما يشير إلى أنه يعرف ما يتوجب عليه أن يعرفه ، وأمام هذه الحقيقة ، نرى أن كل الشعراء يريدون أن تكون لهم قامات عالية ليتمكنوا من رؤية ما لم يتمكن غيرهم من رؤيته ، هذا حلمهم جميعا ، وهو حق مشروع ، ولا يملك أحد حقَّ ردِّهم عنه ، ولكن القلَّة منهم من يمتلكون ناصية ذلك الحلم بالفعل ، ولذلك ترى تلك القلَّة على كل لسان ، وترى إلى جانب هذه القلَّة الكثير من الشعراء الذين يتطاولون .. لعل وعسى ، وهناك فرق ، فرق كبير بين التطاول وامتلاك الطول .
 كيف تنظر إلى العلاقة بين الشعر واللغة ؟ .
من غير اللغة لا يستطيع الشاعر أن يفعل شيئا ، فعبرها يخلق الصور ويحرِّر الأفكار ويحلِّق في الأحلام ويسيح في الخيال وينثر العواطف ، ويبني ويزرع ويتأمل ويحب ، الشعر حركة واللغة كذلك ولذلك يتعانقان كصديقين عزيزين ومتوافقين حدَّ التطابق ، ولكن : من أين يستمد الشاعر لغته؟، أيستمدها من قراءاته ؟ أم من الحياة ؟ أمن من كليهما؟ أم من شيء آخر ؟ .
إن لكل شاعر لغته ، والكثير من الشعراء يستمدون لغتهم من قراءاتهم ، ويستطيع القارئ بقليل من الفطنة أن يعرف أن الشاعر (س) يستمد لغته من الشعر الجاهلي وما حوله ، وأن الشاعر (ص) يستمد لغته من الشعر الصوفي وما وراءه ، وأن الشاعر (ع) يستمد لغته من الشعر الأوربي المعاصر ، وإلى جانب هؤلاء جميعا نجد ذلك الشاعر الذي يختلف في لغته عن كل ما عداه ، فله بحره الخاص الذي يغترف منه وله صخرته الخاصة التي ينحت فيها ، وله طريقه الإبداعي المتفرد ، وذلك هو الإبداع وليس غيره ، وفي كل الأحوال لا بد أن ينطلق الشاعر بأحلامه وخيالاته من الحياة وشؤونها ويومياتها وحرارة أحداثها وتشابكات أحوالها وهو يكتب قصيدته ، قائلا : هذا ما جئت به إليكم من الحياة أيها القراء.
ومن المؤسف له أن نقرأ هنا وهناك قصائد استمد شعراؤها لغتهم من القديم القديم ، وكأنهم معاصرين لامرئ القيس على سبيل المثال ، فنرى لغتهم تتشابك مع (العقنقل) و(السجنجل)، أو كأنهم يعيشون مع هنري ميشو في ذات الشقَّة الباريسية ، فنرى لغتهم تتشابك مع (فرساي) و(المترو)، أو كأنهم يلبسون الصوف ويمشون مع الحلاج ، فنرى لغتهم تتشابك مع (سبحانك) و(لبيك) و(ناسوتي) .
ويمكن القول باطمئنان : إن الشاعر يُعرف من لغته الشعرية، والشاعر المتميز هو الشاعر الذي يستطيع القارئ من معرفة قصيدته حتى لو لم يضع اسمه عليها .
إن الشاعر ليتوقف طويلا أمام اللفظة الشعرية قبل استخدامها ووضعها في تركيب أو سياق أو ترتيب أو جملة شعرية ، وهو يجد نفسه أمامها في ساحة امتحان حقيقي ، وفي ذلك الإمتحان يتوجب عليه أن يأخذ بالحسبان النقاط البارزة الآتية:
1- الإبتعاد عن أداء دور الببغاء ، والإمتناع عن ترديد القوالب الشعرية الجاهزة التي شاعت عند الشعراء الآخرين ، سواء أكانوا سابقين أم مجايلين .
2- تنقية اللغة من شوائب المعاظلة والتقعُّر والتعقيد ، وإبعادها عن الشاذ والمنكر على نحو حثيث .
3- التنحّي عن الغريب والحوشي ، ومراعاة موقع اللفظة ضمن الوحدة أو الوحدات التعبيرية ، والتأكد من حسن علاقتها مع ما يجاورها من الألفاظ .
4- مراعاة شروط الفصاحة وعدم التساهل بها تحت أي مسوِّغ كان .
5- مجافاة التحنيط اللغوي والبحث عما هو غير مستهلك وغير جامد وغير متحجر من الألفاظ ، فالشاعر ليس موظفا في إحدى شركات التحنيط والتحجر اللفظي .
6- التحقُّق من سلامة اللغة واعتبارها شرطا لا يمكن التنازل عنه مهما كان ، وتخيُّر الألفاظ المناسبة للمعاني المنتخبة في إطار من السبك المبدع .
وفي خضم ذلك كله ، يجد الشاعر نفسه أمام ثلاثة أمور لا مناص له من إعطائها العناية التي تستحقها وهي :
1- تحقيق الإبتكار والخلق والإبداع .
2- حيازة شروط الإصالة في العمل الشعري .
3- تحمل المسؤولية الحقيقية إزاء اللغة لا باعتبارها وسيلة وحسب بل بالشاعر لا يمكن له ذلك مهما حاول ، فباللغة تميَّز هذا الشاعر عن ذاك ، وبها عُرفت خصائص أشعاره .
وقد كان الناقد العراقي الكبير الدكتور عناد غزوان (رحمه الله) يردِّد دائما في محاضراته الكثيرة التي كان يُلقيها هنا وهناك : إن اللغة بالنسبة للجميع هي وسيلة إلا الشاعر فإنها بالنسبة له غاية ، وهو في رؤيته هذه يلتقي مع الشاعر الإنكليزي (ت.س.إليوت) (1888ــ1965) م الذي قال في مقالته المشهورة (التقاليد والموهبة الفردية) عن اللغة وواجب الشاعر تجاهها : (إن واجب الشاعر تجاه شعبه إنما هو واجب غير مباشر ، أما واجبه المباشر فتجاه لغته ، إنه واجب المحافظة على اللغة ونشرها وتطويرها) ، مضيفـا : (إن الشعر بمدى جودته وحيويته يؤثر في لغة الأمة كلها وفي حساسيتها) ، وذهب إليوت إلى أبعد من ذلك حين ربط الحضارة باللغة قائلا : (ن أغلب الناس لا يدركون أن لغتهم ستتدهور ، وستتدهور حضارتهم بأكملها ما لم يثابروا على إخراج مزيد من الكُتّاب العظام ومن الشعراء العظام خاصـة).
إن مسؤولية الشاعر تجاه لغته مسؤولية خطيرة ، وخطورة المسؤولية متأتية من أن اللغة بالنسبة إليه وسيلة وغاية في الوقت نفسه ، فهي من جهة وسيلة للتعبير والشرح والتفسير والوصف والتنوير ونقل الأحاسيس والعواطف والأفكار ، ومن جهة أخرى كائن يطلب أعلى درجات الرعاية والاهتمام والعناية والإبداع .
يقول الدكتور علي عباس علوان في كتابه (تطور الشعر العربي الحديث في العراق) : (إن ثراءها ـــ يقصد اللغة ـــ وتطويرها عند كل الأمم لا يتم إلا بجهود الشعراء في المرتبة الأولى ، بسبب من أن كل الذين يتعاملون باللغة من غير الشعراء يخضعون لقوانينها خضوعا صارما ، بينما يُعطى حق الإبداع والخلق والتوليد للشاعر وحده لإقامة علاقات جديدة في تعامل خاص به ينفرد به عن غيره من الشعراء ، فهو لا يحترمها على أنها ظاهرة اجتماعية كما هي الحال عند الآخرين ، وإنما لأنها أداته ومادته والصورة الملموسة لتجربته الإبداعية) ، وقد جوَّز القدماء للشعراء تحت باب (الضرورات الشعرية) الكثير مما لا يجوز لغيرهم ، وفسَّروا تلك (الضرورات) بأنها ما يجوز للشاعر دون الناثر ، أو ما يجوز للشاعر ولا يجوز لغيره .
ومن حسن حظ الشعراء العرب ، فإن اللغة العربية ، إضافة إلى امتلاكها خصائص التوليد والتعريب والنحت واشتهارها بالتضاد والمشترك والترادف والإعراب ، تميَّزت بكونها لغة اشتقاقية أي أنها قادرة على إضافة الكلمات المشتقَّة الجديدة .
إن اللغة العربية امتلكت من (الجذور) ومن (الأوزان) ومن (السوابق) و(اللواحق) ، ما مكَّنها من امتلاك أكبر معجم لغوي ، إنها ، وهذا ثابت ، تتميز بسعة في المجاز وبكثرة في المترادفات وبتعدُّد الأسماء والمسمّ المترادفات وبتعدُّد الأسماء والمسمَّيات ، ومن إشارات التوسُّع فيها ، على سبيل المثال ، أنها أعطت للأســـد (150) إسما وللسيف (120) إسما وللعسل (80) إسما وللحجــر (70) إسما .
 القديم والجديد ، القدماء والمتأخرون ، حوار ما زال مستعرا ، أين أنت من هذا الحوار ؟
منذ أن قال ابن قتيبة الدينوري (ت 276 ه) في كتابه (الشعر والشعراء) : (ليس لمتأخر أن يخرج عن مذهب المتقدمين) ، جاعلا دور الشعراء المتأخرين محدَّدا بتقليد الشعراء المتقدمين وموصِدا باب التجديد والتطوير والإتيان بالمختلف ، وحتى يومنا هذا ، ما زال هناك من النقاد من يوجب عدم الخروج عن (مذهب المتقدمين) ، بل كان هناك في كل عصر من يقتفي أثر ابن قتيبة الدينوري في قطع طريق التجديد والاختلاف واختيار طريق آخر ، ولكن الشعراء في كل زمان ومكان يصرّون على ولوج الآفاق الجديدة وفتح أبواب الإبداع المؤصدة على مصاريعها ولو اعترض ابن قتيبة الدينوري ومن سار على نهجه .
إن الكتابة شعرية كانت أم غير شعرية هي إبداع ولا يكون الإبداع بالتقليد والنسج على المنوال ، ولو أن الشعراء التزموا بما قاله ابن قتيبة الدينوري لتوقف الشعر على الحال الذي كان عليه في القرن الثالث الهجري ولتجمَّد عند ذلك الحال ، ولكن الشعراء دائما يضربون بحيرات الشعر بأحجارهم فيحرِّكون مياهها الراكدة بل ويذهبون إلى أبعد من ذلك فيشقّون أنهارا جديدة لم تعرفها الأرض من قبل .
في كل زمان بل في كل وقت ، هناك جديد مثلما هناك قديم، وهناك محدثون مثلما هناك قدامى ، فليس هناك جديد لو لم يكن هناك قديم ، وليس هناك محدثون لو لم يكن هناك قدامى .
وقضية القديم والجديد قديمة جدا ، فهذا ابن قيبة الدينوري (ت 276هـ) يقول في كتابه (الشعر والشعراء) : (كان جرير والفرزدق والأخطل وأمثالهم يعدَّون محدثين ، وكان أبو عمرو بن العلاء يقول : لقد كثر هذا المحدث وحَسُن ، حتى لقد هممت بروايته ، ثم صار هؤلاء قدماء عندما بَعُد العهد منهم، وكذلك يكون من بعدهم لمن بعدنا...) وهذا طراد الكبيسي يقول حول الموضوع نفسه في كتابه (كتاب المنزلات) : (إن كل جهد إبداعي جديد إنما يقوم على جهد إبداعي سابق ، فمن تراكم المعرفة تاريخيا تتولَّد معرفة جديدة، ومن هنا توصف المعرفة البشرية بأنها أشبه بحلقات متتابعة يدفع بعضها بعضا ويمدُّه بأسباب التجدُّد والتطور والتسارع) ، إنها القافلة تسير، وعلى الراكب الأخير أن يقبل بوجود الراكبين الذين سبقوه، وفي الوقت ذاته على الراكبين السابقين قبول الراكب الأخير بينهم ، إنها قافلة، أليس كذلك؟.
 التجديد في الشعر ، ماذا تقول عنه ؟
لا يكون التجديد الشعري بالقول التجديدي أعني بالتنظيرات التي يطرحها الشعراء ، بل يكون بالفعل التجديدي أعني خلق قصيدة تجديدية ، ولو اتخذنا من تنظيرات الشعراء عن التجديد الشعري مقياسا للتجديد في القصائد لوضعنا جميل صدقي الزهاوي (1863 ـــ 1936م) على رأس قائمة الشعراء المجددين ، لكثرة ما صرَّح به نثرا وشعرا عن التجديد الشعري، ولكن الحقيقة هي شيء آخر تماما ، فقصائده لم تكن بمستوى تنظيراته ، ومما قاله الزهاوي في التجديد (شعرا):
يا شعرُ ثِبْ وتجــــــــــــدَّدِ
يا شعرُ إنْ تجمدْ تمتْ
وعلى القديمِ تمــــــــــرَّدِ
وتعيشُ إنْ لم تجمدِ

ومما قاله في التجديد ( نثرا ) :
(التجديد هو أن ينظم الشاعر عن شعور عصري صادق ، يختلج في نفسه لا عن تقليد ) ، وأضاف : (ليكن ميزان الجديد هو ما هزَّ النفوس وعبَّر عن الشعور ، وميزان القديم كل ما مجَّه السَّمع وعافته النفوس مما لا علاقة له بالشعور)، ثم يقول بيته المعروف :
إذا الشِّعرُ لم يهززكَ عند سماعِهِ فليس خليقا أنْ يُقالَ لهُ شــعرُ
إن الشاعر بحاجة إلى أن يقف على قمة تشرف على قمم المدارس الشعرية ليقطف ثمارها الناضجة وليتقدم مستشرفا قمما أخرى ، كما فعل الشاعر الفرنسي أبولينير (1880 ـــ 1918) م حين وقف على قمة تشرف على ثورات الشعر الفرنسية الثلاث (الرومانتيكية والرمزية والسريالية) وتقدم مستشرفا قمما أخرى تحمل المغامرة والحلم وعلامات التعجب.
 كيف تنظر إلى الشعر الذي كُتب إبّان الاحتلال الأميركي للعراق ؟ .
عندما احتلَّ النازيون فرنسا في الحرب العالمية الثانية ، انقسم الشعراء الفرنسيون ، تحت وطأة الاحتلال والحرب والمقاومة ، إلى ثلاثة أقسام هي :
ـــ القسم الأول : الشعراء الذين بقوا في فرنسا ، وانتموا إلى جبهة مقاومة المحتل ، مثل : أندريه مالرو ، أراغون ، رينيه شار ، بول إيلوار ، بيار إيمانويل ، البير كامو ، فرانسوا مورياك ، وجان بولان ، وكان شعرهم شاهدا على ما حصل (من وجهة النظر التاريخية) ، وأداة تحريض ونضال لرفض المحتل ومقاومته بكل السبل والوسائل .
ـــ القسم الثاني : الشعراء الذين هاجروا ، بحثا عن ملاذ آمن، فبريتون وسان جون بيرس مثلا هاجرا إلى أميركا ، وبنجمان بيريه إلى المكسيك ، وجورج برنانوس إلى البرازيل ، واندريه جيد إلى إفريقيا الشمالية .
ـــ القسم الثالث : وهم قلة ، وهم الشعراء الذين تواطؤوا مع المحتل ، مثل الشاعر دريو ده لاروشيل ، الذي انتحر عام 1945م ، ربما تخلصا من عار ذلك التواطؤ المخزي .
ويبدو أن هذا هو ما يحصل في ظل أي احتلال ، في كل زمان وفي كل مكان ، ومنها الاحتلال الأميركي للعراق .
 الشعر واسع وعريض وعميق ، فكيف يمكن تحديده في إطار الأغراض الشعرية ؟
وضع ابن رشيق القيرواني (ت 463ه) في كتابه (العمدة في محاسن الشعر وآدابه) الشعر كله في ثلاث طبقات ، فقال : (الشعر كله في ثلاث طبقات : إذا مدحت قلت : أنتَ ، وإذا هجوتَ قلتَ : لستَ ، وإذا رثيتَ قلتَ : كنتَ) ، أي أنه جعل للشعر ثلاثة أغراض لا يتعدّاها إلى غيرها وهي : المديح والهجاء والرثاء ، وهذا كلام مردود ، فلا يمكن أن يُحصر الشعر في ثلاثة أغراض ، وكلام ابن رشيق هذا لا يصحُّ حتى على الشعر الجاهلي وحده ، ذلك الشعر الذي تعدَّدت في الأغراض وتوسَّعت ، فأين الفخر ؟ وأين الوصف؟ وأين الغزل ؟ وأين ؟ وأين ؟ .
وجعل أبو هلال العسكري (ت 395ه) في كتابه (ديوان المعالي) الشعر في الجاهلية على خمسة أقسام ، فقال : (وإنما كانت أقسام الشعر في الجاهلية خمسة : المديح والهجاء والوصف والتشبيب والمراثي ، وزاد النابغة الذبياني قسما سادسا وهو الإعتذار ، فأحسن فيه ، ولا أعرف أحدا من المحدثين بلغ مبلغه فيه إلا البحتري) ، وهذا أيضا كلام مردود ففيه إهمال واضح لأغراض شعرية عديدة ، ومثل هذا الكلام قاله قدامة بن جعفر (ت 327هـ) في كتابه (نقد الشعر) فقد وزَّع الشعر على ستة أغراض هي : المديح ، الهجاء ، النسيب ، المراثي ، الوصف ، التشبيه ، وقد نظم أبو تمام (ت 232هـ) الشعر في (11) موضوعا هي : الحماسة ، المراثي ، الأدب ، النسيب ، الهجاء ، الأضياف ومعه المديح، الصفات ، السير ، النعاس ، المُلَح ، مذمة النساء ، وهناك أغراض شعرية أخرى لا بد من الإشارة إليها هي : الشعر الروحي ، الشعر الأخلاقي ، الشعر الوعظي ، الحكمة، الزهد والتصوف ، الفخر ، الاعتذار ، وغيرها .
وعلى الرغم من كل هذا العدد الكبير من الأغراض الشعرية ، يظل الشعر أكبر من أن يُحصر في أغراض أو يُحدَّد في موضوعات أو يُوزَّع على أقسام ، إنه واسع كالحياة وهائل كالخيال وعميق كالمحيط وغير متوقع كالحلم ، إنه الشعر .
 ما الذي يربط الشعر بالزمان ؟ وما الذي يربطه بالمكان ؟
ما دام الزمان والمكان كائنَيْن ، فلا يمكن أن يولد الشعر إلا فيهما ، وبنظرة من زاوية أخرى : لا يمكن أن يولد الشعر خارج الزمان والمكان .
إن الشعر ليس شيئا مطلقا كي يولد من المطلق ، إنه يولد في الزمان والمكان المحَّددين الموصوفيْن المعيَّنَيْن ، ولكنه لا يتَّجه في رسالته إلى الزمان والمكان المحدَّديْن الموصوفيْن المعيَّنيْن اللذين شهدا ولادته فقط ، بل يتَّجه إلى كل زمان وكل مكان ، والذين يحاولون أن لا يربطوا الشعر بالزمان والمكان ، ولا بالأحداث والمسموعات والمرئيات والمقروءات المرتبطة بالزمان والمكان ، إنما يجرّون الشعر إلى ما هو خارج الحياة ، وبعيدا عن مداراتها ومدارجها وسبلها وآفاقها .
إن بحر الشعر تكوِّنه الينابيع والروافد التي تصبُّ فيه ، والزمان والمكان هما أكبر ينبوعين يعتمد عليهما ذلك البحر ، أما الأحداث والمسموعات والمرئيات والمقروءات فهي الروافد التي لا غنى عنها ولا مندوحة من انتظار ما تجلبه إليه .
إن امرأ القيس لو قُدِّر له أن يعيش في القرن الحادي والعشرين لما قال :
قفا نبكِ من ذكرى حبيب ومنزلِ
بسقط اللوى بين الدخول فحوملِ
فليس في القرن الحادي والعشرين (سقط اللوى) ولا (الدخول) ولا (حومل) ، إذ غدا كلٌّ منها أثرا بعد عين ... ولو أن نزار قباني عاش في العصر الجاهلي لما قال في قصيدته (هوامش على دفتر النكسة) :
(إذا خسرنا الحرب لا غرابةْ
لأننا ندخلها
بكل ما يملكه الشرقيُّ من مواهب الخطابةْ
بالعنتريات التي ما قتلت ذبابةْ
لأننا ندخلها بمنطق الطبلة والربابةْ)
فالنكسة لم تحصل في العصر الجاهلي بل في عام 1967م.
إن الشعر لا يمكن تجريده من الزمان والمكان ، ولقد حاول الكثير من الشعراء الذين جاءوا بإشارات التغيير وأفكار تقديم الجديد أن يجرِّدوا الشعر من الزمان والمكان ، وقالوا كثيرا من الكلام الذي يندرج تحت هذا الإطار ، ولكن أقوالهم ظلت مجرد أقوال ، ولم تستطع أن تجد لها محلا من الإعراب في عوالم الشعر الغنيَّة والعميقة .
من هنا يمكن أن تنطلق مقولة أن لكل شاعر زمانه ومكانه ، وإذا ما حاول شاعر من العصر الحديث مثلا أن يكتب الشعر بالطريقة التي كان يكتب بها شاعر من العصر الجاهلي ، فإنه ببساطة لن يكون أكثر من مقلِّد ، والتقليد بمعناه الشامل خسارة في الإبداع ، وإذا ما حاول شاعر في الشرق أن يكتب الشعر بالطريقة التي يكتب بها شاعر من الغرب ، فإنه سيكون دون أدنى شك ، مجافيا لحقائق حياته ومجتمعه ، وسيكون غريبَ غربَتَيْن : الأولى على مجتمعه الشرقي والثانية على المجتمع الغربي ، ولكي لا يُفهم من هذا القول ما لم يُقصد منه ، لا بد من إبراز مفهوم (الإتصال بالآخر) و(الحوار معه) ، بمعنى التواصل وليس القطيعة .
وبتفاعل الشعر مع الزمان والمكان ، أضحت له قواعده المعروفة ، وهنا نتوقف لنقول : إن للشعر قواعده المعروفة ، ولكن هذه القواعد ليس محرَّما كسرها ، أي أنها ليست نهائية، وبكلمات أخرى ، لا يمكن لأيٍّ كان أن يقول إن قواعد الشعر لا عودة عنها أو لا بديل لها ، أبدا .
 الشعراء يكسرون القواعد دائما ، ما الذي تقوله عن هذا الأمر الحيوي جدا ؟
إن المجال مفتوح أمام الشعراء لكسر القواعد التي توارثوها ، فليست هناك قواعد جامدة في : موسيقى الشعر ، الصورة الشعرية ، المعاني المبتغاة ، الاستخدام اللغوي ، أساليب القول الشعري ... الخ .
إن صيحة محمد بن زياد المعروف بابن الأعرابي التي قذفها في وجه شعر أبي تمام : (إن كان هذا شعرا ، فما قالته العرب باطل) ، ذهبت أدراج الأيام والليالي ، وظل شعر أبي تمام ناصعا زاهيا مشعَّا خالدا ، ومن المعروف أن المجدِّين طالما كانوا موضع تقريع ورفض وإنكار ، أفلم يقل إسحاق الموصلي عن أبي نؤاس : (هو كثير الخطأ وليس على طريق الشعر) ، وألم يقل قاسم بن مهرويه (إن أول من أفسد الشعر مسلم بن الوليد ، الذي جاء بهذا الذي سمّاه الناس بالبديع ، ثم جاء الطائي ـ أبو تمام ـ بعده فتفنَّن فيه) كما جاء في كتاب (الأغاني) لأبي فرج الأصبهاني ، وألم يقل آخرون مثل هذا الكلام وبالاتجاه ذاته ؟ .
إن قواعد عمود الشعر التي وضعها أبو علي المرزوقي، كسرها بشار بن برد وأبو نؤاس ومسلم بن الوليد وابن المعتز وأبو تمام ، وغيرهم ، وما ذلك إلا لأن الشعر يرفض كل القوالب ، وكل قالب حتى وإن بدا جديدا في بداية عهده ، فانه سيكون جامدا بمرور الزمن ، وحتى إن لم يجد ذلك القالب من يكسره ، لهذا السبب أو ذاك ، فان تقلبات الزمان عليه ستقوده إلى فقدان البريق فالجفاف ثم التكسُّر الذاتي ، وأخيرا التكسُّر الكلي .
ولقد أصبح واضحا اليوم أمام أعين الجميع ، أن قواعد الشعر قد كسرها أبو تمام في استعاراته البعيدة ومعانيه المولَّدة ، وكسرها أمين الريحاني في الشعر المنثور ، وكسرها جميل صدقي الزهاوي في الشعر المرسل ، وكسرها السياب في الشعر الحر ، وكسرها حسين مردان في النثر المركز ، وكسرها محمد الماغوط في قصيدة النثر ، أما الذين يطلبون من الشعراء النسج على منوال القديم وجعل الشعر من النوع الذي (إذا أنشدتَ صدر البيت علمتَ ما يأتي في عجزه) ، فإنما هم ينسون أن القديم بحد ذاته كان في زمانه ومكانه خلقا جديدا واكتشافا وريادة وإضافة ، وكان فيه التوتر الإبداعي وكانت فيه الشحنة التجديدية ، وينسون أيضا أن للزمان الجديد وللمكان الجديد خلقهما الجديد واكتشافهما وريادتهما وإضافتهما وتوترهما وشحنتهما .
إن الجديد لا يكون بالتقليد ولا بالمحافظة على القديم تحت هذه الذريعة أو تلك ولا بالوقوف على المشارف التي وقف عند حدِّها الشعراء السابقون ، ولكي يكون الجديد جديدا بحق، لا بد أن يتخلص من آفة تقليد الآخر ، وهنا يحضر مفهوم (الأصالة) على نحو جدّي ، ليضع النقاط على الحروف وليضع الأمور في نصابها ، وليجعل الإنسياق التجديدي في الإتجاه الصحيح لا الخاطئ ، وليس هناك شك في أن أي حديث عن الجديد والتجديد لا بد أن يتضمن الأسئلة الآتية : هل يتوقف التجديد ؟ ومتى ؟ وهل هناك نهاية لخط التطور في المضمار الشعري ؟ ، وليس هناك شك في أن الإجابات لا بد أن تكون على قدر عال من المسؤولية، فليس هنالك في الشعر شيء اسمه (نهاية خط التطور) كما يتصور بعض الشعراء والنقاد ، فالإنسان قادر على أن يأتي بالجديد دائما ، نعم ، إن الإنسان محكوم عليه ، ولكنه حاكم في الوقت ذاته، إنه حاكم ومحكوم ، وصراع المتعاكسَيْن هذا كفيل بالخروج من المأزق براية عالية لا منكَّسة ، فاحتدام الصراع ليس شيئا سيِّئا ، فهو لا يقود إلى النكوص والتراجع بل إلى الإبداع والتطور ، إذا ما كانت دفة إدارة الصراع بيد من يسعى إلى الإنتصار على أمواج الكسل والضعف والاتِّكال واليأس والضعف ... انتهى



#مصطفى_الهود (هاشتاغ)      



اشترك في قناة ‫«الحوار المتمدن» على اليوتيوب
حوار مع المفكر العراقي ضياء الشكرجي حول العلمانية والدين والاحزاب الاسلامية في العراق والشرق الاوسط
حول الانتخابات في البرازيل مع عالم الاجتماع والفيلسوف الماركسي ميكائيل لووي - اضواء على احداث ساخنة


كيف تدعم-ين الحوار المتمدن واليسار والعلمانية على الانترنت؟

تابعونا على: الفيسبوك التويتر اليوتيوب RSS الانستغرام لينكدإن تيلكرام بنترست تمبلر بلوكر فليبورد الموبايل



رأيكم مهم للجميع - شارك في الحوار والتعليق على الموضوع
للاطلاع وإضافة التعليقات من خلال الموقع نرجو النقر على - تعليقات الحوار المتمدن -
تعليقات الفيسبوك () تعليقات الحوار المتمدن (0)


| نسخة  قابلة  للطباعة | ارسل هذا الموضوع الى صديق | حفظ - ورد
| حفظ | بحث | إضافة إلى المفضلة | للاتصال بالكاتب-ة
    عدد الموضوعات  المقروءة في الموقع  الى الان : 4,294,967,295
- متسولون
- السيرة الذاتية للدكتور تحسين حميد مجيد استاذ التاريخ
- السيرة الذاتية للكابتن ثامر احمد كلاز
- رئيس مهندسين بشار عسكر في حوار مفتوح عن اهمية التخطيط والمتا ...
- حوار مفتوح مع المحامي احمد الخياط عن ما وراء الاحتلال الامري ...
- جاريث جالهان
- أداة حاكم
- المرأة والاعلام
- مقالة بعنوان(صراخ بلا صدى)
- مقالة (عوالم خفية )
- هذا كل ما بقى
- جلال زنكبادي بين (مانريكي والرّندي)
- ملحة اشنونا بقلم رائف امير اسماعيل
- قصة قصيرة
- الشاعر مصطفى الهود يحاور الشاعر يوسف حسين
- قصيدة شعرية
- شعر
- /شعر


المزيد.....




- النواب الأميركي يقر ميزانية دفاع قياسية ومساعدة عسكرية ضخمة ...
- واشنطن تفرض عقوبات على رجل أعمال تركي وشركات تابعة له بتهمة ...
- مادورو: رئيس بيرو المعزول ضحية لمؤامرة النخب اليمينية
- الحضارة الفرعونية: أيرلندا تعتزم إعادة مومياء و قطع أثرية أخ ...
- البنتاغون يبحث مع رئيس الأركان الإسرائيلي الجديد دعم قدرات ت ...
- شركة TC Energy الكندية: تسرب النفط في خط أنابيب Keystone كان ...
- رويترز: الإدارة الأمريكية بصدد تقديم وسائل دفاع جوي لأوكراني ...
- -فرانس برس-: الخارجية الألمانية تستدعي السفير الإيراني
- شاهد: نشطاء المناخ يعلقون حركة المرور في مطار ميونيخ
- البرتغال..أمطار غزيرة تتسبب في فيضانات ومقتل شخص


المزيد.....

- حوار مع (بينيلوبي روزمونت)ريبيكا زوراش. / عبدالرؤوف بطيخ
- رزكار عقراوي في حوار مفتوح مع القارئات والقراء حول: أبرز الأ ... / رزكار عقراوي
- ملف لهفة مداد تورق بين جنباته شعرًا مع الشاعر مكي النزال - ث ... / فاطمة الفلاحي
- كيف نفهم الصّراع في العالم العربيّ؟.. الباحث مجدي عبد الهادي ... / مجدى عبد الهادى
- حوار مع ميشال سير / الحسن علاج
- حسقيل قوجمان في حوار مفتوح مع القارئات والقراء حول: يهود الع ... / حسقيل قوجمان
- المقدس متولي : مقامة أدبية / ماجد هاشم كيلاني
- «صفقة القرن» حل أميركي وإقليمي لتصفية القضية والحقوق الوطنية ... / نايف حواتمة
- الجماهير العربية تبحث عن بطل ديمقراطي / جلبير الأشقر
- من اختلس مليارات دول الخليج التي دفعت إلى فرنسا بعد تحرير ال ... / موريس صليبا


المزيد.....


الصفحة الرئيسية - مقابلات و حوارات - مصطفى الهود - حوار مع الشاعر الكبير غزاي درع الطائي عن تجربته الشعرية