أخبار عامة - وكالة أنباء المرأة - اخبار الأدب والفن - وكالة أنباء اليسار - وكالة أنباء العلمانية - وكالة أنباء العمال - وكالة أنباء حقوق الإنسان - اخبار الرياضة - اخبار الاقتصاد - اخبار الطب والعلوم

الصفحة الرئيسية - دراسات وابحاث في التاريخ والتراث واللغات - عبد المجيد إسماعيل الشهاوي - أنا الإنسان، أنا الوطن: قصةُُ حياة 6















المزيد.....

أنا الإنسان، أنا الوطن: قصةُُ حياة 6


عبد المجيد إسماعيل الشهاوي

الحوار المتمدن-العدد: 6771 - 2020 / 12 / 26 - 12:00
المحور: دراسات وابحاث في التاريخ والتراث واللغات
    


5- الإنسان الفرد والحقوق الفردية والخصوصية

تطور المجتمعات وتوسعها لم يأتي على حساب الشخص الفرد، بل أتى تتويجاً لجهود أفراد المجموعة ولتلبية احتياجاتهم وأغراضهم المتنامية. ولم تكن المجتمعات هبة من الطبيعة مثل الإنسان ذاته والكائنات والموارد الطبيعية، لكنها مكسب حققه الإنسان بعلمه وجهده، حين تعاونت واتحدت واندمجت المجموعات البشرية الصغيرة في تجمعات ومجتمعات أكبر. في الأصل، قد تكونت تلك المجموعات والمجتمعات البشرية تدريجياً بمرور الزمن مع ازدياد أعداد المجموعة، كوسيلة لتلبية احتياجاتها وأغراضها المتنامية باطراد؛ أو، في قول آخر، كانت المجتمعات في حقيقة الأمر مجرد وسيلة أكبر وأكثر تعقيداً من أجل بقاء الإنسان واستمتاعه بحياة أفضل.

في جميع الأحوال، يبقى الإنسان الطبيعي الفرد هو الغاية التي من أجلها وجدت المجتمعات، ومن أجلها تستمر. فلا جدال في أن وجود الإنسان الفرد سابق على وجود المجتمعات، وبالتالي كانت الشخصية الطبيعية سابقة في الوجود وحتى في القيمة على نظيرتها الاجتماعية. في الحقيقة، لقد نشأت المجتمعات وتطورت كوسائل لخدمة مقاصد الإنسان الفرد، خالقها وحافظها ومطورها وحاميها. إذا كان الأمر كذلك- أن المجتمعات مجرد وسيلة لخدمة غاية أعظم وأهم ممثلة في رخاء ورفاهية الإنسان الفرد- كيف، إذن، يستساغ الحديث في مجتمعات كثيرة، خاصة الاستبدادية والشمولية، عن ما تسميها "مبادئ" التضحية بحقوق الأفراد من أجل مصالح مجتمعية كبرى مزعومة، أو "التضحية بالفرد من أجل الجماعة"، أو "التضحية بمصالح الأقلية لمصلحة الأغلبية"؟ هل ثمة ما يمنع صون حقوق الفرد وبالتزامن وفي الوقت نفسه صون حقوق المجموعة؟ هل ثمة ما يمنع أن يعود رخاء الفرد بالرخاء على الجماعة أيضاً؟

ثمة مدرستان فكريتان إحداهما ترى تعارضاً فطرياً فيما بين الفرد والجماعة ومن ثم تضع المجتمع في مرتبة أسمى، ومنه تستمد اسمها "المدرسة الاجتماعية" (الاشتراكية/الشيوعية)؛ بينما الأخرى لا ترى ثمة تعارض بين الاثنين، بل علاقة تكامل، حيث تتكون الجماعة في الأصل من مجموع أفرادها، وما كانت الجماعة ستنشأ أو تبقي وتستمر وتزدهر من دون الأفراد المنشئين والمطورين والحافظين لها. ونظراً لتأكيدها على محورية دور الفرد في الجماعة، يمكن تسميتها "المدرسة الفردية" (الديمقراطية/الليبرالية). المدرسة الاجتماعية لا ترى أن رخاء الفرد يوصل بالضرورة إلى رخاء الجماعة، وأن لا مانع من الاستيلاء على (تأميم) ثروات الأفراد إذا ما اقتضى رخاء المجتمع الأوسع ذلك. في المقابل، تؤكد المدرسة الفردية أن رخاء الفرد جزء لا يتجزأ من رخاء المجتمع وأن الاستيلاء على ثروات الأفراد أو مصادرة حقوقهم دون مسوغ قانوني يربو إلى الاستيلاء على ثروات وحقوق المجتمع بأسره وليس فرداً بعينه.

لكن حتى لو كان الإنسان الفرد قيمة في حد ذاته ولا ينبغي التفريط فيها بأي حال، كما تمضي حجة المدرسة الاجتماعية، فلا شك في أن المجموع الكلي لقيم أكثرية الأفراد يتجاوز نظيره لأقليتهم؛ بالتالي إذا تحتم التضحية بأحدهما يصبح منطقياً التضحية بمصالح الأقلية لمصلحة الأكثرية. هذا المنطق الفكري، كما يؤكد أنصار هذه المدرسة، لا يتعارض اطلاقاً مع القيمة الفطرية للإنسان الفرد، بل يعززها ويحفظها بطريقة مثالية بانحيازه "لأكثرية" القيمة مقابل "أقليتها". على سبيل المثال، إذا كان لك أن تنحاز أخلاقياً لموقف متخيل حيث يتحتم على شخص واحد أو أشخاص قلائل التضحية بحياته لإنقاذ قرية أو مدينة كاملة تضم مئات أو آلاف الأشخاص من ضمنهم أطفاله وزوجته وأقاربه وأهله وأصدقائه ومعارفه هو نفسه، ومن دون تضحيته تلك تصبح احتمالية هلاكهم جميعاً شبه مؤكدة. ماذا كنت ستفعل لو كنت مكان مثل هذا الشخص في هذا الموقف الافتراضي؟! هل تتقدم وتضحي بحياتك وتنقذ حياة أطفالك والقرية أو المدينة كلها، أم تجبن وترفض التضحية لتترك الجميع يلاقون مصيرهم ويهلكون بينما تنجو أنت وحدك لتقضي ما بقي لك من حياتك تحت آلام الندم والحسرة؟!

في المقابل، تنفي المدرسة الفردية (الديمقراطية/الليبرالية) فكرة التعارض فيما بين مصلحة الفرد ومصالح المجموعة من الأصل، وتؤكد بدلاً من ذلك على تكامل الاثنين. المجموعة هي في الأساس تجمع من الأفراد، الذين من دون تعاونهم واتحادهم واندماجهم معاً بصورة أو بأخرى ما نشأت المجموعة أو المجتمع أصلاً. وحيث أن وجود الفرد سابق على وجود الجماعة، والفرد هو من أسس الجماعة كوسيلة لتلبية احتياجاته المتزايدة، يصبح الفرد بالتالي هو الغاية التي من أجلها تأسست الجماعة كمجرد وسيلة لخدمتها. فكيف إذن، كما تمضي حجة أنصار هذه المدرسة، للوسيلة أن تتقدم في الأهمية على الغاية؟! هل أنشأت أفراد البشر المجتمعات البشرية لا لأكثر من أن يتحولوا هم أنفسهم إلى مجرد حطب ووقود لها؟! هل صنعوا بأيديهم متسلطاً ومستبداً عليهم لكي ينكل بهم ويذيقهم أشد العذاب بدل أن يلبي لهم احتياجاتهم، وعلى رأسها صون حقوقهم وكرامتهم الإنسانية؟! إذا لم تكن المجتمعات قد قامت لرفعة الإنسان، فلماذا ابتدعها الإنسان أصلاً؟

عكس المدرسة الاجتماعية القائمة على التعارض الضمني فيما بين مصالح الجماعة ومصالح الأفراد، تؤكد المدرسة الليبرالية الفردية على التكامل بين الاثنين، حيث يترتب على تلبية مصالح الإنسان الفرد تلبية لمصالح المجموعة بالضرورة، لأن الجماعة والمجتمع هما في الأصل تجمع من الأفراد. الفرد جزء لا يتجزأ من الجماعة، ومصلحته جزء لا يتجزأ من مصلحتها. بالتالي، يستفيد الإنسان الفرد بالضرورة من ازدهار الجماعة، تماماً كما تستفيد الأخيرة من رخاء الأول. في النهاية، الجماعة البشرية القوية والمزدهرة هي بشكل أو بآخر حاصل ضرب قوة وازدهار أفرادها المكونين لها، ولا يستقيم نظرياً أن تنشأ جماعة بشرية قوية ومزدهرة من حاصل ضرب أفراد مكونين ضعفاء وفقراء. فيما يلي مثال من التاريخ.

بعد الحرب العالمية الثانية، انقسم العالم إلى معسكرين متحاربين فيما عرف بالحرب الباردة- المعسكر الغربي بقيادة الولايات المتحدة ودول أوروبا الغربية والمعسكر الشرقي بقيادة الاتحاد السوفيتي ودول أوروبا الشرقية. كان المعسكر الغربي يعتمد النظرية الفردية القائمة على الرأسمالية في الاقتصاد والديمقراطية الليبرالية في الحكم، بينما اعتمد نظيره الشرقي النظرية الاجتماعية القائمة على الاشتراكية (الشيوعية) في الاقتصاد والنظم الشيوعية والشمولية في الحكم.

بدأ التنافس والسباق بين المعسكرين بداية من نهاية الحرب في عام 1945 وامتد حتى عام 1989، حين تصدع المعسكر الشرقي وانهار من داخله من تلقاء نفسه، دون طلقة رصاص واحدة من المعسكر المعادي. وقد مر التنافس بين المعسكرين بأطوار متعددة، حيث كان المعسكر الشرقي يحرز من وقت لآخر سبقاً اقتصادياً أو سياسياً أو عسكرياً في ميدان أو مجال ما، بينما يسبقه إلى ذلك المعسكر المنافس في أوقات أخرى. لكن، من جهة أخرى، طوال مراحل السباق كانت حقوق الفرد اقتصادياً وسياسياً وحقوقياً في دول المعسكر الغربي أحسن حالاً بكثير من نظيرتها في المعسكر الشرقي.

في الواقع، كان الاتحاد السوفيتي يمثل دولة اتحادية عملاقة وعظيمة القوة والبطش، لكن فوق رقاب أفراد (شعوب) شديدة الضعف والاعتماد على حكومتها في تلبية متطلباتها الأساسية، وكثيراً ما تنتهك حقوق هؤلاء الأفراد (المجتمعات) وتحتكرها وتسخرها لخدمة غاية أسمى وأعظم مزعومة متمثلة في العقيدة الشيوعية ذاتها أو مصالح ومقاصد الأمة أو المجتمع الأكبر. باختصار، كان المعسكر الشرقي يجسد في أوضح صورة تطبيقات المدرسة الاجتماعية التي تقدم المجموعة على الفرد، وتضحي بالأخير لمصلحة الأولى عند الضرورة.

في المقابل، كان المعسكر الغربي يصون الحقوق الفردية، ولا يعتمد التمييز أو التناقض فيما بين حقوق الفرد والجماعة؛ ربما أحياناً لم تكن الدولة في المعسكر الغربي تتمتع بنفس القوة العسكرية مثل نظيرتها الشرقية، لكن غالباً كان حال الفرد أيسر وأفضل داخل دول المعسكر الغربي، وأكثر قدرة وتمكيناً مقارنة بنظيره في المعسكر الشرقي. هنا كان الفارق. حين صادفت الدول الشيوعية بعض المحن التي استنزفت طاقاتها العسكرية والاقتصادية مثل الغزو السوفيتي لأفغانستان وحروب الوكالة وسباقات التسلح وغزو الفضاء... الخ، لم تجد وسط شعوبها الذليلة والمنهكة ما يمكنها التعويل عليه لنجدتها، لتفلس وتنهار من تلقاء أنفسها عن عمر يناهز أكثر قليلاً من 50 عاماً، وهو عمر متواضع للغاية على مقايس أعمار الدول والأنظمة السياسية.






إطلاق البث التجريبي لقناة الحوار المتمدن على اليوتيوب
واقع المرأة في المشرق والمهجرمقابلة مع د. إلهام مانع
في الثامن من مارس لانريد وردا ولامدحا - مقابلة مع د.امال قرامي


كيف تدعم-ين الحوار المتمدن واليسار والعلمانية على الانترنت؟

تابعونا على: الفيسبوك التويتر اليوتيوب RSS الانستغرام لينكدإن تيلكرام بنترست تمبلر بلوكر فليبورد الموبايل



رأيكم مهم للجميع - شارك في الحوار والتعليق على الموضوع
للاطلاع وإضافة التعليقات من خلال الموقع نرجو النقر على - تعليقات الحوار المتمدن -
تعليقات الفيسبوك () تعليقات الحوار المتمدن (0)


| نسخة  قابلة  للطباعة | ارسل هذا الموضوع الى صديق | حفظ - ورد
| حفظ | بحث | إضافة إلى المفضلة | للاتصال بالكاتب-ة
    عدد الموضوعات  المقروءة في الموقع  الى الان : 4,248,551,380
- وحي السماء
- قول الصدق
- أنا الإنسان، أنا الوطن: قصةُُ حياة 5
- أنا الإنسان، أنا الوطن: قصةُُ حياة 4
- سلام على إسرائيل
- أنا الإنسان، أنا الوطن: قصةُُ حياة 3
- أنا الإنسان، أنا الوطن: قصةُُ حياة 2
- أنا الإنسان، أنا الوطن: قصةُُ حياة 1
- أنا الإنسان، أنا الوطن: قصةُ حياة
- أنا الإنسان، أنا الوطن: خَلْقُ حياة
- كل شيء هادئ على البر الغربي للأحمر
- مقاربة جديدة إلى النكبة الفلسطينية في ذكراها السبعون
- الانتحار العربي في سماء نيويورك
- صراع السيسي وأردوغان على المنطقة
- القائد عبد الفتاح السيسي
- أسلمة السياسة، وتسييس الإسلام
- من يحمل وزر الدماء في رابعة؟
- الكائنات العلائقية
- الكائن العلائقي
- المكتفي بذاته النسبي


المزيد.....




- هاري وميغان: ما جاء في المقابلة التلفزيونية -أسوأ مما كان يخ ...
- السودان يصدر تحذيرا عاجلا بشأن ملء سد النهضة في يوليو ويستعد ...
- الامتحانات: كيف ينظر أولياء أمور الطلاب في مصر إلى تجربة الا ...
- الملك سلمان يصدر عدة قرارات بشأن قطاع الحج والعمرة
- الأرصاد المصرية تحذر من طقس الأربعاء
- النووي الإيراني.. واشنطن تأمل ردا إيجابيا من طهران وتحذر من ...
- شجار عنيف بين طيار ومضيف في الجو على -المرحاض- ينتهي بكسور و ...
- بايدن يقيّد الهجمات بالطائرات المسيرة خارج أفغانستان وسوريا ...
- إصابات كورونا في الولايات المتحدة تتراجع 12% والتطعيمات تتجا ...
- الدفاع السعودية: نعد للحوثيين ضربات موجعة


المزيد.....

- تشكُّل العربية وحركات الإعراب / محمد علي عبد الجليل
- (ما لا تقوله كتب الاقتصاد) تحرير: د.غادة موسى، أستاذ العلوم ... / محمد عادل زكى
- حقيقة بنات النبى محمد / هشام حتاته
- كيف ومتى ظهرت العربية بصورتها الحالية / عزيزو عبد الرحمان
- الحلقة المفرغة لتداول السلطة في بلدان الوطن العربي و العالم ... / محمد عبد الشفيع عيسى
- دور الزمن في تكوين القيمة / محمد عادل زكى
- مستقبل اللغات / صلاح الدين محسن
- ألدكتور إميل توما وتاريخ الشعوب العربية -توطيد العلاقات الاج ... / سعيد مضيه
- نقد الاقتصاد السياسي، الطبعة السادسة / محمد عادل زكى
- التاريخ المقارن / محسن ريري


المزيد.....
الصفحة الرئيسية - دراسات وابحاث في التاريخ والتراث واللغات - عبد المجيد إسماعيل الشهاوي - أنا الإنسان، أنا الوطن: قصةُُ حياة 6