أخبار عامة - وكالة أنباء المرأة - اخبار الأدب والفن - وكالة أنباء اليسار - وكالة أنباء العلمانية - وكالة أنباء العمال - وكالة أنباء حقوق الإنسان - اخبار الرياضة - اخبار الاقتصاد - اخبار الطب والعلوم

الصفحة الرئيسية - دراسات وابحاث في التاريخ والتراث واللغات - عبد المجيد إسماعيل الشهاوي - أنا الإنسان، أنا الوطن: قصةُُ حياة 3















المزيد.....

أنا الإنسان، أنا الوطن: قصةُُ حياة 3


عبد المجيد إسماعيل الشهاوي

الحوار المتمدن-العدد: 6760 - 2020 / 12 / 14 - 21:50
المحور: دراسات وابحاث في التاريخ والتراث واللغات
    


3- الإنسان القوي والمسيطر- والمستغل

خلال حياته الأولى على كوكب الأرض لم تكن حياة الإنسان تختلف كثيراً عن سائر الكائنات الحية الأخرى. كان يتجول داخل مناطق نفوذه، يلتقط ما تطاله يداه من ثمار الأشجار والنباتات، يصيد ما تقدر عليه قواه العضلية من حيوانات أدنى منه في البأس والحيلة، لتكون طعاماً له ويحفظ بها بقاءه؛ ومثل سائر الحيوانات، كان يبحث عن أقرب منابع المياه العذبة ليروي منها ظمئه. كان، مثل بقية الحيوانات أيضاً، يبحث له عن مأوى مناسب تحت جذع شجرة أو حفرة في صخرة ضخمة أو كهف آمن بين أحضان الجبال، ليحتمي بها من شروط الطقس القاسية ومن أنياب المفترسات الأخرى. وكان يتناول طعاماً نيئاً تماماً بالضبط كما لا تزال تفعل بقية الحيوانات حتى اليوم. لكنه، بفضل اكتساب ملكة العقل، استطاع أن يميز نفسه بدرجة كبيرة عن سائر الكائنات الحية والحيوانات الأخرى مهما بلغت من الضخامة والشراسة والخطورة، واستطاع أن يخلق لنفسه عالماً متميزاً خاصاً به- وحضارة- فوق رفات نفس تلك الكائنات والحيوانات وموارد بيئته الطبيعية؛ بفضل العقل، أصبح الإنسان الحيوان الأذكى والأقوى والمهيمن على كل ما عداه على وجه الأرض.

في مثال على هذا التفرد الإنساني، نجح الإنسان خلال مراحل مبكرة من تطوره في اكتشاف النار وما تحمله من طاقات عظيمة، وهو الاكتشاف الذي أحدث تغييرات ثورية في حياة الإنسان على الأرض؛ إذ مكنته هذه القوة الجديدة من تذوق الطعام المطهو للمرة الأولى، من صهر وتشكيل المعادن لتناسب استخداماته المتنوعة ولكي يصنع منها أسلحة فتاكة استطاع بها- ولا يزال- أن يبسط سيطرته أكثر على ما دونه من المخلوقات والبيئة الطبيعية، وتسخيرها لمصلحته الذاتية. كذلك قد مكنته قوة النيران وما أتاحته من أسلحة فتاكة من اصطياد الحيوانات مهما بلغت ضخامتها والتغذي بلحومها والاكتساء بجلودها، وقتل المفترسات التي كانت تهدد حياته ذاته من قبل. أكثر من ذلك، وفرت النيران مصادر قوة للمجموعات البشرية الصغيرة الأولى لكي توسع مناطق نفوذها، وبالتالي حدود مواردها الطبيعية من أجل البقاء، على حساب المفترسات أو مجموعات بشرية مجاورة أخرى. لقد عظمت النار الفرصة للبقاء بصورة لم يكن يتخيلها حتى الإنسان نفسه من قبل.

بمجرد أن بدأ الإنسان يفرض هيمنته على الأرض وكائناتها، لم تتوقف محاولاته وجهوده الدؤوبة لبسط وتوسيع هذه الهيمنة أكثر وأكثر، حيث لم يعد يكفيه أن يلتقط الثمار بلا عناء من الأغصان، وشرع في استباحة الأرض بتهيئة التربة لكي يزرع بنفسه ما يأكله بوفرة أكبر مما تمن به الطبيعة عليه دون جهد وعرق منه؛ وقد مارس الإنسان نفوذه المتنامي على الأرض، بحرثها وتسخيرها لتلبية مطالبه الذاتية، وتعلم فن الزراعة الذي سيواكب تطوره هو ذاته ويرافقه حتى يومنا هذا. ثم بعد ترويضه أديم الأرض وتسخيره لتلبية رغباته، اتجه بأس الإنسان نحو الحيوانات البرية لكي يفعل فيها ما فعله في الأرض. تعلم الإنسان كيف يروض الحيوانات البرية، يأسرها ويدجنها داخل حظيرته الملحقة بمزرعته، لتفقد الحيوانات حريتها وتتحول إلى مجرد عبيد لدى سيدها وآمرها الإنسان المستغل لها كيفما شاء، سواء في عمل شاق لحرث الحقل وتهيئته وتسميده وريه وحصاد غلته في نهاية الموسم، أو ذبحها والتغذي بلحومها أو المقايضة بها عند انتفاء أغراضه الأخرى منها.

هكذا، قد حرث الإنسان الأرض وزرعها ليحصد غلتها، وأسر الحيوان ودجنه ليستخدمه في زراعة الأرض ويتغذى من لبنه ولحمه ويصنع من جلوده حذائه وملبسه. وبفضل تسخيره الأرض والحيوان لأغراضه، قطع الإنسان شوطاً كبيراً في رحلة تطوره نحو المدنية والحضارة، ومن ثم إعادة اكتشاف نفسه وبيئته. استكشف الموارد الطبيعية الكامنة في باطن الأرض المبسوطة تحت أقدامه ليستغلها، إضافة إلى الزراعة، في استخراج أنواع كثيرة من المعادن، التي بدورها ساعدته في استغلال بيئته الطبيعية إلى حدود حتى أبعد من ذي قبل، ليتوسع مسعاه المدني والحضاري باطراد.

تطور فن البناء من الكهوف والأكواخ والمساكن البدائية إلى عمارة وتشييد ناطحات السحاب، مستغلاً في سبيل ذلك الكثير من المواد الخام من بيئته الطبيعية ذاتها التي كانت من قبل ترقد طي الجهل وعدم الاستغلال. ومضى الإنسان أكثر في استغلال أرضه وموارده الطبيعية، ليستخرج من بطنها كنوزاً ظلت بعيدة عن طاقة وخيال الإنسان منذ آلاف السنين؛ استخرج الكثير من الكنوز الثمينة من جوف الأرض مثل الحديد والمنجنيز والفضة والذهب، ومواد البناء والفحم والغاز والبترول، واليورانيوم الطبيعي. ثم شرع في معالجة وإعادة إنتاج تلك الموارد ليخلق منها مخترعات فائقة القوة والحداثة مثل المدن الحديثة ذات البنايات الشاهقة وشبكات الطرق والبنى التحية العملاقة، الطائرات وحاملات السفن وصواريخ تقله إلى الفضاء، فضلاً عن أسلحة فتاكة تتوجها القنابل الذرية والنووية والهيدروجينية، القادرة على تفجير أضعاف حجم الأرض مئات المرات إلى هباء منثور عبر الفضاء الكوني.

لم يكتفي العقل الإنساني بزراعة الأرض وتدجين الحيوان واستخراج المعادن وتصنيعها لأغراضه الذاتية، بل وجه ميوله المعرفية والبحثية أيضاً نحو الأعلى، إلى النجوم والكواكب الأخرى في الفضاء. درس الكواكب والمجموعات الشمسية، والمجرات الكونية العملاقة؛ استنبط قوانين الجاذبية والنسبية والانتقاء الطبيعي؛ ثم سخر كل معارفه المكتسبة المستحدثة بتلك القوانين الفيزيائية الكونية في تعظيم معرفته واستفادته من البيئة الطبيعية أكثر. بلغ الإنسان من العلم والقوة حد أن أصبحت الأرض تضيق به الآن، مثلما ضاق به حضن الأم ومنزله الصغير في طفولته المبكرة، ليتجه إلى الفضاء الأوسع بحثاً عن موارد جديدة للقوة والنفوذ، وفي الوقت نفسه إشباع فضوله المعرفي والاستكشافي.

لم يعد الإنسان، كما في حضوره الأول على الأرض، يبحث عن مجرد ما يسد به حاجة غرائزه الفطرية الآنية في التو واللحظة؛ بل أصبح ينشد الآن ما يضمن له الريادة والقيادة والسيطرة على الآخرين لمئات وآلاف السنين القادمة. فضول الإنسان قد تجاوز الأرض- ذلك الكوكب المتناه الصغر ويكاد لا يرى بالعين المجردة من منظور الفضاء الكوني العملاق- بكل كائناتها وكنوزها، ليتطلع إلى غزو واستعمار الفضاء الكوني. وقد نجح لأول مرة في تاريخه المديد والحافل في أن يحلق عالياً عبر الفضاء الشاسع بحثاً له عن موطن آخر جديد. الأرض لم تعد تسعه.

ربما ما كان الانسان الأول يتخيل أن تصل به وسائل القوة والهيمنة يوماً إلى هذا الحد البعيد، لكن ذريته فعلتها. رغم ذلك، يبقى السؤال مطروحاً حول الحد الذي قد يتقدم إليه الإنسان مستقبلاً في سيطرته على الأرض والفضاء، وهل سيواصل تقدمه أم سينكص نتيجة كارثة ما طبيعية أو من صنع يديه، ليعود أدراجه إلى حيث كانت بداياته الأولى؟! بصرف النظر عن التكهنات والترجيحات حول المستقبل، تبقى الحقيقة الماثلة والمؤكدة أن الإنسان استطاع، بفضل وعيه بذاته والتعلم من تجاربه السابقة وإعلاءه لقيم العقل والعلم والعمل الجاد والدؤوب، أن يرتقي إلى منزلة الحاكم المطلق على الأرض بكل كائناتها وكنوزها، ليسخرها جميعاً لخدمة أغراضه الخاصة، تلك النابعة أساساً من غرائزه الفطرية الأساسية.






إطلاق البث التجريبي لقناة الحوار المتمدن على اليوتيوب
واقع المرأة في المشرق والمهجرمقابلة مع د. إلهام مانع
في الثامن من مارس لانريد وردا ولامدحا - مقابلة مع د.امال قرامي


كيف تدعم-ين الحوار المتمدن واليسار والعلمانية على الانترنت؟

تابعونا على: الفيسبوك التويتر اليوتيوب RSS الانستغرام لينكدإن تيلكرام بنترست تمبلر بلوكر فليبورد الموبايل



رأيكم مهم للجميع - شارك في الحوار والتعليق على الموضوع
للاطلاع وإضافة التعليقات من خلال الموقع نرجو النقر على - تعليقات الحوار المتمدن -
تعليقات الفيسبوك () تعليقات الحوار المتمدن (0)


| نسخة  قابلة  للطباعة | ارسل هذا الموضوع الى صديق | حفظ - ورد
| حفظ | بحث | إضافة إلى المفضلة | للاتصال بالكاتب-ة
    عدد الموضوعات  المقروءة في الموقع  الى الان : 4,248,649,607
- أنا الإنسان، أنا الوطن: قصةُُ حياة 2
- أنا الإنسان، أنا الوطن: قصةُُ حياة 1
- أنا الإنسان، أنا الوطن: قصةُ حياة
- أنا الإنسان، أنا الوطن: خَلْقُ حياة
- كل شيء هادئ على البر الغربي للأحمر
- مقاربة جديدة إلى النكبة الفلسطينية في ذكراها السبعون
- الانتحار العربي في سماء نيويورك
- صراع السيسي وأردوغان على المنطقة
- القائد عبد الفتاح السيسي
- أسلمة السياسة، وتسييس الإسلام
- من يحمل وزر الدماء في رابعة؟
- الكائنات العلائقية
- الكائن العلائقي
- المكتفي بذاته النسبي
- المكتفي بذاته المطلق
- الكلمة الناقصة
- إنها يد الله أيضاً
- ماذا أنت فاعل بنا؟!
- ارسم إلهك بنفسك
- الفاشية الدينية والفاشية العلمانية لا تستويان


المزيد.....




- أمير سعودي يرد على تغريدة لسفارة أمريكا بالرياض تدين فيها هج ...
- هل يمكن للفيزياء إثبات وجود إله؟
- 100 ألف وفاة كل 35 يوما.. كورونا تحصد أرواح 700 ألف شخص في أ ...
- جيش الاحتلال يصيب فلسطينيين بالرصاص قرب بيت لحم في الضفة الغ ...
- هاري وميغان: ما جاء في المقابلة التلفزيونية -أسوأ مما كان يخ ...
- السودان يصدر تحذيرا عاجلا بشأن ملء سد النهضة في يوليو ويستعد ...
- الامتحانات: كيف ينظر أولياء أمور الطلاب في مصر إلى تجربة الا ...
- الملك سلمان يصدر عدة قرارات بشأن قطاع الحج والعمرة
- الأرصاد المصرية تحذر من طقس الأربعاء
- النووي الإيراني.. واشنطن تأمل ردا إيجابيا من طهران وتحذر من ...


المزيد.....

- تشكُّل العربية وحركات الإعراب / محمد علي عبد الجليل
- (ما لا تقوله كتب الاقتصاد) تحرير: د.غادة موسى، أستاذ العلوم ... / محمد عادل زكى
- حقيقة بنات النبى محمد / هشام حتاته
- كيف ومتى ظهرت العربية بصورتها الحالية / عزيزو عبد الرحمان
- الحلقة المفرغة لتداول السلطة في بلدان الوطن العربي و العالم ... / محمد عبد الشفيع عيسى
- دور الزمن في تكوين القيمة / محمد عادل زكى
- مستقبل اللغات / صلاح الدين محسن
- ألدكتور إميل توما وتاريخ الشعوب العربية -توطيد العلاقات الاج ... / سعيد مضيه
- نقد الاقتصاد السياسي، الطبعة السادسة / محمد عادل زكى
- التاريخ المقارن / محسن ريري


المزيد.....
الصفحة الرئيسية - دراسات وابحاث في التاريخ والتراث واللغات - عبد المجيد إسماعيل الشهاوي - أنا الإنسان، أنا الوطن: قصةُُ حياة 3