أخبار عامة - وكالة أنباء المرأة - اخبار الأدب والفن - وكالة أنباء اليسار - وكالة أنباء العلمانية - وكالة أنباء العمال - وكالة أنباء حقوق الإنسان - اخبار الرياضة - اخبار الاقتصاد - اخبار الطب والعلوم
إذا لديكم مشاكل تقنية في تصفح الحوار المتمدن نرجو النقر هنا لاستخدام الموقع البديل

الصفحة الرئيسية - الادب والفن - محمود شقير - ظل آخر للمدينة11














المزيد.....

ظل آخر للمدينة11


محمود شقير

الحوار المتمدن-العدد: 6623 - 2020 / 7 / 19 - 14:17
المحور: الادب والفن
    


عند آخر نزلة باب العمود، يتفرع السوق إلى أربعة اتجاهات. على اليمين طريق الجبشة، وعلى اليسار عقبة الشيخ ريحان، وما بينهما سوق باب خان الزيت، وطريق الواد.
طريق الجبشة ظلت على حالها طوال العقود المنصرمة. لا يظهر فيها إلا القليل من الحوانيت، ولا يزدحم فيها الخلق مثل بقية الأسواق. وعلى جانبي الطريق، تكثر البوابات التي تفضي إلى منازل، فيها غرف علوية، لها شبابيك من الطراز القديم، توحي بدفء عابق، وبحضور بشري كامن في الخفاء.
سوق باب خان الزيت هي الأكثر ازدحاماً من غيرها من أسواق المدينة (فتاتي الجميلة كانت تمر منها كل يوم، وكنت أتبعها مثل ظلها كلما شاهدتها). في أيام المواسم وفي المناسبات، وحتى في بعض الأيام العادية، لا يستطيع المرء التحرك بسهولة، لكثرة الغادين والرائحين، من مواطنين ومن سياح أجانب، كل يبغي حاجة له في هذه السوق، أو في غيرها من الأسواق التي تفضي إليها.
لهذه السوق مزايا عديدة تجعلها قبلة الغالبية العظمى من المتسوقين. فهي غير مسقوفة من طرفها المحاذي لنزلة باب العامود، ما يسمح بتسرب أشعة الشمس إليها باعتدال. وهي مسقوفة من طرفها المحاذي لسوق العطارين، ما يجعلها مريحة للمتسوقين في الصيف وفي الشتاء. وفيها وفرة من الحوانيت التي تبيع مختلف أصناف السلع والمواد الغذائية والحلويات والملبوسات، وفي منتصف السوق يقع متجر فاروق السلفيتي، زميلي منذ أيام الدراسة (دخلنا سوية ومعنا المئات من أبناء القدس سجن بيت ليد عام 1974). (وكنت أنا وقريبي إبراهيم نتردد في سنوات الدراسة الثانوية، على محل للحلويات في هذه السوق، نتناول فيه البقلاوة أو القطايف، ثم نجلس قريباً من مدخل المحل، نتسلى بمتابعة حركة الناس، وننتظر عودة بنات كلية شميدت من عطلة الغداء. وفي أثناء ذلك كان صاحب المحل يروي لنا شيئاً من مغامراته مع بعض نساء السوق. كانت له بحسب ما يرويه لنا، أساليب شيطانية في الوصول إلى ما يريد).
من مكتبة الشناوي الواقعة في السوق، اعتدت في سنوات التلمذة، شراء كتبي المدرسية ودفاتري. ومن الساعاتي عابدين، اشترى لي أبي أول ساعة وأنا في الثالثة عشرة من عمري. كنت أحدق عند حلول الظلام في الشعاع المنبعث من عقربيها، وأستمع إلى التكتكة الخافتة الصادرة من داخلها، فينقلني ذلك إلى عالم غامض بهيج (وحينما أصبح أبي طاعناً في السن تعطلت ساعته التي عاشت معه زمناً، فاشتريت له ساعة من عابدين نفسه، وقدمتها له هدية، فأثار ذلك في نفسه الارتياح).
تتصل بسوق باب خان الزيت، سوق أخرى لا تقل أهمية عنها اسمها الدباغة، التي تحفل بكل ما يلزم السياح الأجانب، من أيقونات وتصاوير دينية وتذكارات، وعلى مقربة منها، كنيسة القيامة بردهاتها المزينة برسوم للسيد المسيح (أتذكر أزقة أخرى كانت تبعث صورة القدس القديمة في ذهني كلما دخلتها وأنا في المنفى، مثلاً: الحي القديم في براغ المكتظ بالمقاهي والمطاعم والحانات، وحي الفما في لشبونة، المواجه لبحر الظلمات، والحي القديم في ستوكهولم المتصل بشارع الملكة (دروتننغ هاتن) المخصص للمشاة).
وعلى امتداد سوق باب خان الزيت نحو الشرق، تقع سوق العطارين التي تتميز بهدوئها ونظافتها. (من هذه السوق، استوحيت قصتي القصيرة "خبز الآخرين" التي حمل كتابي الأول اسمها. سمعت كلاماً تهامست به نساء حينا عن فتاة من القرية ذهبت لكي تبيع العنب في سوق العطارين مع نسوة أخريات. اجتذبها رجل إلى بيته لكي يشتري منها العنب. هناك في مدخل بيته، اقترب منها وقبّل خدها. نفرت منه وعادت إلى السوق وحكت لصاحباتها ما وقع لها. قصتي حفلت بتفاصيل أخرى كان لا بد منها لكي يكتمل للقصة مبناها ومعناها).
أسواق المدينة يفضي بعضها إلى بعضها الآخر. بعد سوق العطارين، ثمة سوق باب السلسلة. البيوت على جانبيها مهملة وجدرانها متآكلة، وأقول لنفسي: إن البيوت تهرم مثل البشر، وتبدو مثيرة للشفقة وهي توشك على السقوط. وثمة سوق القطانين، بأقواسها المهيبة وسقفها العالي (سأذهب إلى هذه السوق ليلاً بعد أكثر من ثلاث سنوات من عودتي إلى القدس، لحضور احتفال، تغني فيه فرقة شعبية، أمام حشد من أهالي الحي، سأرى بائع السوس وهو يحمل إبريقه النحاسي الكبير، وبنات الحي المحجبات وهن يجلسن في الصفوف الخلفية لمتابعة الغناء).
من بوابة سوق القطانين أدلف إلى باحة المسجد الأقصى الفسيحة، وقبة الصخرة التي تشع مهابة وبهاء. يروقني مشهد الشبابيك العالية في مسجدي الصخرة والحرم تحت الأشعة الوادعة لشمس أيار.
ينتصف النهار وأنا هناك.
وها هي ذي المدينة قد طالها التغيير لأسباب عديدة مختلطة، وأنا أيضاً تغيرت.
ولكن من ينكر أنني كنت هنا ؟ "يا سيدي حياك الله".
آه، كم آلمتني تلك الكلمات التي تلفظ بها ذلك الموظف، فبدت باهتة لا روح فيها ولا حياة.
يتبع..



#محمود_شقير (هاشتاغ)      



اشترك في قناة ‫«الحوار المتمدن» على اليوتيوب
حوار مع د. علي بداي حول التلوث البيئي والتغيير المناخي، اسبابهما وتاثيراتهما على الارض الان ومستقبلا
حوار مع الكاتب الروائي البحريني احمد جمعة حول الادب الروائي في المنطقة العربية ودوره في قضايا اليسار


كيف تدعم-ين الحوار المتمدن واليسار والعلمانية على الانترنت؟

تابعونا على: الفيسبوك التويتر اليوتيوب RSS الانستغرام لينكدإن تيلكرام بنترست تمبلر بلوكر فليبورد الموبايل



رأيكم مهم للجميع - شارك في الحوار والتعليق على الموضوع
للاطلاع وإضافة التعليقات من خلال الموقع نرجو النقر على - تعليقات الحوار المتمدن -
تعليقات الفيسبوك () تعليقات الحوار المتمدن (0)


| نسخة  قابلة  للطباعة | ارسل هذا الموضوع الى صديق | حفظ - ورد
| حفظ | بحث | إضافة إلى المفضلة | للاتصال بالكاتب-ة
    عدد الموضوعات  المقروءة في الموقع  الى الان : 4,294,967,295
- ظل آخر للمدينة10
- ظل آخر للمدينة 9
- ظل آخر للمدينة8
- ظل آخر للمدينة7
- ظل آخر للمدينة6
- ظل آخر للمدينة5
- ظل آخر للمدينة4
- ظل آخر للمدينة3
- ظل آخر للمدينة2
- ظل آخر للمدينة1
- عن نجوم أريحا لليانة بدر
- مرغريت أوبانك صديقة الأدب العربي
- بحر الحب والرغبات/ نص
- عن رواية يحيى يخلف: نجران تحت الصفر
- من قديمي الجديد: عندما تشيخ الذئاب.
- من قديمي الجديد: معين بسيسو ما زال معنا
- عن رواية الخاصرة الرخوة
- عن رواية سرير المشتاق لفاروق وادي
- من قديمي الجديد عن المسرح الفلسطيني/ مقالة
- عن سيرة الكاتب جميل السلحوت


المزيد.....




- بحيرة البايكال الروسية تحتضن مهرجان التماثيل الجليدية
- -طائرة-.. هل تضمن الفيلم رسائل عنصرية ضد السود؟
- خبراء اليونيسكو يقيمون الأضرار التي لحقت بمواقع التراث الترك ...
- المخرج على بدرخان بأوبرا دمنهور :المخرجون الآن أفضل من جيلنا ...
- بحضور حميدة وفواز وسيسيه ووفد سنغالي كبير : افتتاح معرضين عل ...
- متى يخرج بلد الحضارة والثقافة والعلم عن مأزق الصراع على السل ...
- نقابة الفنانين السورية تتبرع بـ75 مليون ليرة لدعم المتضررين ...
- شاهد: جمال حمو آخر مصلحي أجهزة الاسطوانات القديمة في نابلس
- وفاة المخرج التونسي عبد اللطيف بن عمار عن 80 عاما
- مسجد أثري في ملاطية وقلعتا حلب وعنتاب.. معالم تاريخية وأثرية ...


المزيد.....

- ترجمة (عشق سرّي / حكاية إينيسّا ولينين) لريتانّا أرميني (1) / أسماء غريب
- الرواية الفلسطينية- مرحلة النضوج / رياض كامل
- عابر سريرة / كمال تاجا
- رواية للفتيان الجوهرة المفقودة / طلال حسن عبد الرحمن
- كناس الكلام / كامل فرحان صالح
- مقالات الحوار المتمدن / ياسر جابر الجمَّال
- الشعر والدين : فاعلية الرمز الديني المقدس في الشعر العربي / كامل فرحان صالح
- (تنهيدة الكامل (مشى في أرضٍ لا زرع فيها / كامل فرحان صالح
- نجيب محفوظ وأحلام فترة النقاهة دراسة بين المؤثرات النفسية وا ... / ياسر جابر الجمَّال
- خاطرة وفكرة (ب) / ياسر جابر الجمَّال


المزيد.....
الصفحة الرئيسية - الادب والفن - محمود شقير - ظل آخر للمدينة11