أخبار عامة - وكالة أنباء المرأة - اخبار الأدب والفن - وكالة أنباء اليسار - وكالة أنباء العلمانية - وكالة أنباء العمال - وكالة أنباء حقوق الإنسان - اخبار الرياضة - اخبار الاقتصاد - اخبار الطب والعلوم
إذا لديكم مشاكل تقنية في تصفح الحوار المتمدن نرجو النقر هنا لاستخدام الموقع البديل

الصفحة الرئيسية - الادب والفن - علي دريوسي - شفرات حلاقة صالحة للتدوير -14-














المزيد.....

شفرات حلاقة صالحة للتدوير -14-


علي دريوسي

الحوار المتمدن-العدد: 6775 - 2020 / 12 / 30 - 23:56
المحور: الادب والفن
    


كنا نتعاشق مع سجائرنا في تلك الأيام والسنين
كنا ندخِّنها حتى لو كانت ملفوفة بالرَّوْث
كنا ندخِّن ونشرب حتى الإرهاق
بشراهة منقطعة النظير
كأنَّنا سنلتقي الله قريباً
وكأنَّ الفرج والفجر قادمان لا محالة.

كنا نعتقد
أنَّ التغَنِّي بكؤوس العرق والتّغَزُّل بالسجائر
مقياس للوعي السياسي والثقافة والإلحاد
لم نكن نعلم أنَّها ليست إلا مؤشراً
لفقرنا
وضياعنا
وسذاجتنا
وجهلنا الصحيّ.

كنا ننفث دخان السجائر
بسخاء من فوق رؤوسنا
إلى أن تتحوَّل سماء الغرفة إلى غيوم بيضاء
نغلق الأبواب والنوافذ
نبدأ بالدراسة
نحل مسائل الرياضيات والفيزياء
نشرب الشاي الأسود أو المتَّة
نسعل ونتنحنح
والغيوم تحيط بنا
لم نكن نشعر بعفونة الرائحة وفساد الجوّ
كنا نخرج من الغرفة فقط كي نتبوَّل
كان طقس التدخين ساحراً
كان أكثر متعة من السيجارة نفسها
كل من تعرَّفنا عليهم في الأوساط
العاطفية والصداقية والاجتماعية
كان من أتباع السجائر الجاهزة
أو من عبدة اللّفائف البلدية
حتى أساتذتنا في المدارس والجامعات.
كنا ندخِّن كأننا فوهات براكين ناشطة

كنا ندخِّن مثل طفل أضاع أمه لسنوات عدة ثم وجدها
كنا ندخِّن مثل طفل يلتصق بفستان أمه خوفاً أن تفارقه من جديد
كنا ندخِّن مثل أي مدمن على الكوكايين
كنا ندخِّن ونشرب
إذا فرحنا
إذا حزنا
إذا استمنينا
إذا نمنا
إذا حلمنا
إذا استيقظنا في الصباح الباكر
أو إذا أفقنا من النوم في منتصف الليل.

كنا ندخِّن ونشرب إذا أحببنا
إذا بكينا
إذا تألمنا
إذا طبخنا
إذا شربنا
إذا أكلنا
أو إذا رأينا منظراً خلاباً.

كنا ندخِّن ونشرب إذا سمعنا أغنية تحاكينا
إذا سمعنا فيروز في الصباح
الشيخ إمام في النهار
أم كلثوم وعبد الوهاب في المساء
أو إذا سمعنا موسيقى نينوى في الليل.
كنا ندخِّن ونشرب إذا صعدنا الجبل
إذا تنزهنا في الحقول
إذا لامست أيادينا غصن شجرة زيتون أو تين
إذا استنشقنا هواء عليلاً
أو إذا غنينا المواويل والعتابا.

كنا ندخِّن ونشرب إذا مشينا في المدينة
إذا جلسنا في تاكسي أو مقهى
إذا تناقشنا في السياسة
أو إذا تكلمنا عن العالم والله والحياة.
كنا ندخِّن ونشرب إذا قرأنا قصة
أو كتبنا خاطرة
إذا حضَّرنا للامتحان
أو إذا أنهيناه بنجاح أو فشل.

كنا ندخِّن ونشرب إذا بكت السماء
إذا أشرقت الشمس
إذا فكّرنا بمصروفنا الشهري
أو إذا مات أو اِعتُقِل أو عُذّب أحد معارفنا.
كنا ندخِّن ونشرب إذا تخاصمنا مع أحدهم
إذا خطب أو تزوج أحدهم
أو إذا فارق أو انفصل أحدهم عمّن يحب.
كنا ندخِّن ونشرب حين نركب في السرفيس جانب السائق
حين نصطاد السمك أو العصافير
حين نسبح
حين نغرق
حين نحضر مباراة كرة قدم
أو في الاستراحة بين شوطين حين نلعب.

كنا ندخِّن مع فنجان قهوة الصباح
في السرير
في الحمَّام
في المرحاض
وكنا ندخِّن حتى عندما لا نفعل أي شيء.

كنا ندخِّن ونشرب حتى إذا وقعنا في المرض
عشقنا اللِّفَافة
كانت صديقتنا الوحيدة
كنا نتعمَّد نسيان علبة الكبريت
كي نشعل السيجارة من مؤخرة السيجارة.

كنا ندخِّن ونشرب دون اِستخدام فرشاة ومعجون الأسنان
دون زيارة الطبيب
ودون ممارسة الرياضة.

كان كل شيء مُخربَطاً ومضطرباً وتافهاً في تلك الأيام
لم نشعر بالخربطة والاضطراب والتفاهة
كنا نعيش في رحمها
كنا نجد في التدخين باباً آخر نلج منه إلى عوالم أخرى مختلفة
نشعر معها أن صدورنا سعيدة
ومنفتحة على العالم.

كان يؤلمنا لدقائق ما نسمعه عن السرطان
وعن موت الآخرين بسبب تعاطي السيجارة
لم نهتم للأمر حقيقة
كنا مازلنا في ريعان شبابنا
كنا نشعر أحياناً
/في ظل الضغوط النفسية التي عشناها/
أنَّ السيجارة هي الوحيدة القادرة
على إخراجنا من مستنقعنا
هي الوحيدة القادرة
على إنقاذنا من آلام صدورنا
ورؤوسنا
التي كانت على وشك الانفجار
بفعل الأزمات
/الاِجتماعية والمالية والإنسانية والوطنية/.

كانت السيجارة بالنسبة لنا كسمكة الكهل سانتياغو
في رواية الشيخ والبحر لهمينغواي
كنا نغازلها في سهراتنا
كما يغازل العجوز سمكته التي تبتعد عنه
كنا نخاف أن نسحبها بعمقٍ كي لا تنتهي
كما يخاف العجوز أن يسحب سمكته فينقطع الحبل وتهرب منه.

كنا في تلك الأيام
على استعدادٍ
لتدخين أوراق الشجر
أو العشب الملفوف بورق دفاتر مدرسية
وغالباً
كنا ندخِّن
روْث الحيوانات
دون أن ندري.



#علي_دريوسي (هاشتاغ)      


ترجم الموضوع إلى لغات أخرى - Translate the topic into other languages



الحوار المتمدن مشروع تطوعي مستقل يسعى لنشر قيم الحرية، العدالة الاجتماعية، والمساواة في العالم العربي. ولضمان استمراره واستقلاليته، يعتمد بشكل كامل على دعمكم. ساهم/ي معنا! بدعمكم بمبلغ 10 دولارات سنويًا أو أكثر حسب إمكانياتكم، تساهمون في استمرار هذا المنبر الحر والمستقل، ليبقى صوتًا قويًا للفكر اليساري والتقدمي، انقر هنا للاطلاع على معلومات التحويل والمشاركة في دعم هذا المشروع.
 



اشترك في قناة ‫«الحوار المتمدن» على اليوتيوب
حوار مع الكاتبة انتصار الميالي حول تعديل قانون الاحوال الشخصية العراقي والضرر على حياة المراة والطفل، اجرت الحوار: بيان بدل
حوار مع الكاتب البحريني هشام عقيل حول الفكر الماركسي والتحديات التي يواجهها اليوم، اجرت الحوار: سوزان امين


كيف تدعم-ين الحوار المتمدن واليسار والعلمانية على الانترنت؟

تابعونا على: الفيسبوك التويتر اليوتيوب RSS الانستغرام لينكدإن تيلكرام بنترست تمبلر بلوكر فليبورد الموبايل



رأيكم مهم للجميع - شارك في الحوار والتعليق على الموضوع
للاطلاع وإضافة التعليقات من خلال الموقع نرجو النقر على - تعليقات الحوار المتمدن -
تعليقات الفيسبوك () تعليقات الحوار المتمدن (0)


| نسخة  قابلة  للطباعة | ارسل هذا الموضوع الى صديق | حفظ - ورد
| حفظ | بحث | إضافة إلى المفضلة | للاتصال بالكاتب-ة
    عدد الموضوعات  المقروءة في الموقع  الى الان : 4,294,967,295
- شفرات حلاقة صالحة للتدوير -13-
- شفرات حلاقة صالحة للتدوير -12-
- شفرات حلاقة صالحة للتدوير -11-
- شفرات حلاقة صالحة للتدوير -10-
- شفرات حلاقة صالحة للتدوير -9-
- شفرات حلاقة صالحة للتدوير -8-
- شفرات حلاقة صالحة للتدوير -7-
- شفرات حلاقة صالحة للتدوير -6-
- شفرات حلاقة صالحة للتدوير -5-
- شفرات حلاقة صالحة للتدوير -4-
- شفرات حلاقة صالحة للتدوير -3-
- شفرات حلاقة صالحة للتدوير -2-
- شفرات حلاقة صالحة للتدوير -1-
- الأرجنتيني
- بَراشيم
- تعفير ثدي
- المَدْجَنة
- تَواضُع
- الأعمال القصصية الكاملة
- الهَوَائِيّ


المزيد.....




- الاحتلال يفرض سيادة بصرية.. 300 علم ورمز ديني تعيد تشكيل هوي ...
- أموت فارسا ولا أعيش -بندقية-.. كيف أنهى البارود دولة الممالي ...
- تحت ظل الشيخوخة
- قراءة مبسطة لديوان(النُوتِيلَا الْحمرَاء)للكاتب أسامة فرج:بق ...
- هل توقف قلبه؟ ومتى؟.. توضيح حول الحالة الصحية للفنان هاني شا ...
- الضيق في الرؤيا السؤال!
- الأرجنتين: بوينس آيرس تمزج الإيمان بموسيقى التكنو تكريما للب ...
- العائلة الملكية البريطانية تختار مؤرخة لكتابة سيرة الملكة ال ...
- ضمن فعاليات مهرجان زهرة المدائن التاسع عشر... ملتقى المثقفين ...
- قراءة في رواية(غريب ولكن..)للكاتب: أسامة فرج .بقلم: عادل الت ...


المزيد.....

- تمارين أرذل العمر / مروة مروان أبو سمعان
- اترجمة السيرة الذاتية لاجاثا كريستي للعربية / أجاثا كريستي ترجمة محمود الفرعوني
- رحلتي في ذاكرة الأدب / عائد ماجد
- فن الكتابة للعلاقات العامة من التحرير الى صياغة الحملات الال ... / أقبال المؤمن
- الرسائل الاعلامية و الادبية من المعنى الى التأثير / أقبال المؤمن
- إمام العشاق / كمال التاغوتي
- كتابات نقدية ماركسية(العمل الفني في عصر الاستنساخ الآلي) وال ... / عبدالرؤوف بطيخ
- المقدِّماتُ التحقيقيّةُ لشيوخِ المحقِّقين / ياسر جابر الجمَّال
- اعترافات السيد حافظ والأصدقاء ما وراء الكواليس الجزء الأو ... / السيد حافظ
- أحافير شاب يحتضر / المستنير الحازمي


المزيد.....
الصفحة الرئيسية - الادب والفن - علي دريوسي - شفرات حلاقة صالحة للتدوير -14-