أخبار عامة - وكالة أنباء المرأة - اخبار الأدب والفن - وكالة أنباء اليسار - وكالة أنباء العلمانية - وكالة أنباء العمال - وكالة أنباء حقوق الإنسان - اخبار الرياضة - اخبار الاقتصاد - اخبار الطب والعلوم

الصفحة الرئيسية - الادب والفن - محمود شقير - ظل آخر للمدينة18














المزيد.....

ظل آخر للمدينة18


محمود شقير

الحوار المتمدن-العدد: 6661 - 2020 / 8 / 29 - 17:29
المحور: الادب والفن
    


أقف على قمة السور في مواجهة نزلة باب العامود، حيث المتسوقون والسياح في ذهاب وإياب عبر السوق. أمضي متجهاً نحو الباب الجديد، أجتاز البيوت المترامية على يسار السور.
تقترب مني سائحة أجنبية، تخرج كاميرا صغيرة من حقيبتها التي تضعها على كتفها، تطلب مني أن ألتقط لها صورة تظهرها، ومن خلفها قبة الصخرة، بالتماعاتها الذهبية. ألتقط لها الصورة. تشكرني، ثم أسألها من أي بلد هي، فتخبرني بأنها من الولايات المتحدة الأمريكية، وتسألني من أي بلد أنا، فأخبرها بالأمر، ثم نفترق.
تمضي هي في اتجاه باب العامود، وأمضي أنا في اتجاه الباب الجديد.
أقترب من الباب الجديد، وأنظر إلى الشارع الذي يخترقه متجهاً إلى داخل البلدة القديمة، حيث تتجاور حوانيت ومطاعم ومقاهٍ ومداخل بيوت. ألتفت إلى الخلف، فأرى السائحة الأمريكية، تتبعني، فأنتظرها ريثما تصل، ثم نواصل الرحلة معاً، وأقدم لها بعض التوضيحات عما نراه على جانبي السور.
هناك، على مقربة، تنتشر بعض أحياء القدس الغربية، ويظهر فيها أول شارع يافا، وفندق الملك داود، وحي مونتفيوري ومباني مشكنوت شأننيم. نجتاز مبنى مدرسة الفرير الذي يقع على يسارنا، نقترب من باب الخليل، نلقي نظرة على ميدان عمر بن الخطاب داخل السور. أما في الخارج، فقد أخذت في الظهور بناية فندق مليئة بالقباب، إلى جانب بنايات أخرى ظلت مهملة طوال الفترة بين حربي 1948 و1967. تلقي السائحة الأمريكية علي بعض الأسئلة، وألقي بدوري عليها أسئلة. أصبحنا نعرف عن بعضنا بعضاً قدراً لا بأس به من المعلومات، إنها في أواخر الثلاثينات من عمرها، متوسطة القامة، تضع على عينيها نظارات طبية، وترتدي فستاناً فضفاضاً يعابثه الهواء الرخي، فينزاح عن ساقيها، اللذين يغطيهما قميص داخلي أسود طويل، فلا يظهر منهما سوى ربلتين شديدتي البياض. تذكرت امرأة تكتب الشعر من بلادي، فقلت في سري إنها تشبهها تماماً، فشعرت نحوها بإلفة ما.
اجتزنا القلعة التي حولها الإسرائيليون، مع المسجد المقام بجوارها، بعد حرب 1967، إلى متحف يروي على نحو متحيز، تاريخ القدس عبر العصور. تجاوزنا حي الأرمن المحاذي للسور من الداخل. طلبت منها أن تنظر نحو البعيد الممتد جنوباً. هناك، يربض جبل المكبر حيث أقيم، وعلى قمته وسفوحه تتجاور أشجار حرجية سامقة وبيوت، فأبدت ارتياحها للأمر، ثم سألتني هل سكن آبائي وأجدادي المدينة من زمن بعيد، فطمأنتها حول الأمر وأنا متألم من سؤالها الملغوم. سألتني عن علاقة المسلمين بالمسيحيين في المدينة، قلت لها إنها علاقة طبيعية. أمعنتْ في الاستفسار والتساؤل كأنها راغبة في العثور على مشكلة. أمعنتُ في شرح الموقف حتى لم تعد راغبة في مزيد من الكلام في هذا الموضوع.
أمشي خلفها وقتاً، ثم تمشي هي خلفي وقتاً آخر، أنبهها بين الحين والآخر إلى ضرورة الحذر من شوك القبّارة الذي ينمو على حافة السور، كي لا يصطدم بذراعيها أو ساقيها، فيدمي بشرتها الرقيقة، تستلطف اهتمامي بأمنها الشخصي. أسألها إن كانت تعرف بعض العبرية، تخبرني أنها تعلمت في رحلتها هذه بعض الكلمات. تتوقع بدورها أنني أتكلم العبرية، أخبرها بأن الأمر ليس كذلك. تبدو حائرة بعض الشيء، فلم تمعن في طرح الأسئلة، ولم أمعن بدوري في طرحها. كنت أخمن أنها يهودية، غير أنني لم أشأ أن أسألها عن ذلك، وكانت، كما يبدو، تخمن أنني لست يهودياً، فلم تشأ أن تسألني عن ذلك.
نهبط عن السور ونسير في الشارع الذي يمضي بمحاذاته، نحو ساحة السيارات المتاخمة لحائط البراق. نجتاز بوابة إلكترونية يقف خلفها رجال الشرطة، ندخل ساحة فسيحة مبلطة تمتلئ بالسياح وبالمواطنين الإسرائيليين، ينتصب حائط البراق أمامنا، وخلفه بالضبط تظهر قبة الحرم القدسي وقبة الصخرة. تقول لي السائحة إنها ستذهب الآن للصلاة.
تودعني، فأراقبها وهي تقف أمام الحائط وسط مئات من المصلين اليهود، تنخرط في صلاتها، فأغادر المكان وأنا أدقق النظر في شبابيك المدينة.
يتبع..



#محمود_شقير (هاشتاغ)      



اشترك في قناة ‫«الحوار المتمدن» على اليوتيوب
حول الانتخابات في البرازيل مع عالم الاجتماع والفيلسوف الماركسي ميكائيل لووي - اضواء على احداث ساخنة
حوار مع صلاح عدلي الامين العام للحزب الشيوعي المصري حول اوضاع ومكانة القوى اليسارية والتقدمية في مصر


كيف تدعم-ين الحوار المتمدن واليسار والعلمانية على الانترنت؟

تابعونا على: الفيسبوك التويتر اليوتيوب RSS الانستغرام لينكدإن تيلكرام بنترست تمبلر بلوكر فليبورد الموبايل



رأيكم مهم للجميع - شارك في الحوار والتعليق على الموضوع
للاطلاع وإضافة التعليقات من خلال الموقع نرجو النقر على - تعليقات الحوار المتمدن -
تعليقات الفيسبوك () تعليقات الحوار المتمدن (0)


| نسخة  قابلة  للطباعة | ارسل هذا الموضوع الى صديق | حفظ - ورد
| حفظ | بحث | إضافة إلى المفضلة | للاتصال بالكاتب-ة
    عدد الموضوعات  المقروءة في الموقع  الى الان : 4,294,967,295
- ظل آخر للمدينة17
- ظل آخر للمدينة16
- ظل آخر للمدينة 15
- ظل آخر للمدينة14
- د. حنا ميخائيل.. مثقف ثوري لا يمكن نسيانه
- ظل آخر للمدينة13
- ظل آخر للمدينة12
- ظل آخر للمدينة11
- ظل آخر للمدينة10
- ظل آخر للمدينة 9
- ظل آخر للمدينة8
- ظل آخر للمدينة7
- ظل آخر للمدينة6
- ظل آخر للمدينة5
- ظل آخر للمدينة4
- ظل آخر للمدينة3
- ظل آخر للمدينة2
- ظل آخر للمدينة1
- عن نجوم أريحا لليانة بدر
- مرغريت أوبانك صديقة الأدب العربي


المزيد.....




- مركز نيكيتا ميخالكوف يقدّم مسرحية شعرية في دونباس
- الوزير وهبي في مواجهة مع الأمانة العامة للحكومة
- صفعة الأوسكار تطارد ويل سميث ويتمنى عدم معاقبته
- خالد الصاوي يفوز بجائزة سينمائية عراقية
- مهرجان شرم الشيخ يسلط الضوء على مسيرة المسرح العراقي
- كاريكاتير العدد 5317
- دار الإفتاء المصرية تصدر فتوى بشأن الممثلة منة شلبي بعد القب ...
- ابنة عائلة جزائرية.. قائدة أوركسترا فرنسية تحلق في سماء المو ...
- الأردن.. مطالبات باستقالة وزيرة الثقافة بسبب رواية -خادشة لل ...
- عبدالعزيز المقالح الشاعر اليمني في ذمة الله


المزيد.....

- المرأة والرواية: نتوءات الوعي النسائي بين الاستهلاك والانتاج / عبد النور إدريس
- - السيد حافظ في عيون نقاد وأدباء فلسطين- دراسات عن السيد ح ... / مجموعة مؤلفين عن أعمال السيد حافظ
- البناء الفني للحكاية الشعبية على بابا والأربعين حرامي (بين ... / يوسف عبد الرحمن إسماعيل السيد
- شخصية مصر العظيمة ومصر العبيطة / السيد حافظ
- رواية سيامند وخجي مترجمة للغة الكردية / عبد الباقي يوسف
- كتاب (كحل الفراشة) - ايقاعات نثريَّة - الصادر في عام 2019 عن ... / نمر سعدي
- رواية تأشيرة السعادة : الجزء الثاني / صبيحة شبر
- مسرحية حكاية الفلاح عبدالمطيع ممنوع أن تضحك ممنوع أن تبكي / السيد حافظ
- مسرحية حلاوة زمان أو عاشق القاهرة الـحـاكم بأمـــــر اللـه / السيد حافظ
- المسرحية الكوميدية خطفونى ولاد الإيه ؟ / السيد حافظ


المزيد.....
الصفحة الرئيسية - الادب والفن - محمود شقير - ظل آخر للمدينة18