أخبار عامة - وكالة أنباء المرأة - اخبار الأدب والفن - وكالة أنباء اليسار - وكالة أنباء العلمانية - وكالة أنباء العمال - وكالة أنباء حقوق الإنسان - اخبار الرياضة - اخبار الاقتصاد - اخبار الطب والعلوم

الصفحة الرئيسية - اليسار ,الديمقراطية, العلمانية والتمدن في العراق - حارث رسمي الهيتي - الريع النفطي وغياب حوامل الديمقراطية ( تحديان أمام التجربة العراقية)















المزيد.....



الريع النفطي وغياب حوامل الديمقراطية ( تحديان أمام التجربة العراقية)


حارث رسمي الهيتي

الحوار المتمدن-العدد: 6609 - 2020 / 7 / 3 - 19:31
المحور: اليسار ,الديمقراطية, العلمانية والتمدن في العراق
    


يشير احد مؤسسي الحزب الديمقراطي الاجتماعي البرازيلي فرناندو انريكي كاردوزو وهوعالم اجتماع واستاذ جامعي جرده النظام العسكري هناك من المنصب الذي كان يشغله في الجامعة، وأصبح فيما بعد رئيساً للبلاد لولايتين رئاسيتين منذ العام 1995 ولغاية 2003 ثم قاد انتقالاً سلساً للسلطة الى زعيم اليسار العمالي لويس ايناسيو لولا دا سيلفا، الى نقطة غاية في الأهمية عندما يتحدث عن التحوّل الديمقراطي في البرازيل حيث يقول:
ان الانتقال نحو الديمقراطية في البرازيل لم يحصل نتيجة الهجوم المباشر على حصون النظام، وانما بمحاصرته حتى أبدى من هم في داخله استعداداً لعقد صفقة. (1)
منذ وقت ليس بالقصير والحديث عن الديمقراطية وحولها لا يتوقف، تحقيباً و مراجعةً في أزمنة وأمكنة متعددة ومختلفة، كذلك فيما يتعلق بموضوع الانتقال نحوها، فهو طويل ومتشعب ومعقّد في آن، ناهيك عن صعوبة استنساخه من بلدٍ الى آخر فلكلٍ محدداته وثوابته ومتغيراته، ولكلٍ ظرفه الخاص وتجربته الخاصة.
في العراق المعاصر، تكاد تكون الديمقراطية من أكثر المفاهيم التي يتناولها الجميع، المجتمع بتلاوينه والسلطة بمختلف مرجعيات ممثليها، حتى المرجعيات الدينية كمؤسسة فاعلة في عراق ما بعد 2003 لا تستطيع أن تغفل أهمية مثل هذا الموضوع او التعامل معه، ولكن لكل رؤيته وتعريفاته للديمقراطية، مثلما له دوافعه لاقامتها أو ضمان عدم نجاحها، فمنذ 2003 ونحن نسير في خطوات ثقيلة لبناء – أو هكذا نعتقد - هذه الديمقراطية، نعم هناك اتفاق تام على إن عمليات الانتقال نحو الديمقراطية في العالم تختلف من بلدٍ الى آخر وترتبط بشكل كبير مع مدى تطور الواقع الاجتماعي والاقتصادي للبلد المعني، الا ان ما ذكره كاردوزو عن البرازيل طبّق عكسه تماماً في العراق في 2003، وهذه حسب اعتقادي واحدة من أسباب تأخر بناء تجربتنا الى الآن، علاوةً على غياب واحد من أبرز مداخيل الانتقال نحو الديمقراطية وهو التوافق الذي يجمع كل تلك القوى التي تنشد التغيير وتطمح نحو الديمقراطية كبديل عن النظام السابق، فكل مقومات بناء الديمقراطية لا تفعل فعلتها ما لم يكن هناك اجماع من قبل القادة والزعماء والمجتمع ازاء قيامها، وهذا ما لم يحصل في العراق، فقوات الاحتلال بوصفها واحدة من أكبر القوى الفاعلة في عراق ما بعد 2003 لم تكن موضوعة الديمقراطية هي شغلها الأهم، كذلك غالبية القوى السياسية العراقية التي عارضت النظام الديكتاتوري الذي رسمه وبناه صدام حسين محولاً اياه الى نظام ضارب القوة في جذور هذا المجتمع.
تقريباً ومنذ منذ قرابة الخمسين عام شهدنا دخول مفهوم الانتقال الديمقراطي باعتباره فرعاً ومبحثاً مهماً ومفصلياً في علم السياسة، وهو ما يمكن اعتباره وتعريفه بأنه تلك الفترة الوسيطة التي تعيشها الدول والمجتمعات بين نظام قد انتهى ونظام تتهيأ للدخول فيه، أو يقصد به بمعنى مبسّط هو كل تلك العمليات التي ترتبط للانتقال بالنظام السلطوي من نظام غير ديمقراطي (تسلطي، دكتاتوري، عسكري، شمولي ) الى نقيض ذلك النظام وهو النظام الديمقراطي، وتختلف طرق الانتقال نحو الديمقراطية تلك، فيمكن أن يتم الانتقال من الأعلى أي بمبادرة من الطبقة الحاكمة في النظام غير الديمقراطي ذاته بعد أن تتأكد تلك النخب من أن ليس هناك خطراً كبيراً سيهدد مصالحها ومكانتها، وتذهب باتجاه هذا الانتقال التنازلي حسب ما تسميه تيري لين كارل، وتقدم تلك النخب الحاكمة على هذه الخطوة نتيجة تنامي بعض المشكلات التي تقدم لها الديمقراطية حلولاً ناجحة، فحين تتفاقم الأزمات الداخلية لنظام ما، والحديث هنا عن الانظمة غير الديمقراطية وتعجز عن مواجهتها أو الاتيان بحلول لها، سواء كانت تلك المشاكل والازمات اقتصادية أو اجتماعية أو سياسية وتستشعر تلك الانظمة بخطر فقدان شرعيتها نراها تلجأ الى تبني نوع مما يسمى بالانفتاح السياسي أو انها تتحرك باتجاه الديمقراطية لتضمن عدم تغوّل القوى المعارضة لها وسيطرتها على الشارع. وهنا ينطلق غيورغ سورنسن استاذ السياسات الدولية وعلم الاقتصاد في جامعة آرهوس في الدنمارك في كتابه ( الديمقراطية والتحول الديمقراطي..السيرورات والمأمول في عالم متغيّر) من سؤال رائع مفاده: ما الذي يحث القوى الداعمة للتسلط الى الدخول في مفاوضات تؤدي الى انتقال نحو الديمقراطية؟! ومن جملة الاسباب حسب ما يرى هو انها تساعد في استعادة الشرعية للنظام الاجتماعي القائم، كما يمكنها أيضاً أن تقدم نظام مفتوحاً ومنضبطاً لاتخاذ القرار الذي ينتج عنه بيئة أفضل في مجال التجارة والاعمال، كما إنها تقدم دعماً واعترافاً دولياً للنظام القائم وهذا بحد ذاته يساعد في توفر دعم مادي ومساعدات دولية وقروض أجنبية. (2) ويمكن اعتبار تجربة البرازيل مثالاً واضحاً على هذا الطريقة في الانتقال والتحوّل.
وهناك الطريقة الثانية للانتقال وهي الانتقال التصاعدي حسب كارل أيضاً، وهي تعني الانتقال من أسفل تكون قوى المعارضة والتي تحظى بتأييد شعبي عن طريق التظاهرات والاحتجاجات وضغوط المعارضة الديمقراطية بتحقيقه، وهنا تأتي الفلبين والمكسيك مثالاً.
وهناك طريقة أخرى بالانتقال تقوم على أساس التفاوض بين الاصلاحيين من داخل النظام غير الديمقراطي القائم والمعارضة من خارجه يؤدي بعدها هذا التفاوض الى تبني خارطة طريق تضمن انتقالاً نحو الديمقراطية ومثال ذلك هنا ما حصل في بولندا وجنوب افريقيا.
اما في العراق 2003 فقد تم تدشين طريقة جديدة في القرن الجديد للانتقال نحو الديمقراطية حسب ما يعتقد، وهي طريقة الانتقال عن طريق التدخل العسكري الخارجي، بعد الايقان تماماً بعدم قبول النظام الحاكم آنذاك بالتغيير، وعدم بروز قوى اصلاح داخله نتيجه تعسفه وفرط قسوته، اضافةً الى العجز التام الذي كان يصيب المعارضة العراقية التي لم تفلح بالاطاحة به لأسباب عديدة منها ضعفها وقوة ذلك النظام ودعم الولايات المتحدة الامريكية له حتى في أشد حالات ضعفه التي لم تستغلها المعارضة استغلالاً حقيقياً.
على أية حال، فبعد أكثر من عقد ونصف على ما يفترض انه محاولة لاقامة نظام ديمقراطي على انقاض دكتاتورية مفزعة قد هُزمت، تبقى التجربة العراقية بحاجة الى كثيرٍ من الدرس والتحليل، محاولةً لايجاد أجوبة على كثير من الاسئلة التي تعصف بنا والمتعلقة بمدى صواب الطريق التي نسلكها والتي من شأنها أن تصل بنا الى الديمقراطية، هل تمكّنا من بناء نظم دستورية وانتخابية ستمهد لنا الطريق نحو هدفنا المنشود؟ هل تخلصنا من كل تلك القوانين والموروثات التي لا تتلائم وجوهر الديمقراطية؟ الى غير ذلك من أسئلة كثيرة كان من سبقنا في هذا الطريق قد أخذها بعين الاعتبار.
بالتأكيد التجربة العراقية لم تنتج الى الآن بلداً ديمقراطياً، على اختلاف تعريفات الأخيرة، ولكن من المهم أن نتوقف عند سؤال ضروري، هل نحن نسير باتجاه بناء الديمقراطية أم إننا نقترب من عوامل نكوصها والردة عنها؟ أم مازلنا دولاً تعيش في المنطقة الرمادية؟ والتوصيف الأخير هو لتوماس كاروذرز، الخبير في دعم الديمقراطية الدولية وارساء الديمقراطية، اذا يعرّف كاروذرز دول المنطقة الرمادية باعتبارها "دولاً تعاني من عجز ديمقراطي خطر، غالباً ما يتضمن تمثيلاً ضعيفاً لمصالح المواطنين ومستويات متدنية من المشاركة السياسية بعيداً عن التصويت وانتهاكاً متكرراً للقانون بواسطة مسؤولي الحكومة وانتخابات ذات شرعية مشكوكاً فيها ومستويات متدنية جداً من ثقة الشعب بمؤسسات الدولة واداء مؤسسياً ضعيفاً باستمرار من جهة الدولة". (3)
منذ بدأت موجات التحول نحو الديمقراطية ولغاية يومنا هذا، تخبرنا تجارب الدول التي انتقلت الى الديمقراطية بجملة من القضايا والأسباب التي من شأنها إما أن تحقق التحول وتنجح تجربته أو تصاب التجربة بكثير من الانغلاقات والجمود حتى تصل الى مرحلة الانهيار، وما بين هذه وتلك كثير هي العوامل والمسببات التي من شأنها أن تدلنا على أسباب النجاح أو التأخر، وارتباطاً بالحديث عن التجربة العراقية، فهناك عدد من المسببات التي لا يمكن لباحث ان يتجاهلها في اطار دراسته للوضع هنا، ستقتصر هذه الورقة على الريع النفطي وغياب بعض حوامل الديمقراطية باعتبارها أسباباً كافية تعرقل أو تحد من عملية بناء تجربة ديمقراطية طال انتظارها.
أولاً: الريع النفطي
كثيرةٌ هي تعريفات وتوصيفات الريع، لغةً واصطلاحاً، في مأثرته الأبرز ( رأس المال ) يتحدث كارل ماركس عن الريع العقاري، باعتباره النمط او الشكل السائد آنذاك، ويعرفه حين يقول:
"ان الزارعين الحقيقيين للأرض هم العمال المأجورون الذين يستخدمهم رأسمالي ما، اي المزارع الذي ينخرط في زراعة الأرض بوصفها حقلاً خاصاً لاستخدام رأس المال، بوصفها توظيفاً لرأسمال في ميدان خاص من الانتاج، ويدفع هذا الرأسمالي/المزارع الى المالك العقاري مالك الأرض التي يستغلها هو، في آجال محدد، كل عام مثلاً مبلغاً من النقد مثبت بموجب عقد لقاء السماح له باستخدام رأسماله في هذا الحقل الخاص من الانتاج ان هذا المبلغ من النقد هو ما يسمى بالريع العقاري، سواء دفع لأرض زراعية، أم أراضي بناء أم مناجم أم مصائد أسماك أم غابات".(4) وهو بهذا التعريف ينظر الى الريع باعتباره فائضاً للقيمة حصل عليها صاحب الارض دون مساهمة منه في ذلك العمل الذي أنتج هذا الفائض.
اما في النظرية الاقتصادية، فالريع هنا هو الدخل المتأتي عن عامل طبيعي بسبب الخصائص الفنية لهذا العامل، ويعرف ايضاً: بأنه كل دخل دوري غير ناتج عن العمل أو الدفعات المنتظمة المتأتية عن الملكية العقارية، والريع بمفهومه الواسع ينصرف الى كافة اشكال الدخول الراجعة الى الهبات الطبيعية كالمناجم والمعادن والنفط. (5)
وارتباطاً بما يعنيه جوهر الريع من انه عائداً متأتياً عن عامل طبيعي قد يشكل النفط واحداً منها فقد تم تعريف الاقتصاد الريعي من قبل الدكتور صبري زاير السعدي الخبير الاقتصادي العراقي باعتباره اقتصاداً يعتمد على الريع المتولد من انتاج النفط ( والغاز) المملوك كلية ( الطاقات الانتاجية والاحتياطيات) للدولة، وتتلخص درجة اعتماد الاقتصاد الوطني على هذا الريع بمعايير اسهام قطاع النفط بنسبة أكبر من مجموع اسهامات قطاعات اخرى مثل الصناعة والزراعة في الناتج المحلي، ويشترط السعدي هنا جملة من الاشتراطات للاقتصاد الريعي منها: أن تكون نسبة أكثر من 50% من الانفاق الحكومي تموّل من قيمة عائدات النفط وان تشكّل صادراته ما يتجاوز الـ 50% ايضاً. (6)
ولمعرفة كيف يؤثر النفط وريعه على مسارات التحول الديمقراطي أو ممكنات بناء التجربة علينا بدايةً تحديد سمات الدولة الريعية، فقد شخص حازم الببلاوي أربع خصائص نستطيع من خلالها ببساطة معرفة مثل تلك الدول:
1. الدخل الريعي هو الدخل السائد في الاقتصاد.
2. يتأتى الريع من الخارج بحيث لا يحتاج الاقتصاد المحلي الى قطاع انتاج قوي.
3. تشكل الايدي العاملة المشغّلة في تحقيق الريع نسبة قليلة من مجموع القوى العاملة.
4. تكون الدولة (الحكومة) هي المتلقي الرئيسي للريع الخارجي.
فعندما يكون الريع المتأتي من الخارج يشكل النسبة الأكبر من مداخيل الاقتصاد فهذا يشير الى ان الدولة تتوفر على ايرادات كافية بفضل الريع مما يجعلها غير مكترثة بحاجتها الى الضرائب العالية أو انها قد لا تحتاجها أصلاً، وهذا من شانه أن يؤدي أمرين: الأول ستتصرف الدولة/الحكومة باعتبارها أكبر رب عمل وهي المانح لكل شئ، البقرة الحلوب المقدسة، الواهب العام الذي يقدم ما يحتاجه المواطنون وهذا يقلل من حجم محاسبتها من قبلهم، (وهنا ليس شرطاً أن تقدم الحكومة كل ما يطلبه المواطن حرفياً) الحديث هنا عن امكانيتها تقديم خدمات كلما رأت ان هناك ضغطاً شعبياً ومطالبات مختلفة - لاحظ مثلاً الاعلان عن تعيينات كلما زادت التظاهرات والاحتجاجات في العراق وتوّلد ضغطاً شعبياً تخشاه الحكومة- ناهيك عن ان هذا الريع ستستخدمه الدولة/الحكومة في بناء ماكنات عسكرية وأمنية تعزز من سيطرتها وفرض هيمنتها، الأمر الثاني ستقل مطالبة الجماهير بمزيد من الحياة الديمقراطية أو التمثيل النيابي وسيغيب (شعار لا ضرائب بدون حياة نيابية) وسيكون التوجه هو البحث عن أي علاقة تربط بينهم وبين الدولة/الحكومة مالكة الريع للحصول على المال بعلاقة مشوّهة قائمة على أساس ان الحاكم في هذه الدولة هو من يمنح العطايا والهبات.
كما يمكن للريع النفطي أن يساعد الدولة/الحكومة في أن تمنع تشكيل فئات وشرائح اجتماعية مستقلة عن الدولة ومواردها، هذه الفئات والشرائح هي المعنية بالمطالبة ببناء النظام الديمقراطي اذا يضمن لها مصالحها وتكون حجر الزاوية في المطالبة بمزيد من الحقوق والحريات السياسية وبهذه النقطة على رأي كثير من الباحثين فأن الدولة هنا وباستخدامها الريع النفطي تعيق نمو شرطاً ضرورياً من شروط بناء الديمقراطيات حسب مايكل روس.(7)
وتنشأ هنا العلاقة الزبائنية، العلاقة القائمة بين السيد/الدولة والرعية/الشعب، وتصبح مهمة الدولة هنا هو كيفية توزيع الأرباح أو تقسيم الريع بما يحقق للطبقة الحاكمة مزيداً من الربح والنفوذ ويضمن استمرارها في القيادة، عن طريق ما تقدمه للمحسوبين عليها من اقارب وحزبيين وحلفاء هم جيشها الشعبي في الازمات، وعلى الجانب الآخر يحقق للراكضين خلف الريع اولئك الذين دخلوا في العلاقة "زبائنية" مزيداً من المال غير المتعوب فيه ان صح القول. وهذا كله يصب في مصلحة الدولة المركزية قطعاً بعد أن مكنتها العائدات هذه من سد التصدعات والانشقاقات عنها وساعدتها على شراء التأييد السياسي المطلوب وخفف عنها الضغوط الشعبية التي لا تنقطع.
وبما ان الاقتصاد الريعي قائم على هذه العلاقة الزبائنية فهو سيعمق بالتأكيد كل الثغرات المجتمعية الموجودة خاصة في تلك المجتمعات متعددة القوميات والمذاهب، لأن من شأن هذه الثغرات أن تبقي المجتمع بفضل تفتته وانقسامه مجتمعاً ضعيفاً لا يقدر على مواجهة دولة مركزية يمنحها الريع النفطي كل مصادر القوة المطلوبة لاخضاعه. فضلاً عن ارتباط الاقتصاد الريعي صاحب الواردات والريوع المتأتية من الخارج بشكل أو بآخر بالدول الرأسمالية الكبرى، وهنا ستتحول الدولة الى تابع لتلك الدول الكبرى سعياً منها الى تمتين علاقتها بها بما يضمن لها حماية خارجية كافية لضمان بقائها في السلطة إن حدث طارئ ما.
ثانياً: غياب حوامل الديمقراطية
أ‌- المجتمع المدني:
في تعريفاته الاولى المأخوذة من مدن اليونان القديمة كان المجتمع المدني يعني جماعة من الناس (كومنولث) منظمة في كيان سياسي، أي هو اتفاق بين الافراد على العيش في كيان يجمعهم بعد أن يتنازل كلُ منهم عن بعض من حقوقه بإرادته. وهنا سيترك الانسان حالة الفطرة التي كان عليها ( حراً وسيداً لنفسه ).
حديثاً يختلف تعريف هذا المفهوم باختلاف متناوليه، فالمجتمع المدني عند الليبرالين لا يشبه المجتمع المدني عند الماركسين، وحسب الدكتور احمد شكري الصبيحي فهناك من يراه الرد على سلطة الحزب الواحد في الدول الشيوعية لقدرته على خلق مرجعية اجتماعية خارج الدولة، وآخر ينظر له باعتباره رداً على بيروقراطية وتمركز اتخاذ القرار في الدولة الليبرالية وهو الرد على سيطرة السوق على الحياة الاجتماعية، وقسمٌ يعتبره ضداً لدكتاتوريات العالم الثالث من جهة أو على البنى العضوية والتقليدية فيه من جهة أخرى.(8)
في كتابه ( المجتمع المدني في عراق ما بعد الحرب ) يشير الباحث العراقي فالح عبد الجبار الى أربعة مقاربات لماهية المجتمع المدني: (9)
- مقاربة اقتصادية تاريخية قادمة من المدرستين الالمانية والانجليزية ترى ان المجتمع المدني هو المجتمع التجاري الذي يستقل فيه كل ما يتعلق بالمجال الاقتصادي عن المجال السياسي، أي ان المجتمع هنا هو مجتمع منتجاً للثروة قائماً على توزيعها ممولاً للدولة.
- مقاربة كلاسيكية قادمة من المدرسة الفرنسية ترى ان المجتمع المدني هو ذلك المجتمع المتكوّن من مؤسسات وسطية انبثقت من تشكيلات اجتماعية – اقتصادية لتلعب دور الوسيط بين الفرد/ المواطن والدولة، ومن شأن هذه المؤسسة الوسطية يتم الحد من توتر العلاقة ما بين الدولة والمجتمع.
- مقاربة اليكسي دي توكفيل (1805-1959)المنظّر الفرنسي والذي طوّر مفهوم مونتسكيو للمجتمع عن المؤسسات الوسطية الى اتحادات طوعية لا تقوم على اساس القرابة والدم، جمعيات حديثة تقوم على اساس قانوني.
- المقاربة الثقافية هي التي تنظر الى المجتمع المدني بوصفه فضاءً تتم فيه حل أو تسوية كل المصالح المختلفة ومتابعتها وحمايتها من قبل مؤسسات غير حكومية، وهذه هي مدرسة ايطاليا أو غرامشي.
يجمع من كتبوا حول المجتمع المدني إن ولادة مثل هكذا مجتمع لا يتم إلاّ في حالة تميزه/انفصاله عن الدولة أو السلطة السياسية، وهذا لا يعني بأي شكل من الأشكال القطيعة مع الدولة، بل في قيام قوى سياسية واجتماعية واقتصادية وثقافية تمارس انشطتها بعيداً عن قبضة الدولة وتدخلها، يعني هذا نحن امام حاجة ملحة وضرورية لاقامة علاقة متكافئة ما بين الاثنين الهدف النهائي من هذه العلاقة هو تقديم الخدمة للمواطنين.
والسؤال هنا كيف يساعد وجود المجتمع المدني في اجراء عملية انتقال نحو الديمقراطية؟
الجواب على ذلك يمكن ايجاده من خلال المكان الذي يشتغل فيه المجتمع المدني، وبما انه يتوسط العلاقة بين المجتمع والدولة/الحكومة، وينظم هذا العلاقة بطريقة سلمية ويتولى تجميع مصالح المكونات الاجتماعية التي يعبر عنها ليقوم بنقلها إلى السلطة الحاكمة، ويدافع المجتمع المدني عن هذه المصالح ضد أي قرارات أو قوانين من شانها أن تمثل مساساً بحقوق المجتمع، بالتالي فهو يحمي المواطن من السلطة إن تعسفت، ويحمي السلطة من أعمال العنف السياسي التي قد تلجأ إليها بعض القوى والجماعات عندما تعجز عن توصيل مطالبها عبر قنوات مؤسسية وبطريق سلمي ومشروع.(10)
ومن شأن المجتمع المدني ايضاً أن يشكل ضغطاً على الدولة/ الحكومة، أي لا يكتفي بالوقوف كوسيط بين المجتمع والدولة، فهو يتبنى مطالب الجماهير وطموحاتهم على اختلافهم وتعددهم بوصفه فاعلاً اجتماعياً، وبهذا وحسب الآن تورين فاذا كانت ممارسات السلطة تجري من الاعلى الى الادنى فالديمقراطية غائبة، في حين يعتبر المجتمع ديمقراطياً متى ما استطاع المجتمع ان يوجه ممثليه السياسيين عن طريق الفاعلين الاجتماعيين. (11)
وبما ان المجتمع المدني هو مجتمع قائم على انقاض دولة الحق الالهي(الحكومات الدينية المقدسة)، فهو بالضرورة مجتمعاً لا يحمل هوية دينية، وهذا لا يعني نفيه أو تقاطعه مع الدين بل تحتفظ المؤسسة الدينية فيه بوظائفها الاجتماعية والاخلاقية ولكنها ليست هي المؤسسة الحاكمة كما انه يقف بالضد قطعاً من دولة الحزب الواحد الاستبدادية، وهذا من شأنه أن يحقق المساواة السياسية التي تعتبر شرطاً من شروط الديمقراطية، فالدولة هنا ملزمة أن تعترف للمواطنيها بحقوقهم بعيداً عن الانتماء الديني ومهما شكلت تلك المجموعات من نسب مئوية، وبعيداً عن التوجه السياسي ايضاً.
وبما ان الحديث هنا يجري عن الديمقراطية بشكلها الأولي حسب جون لوك ومونتسكيو باعتبارها فكرةً تقوم على الحكم بالرضى، أي ان يتنازل المواطنون عن بعض من حقوقهم الى ممثلين عنهم عن طريق الانتخابات، واعترفنا بأن واحدة من مهام المجتمع المدني ان يكون عبارة عن قناة للمشاركة السياسية في عملية اتخاذ القرارات السياسية أو المساهمة في رسمها عن طريق محاولات التأثير العديدة التي من الممكن أن يعمل عليها من تقديم العرائض والاستفتاءات وابتداع الطرق التي من شأنها أن تحوّل كل تلك المطالب الى اوراق ضغط صوب الحكومة وهو بذلك قد خلق نوع من التوازن أو تكافئ في العلاقة ما بين المجتمع ككل في مواجهة الدولة/الحكومة، وهنا قد تحقق واحد من شروط الديمقراطية حيث ان المحكومين لديهم القدرة على طرح مخاوفهم وطلباتهم واعتراضاتهم دون الخوف من القمع الذي تلجأ اليه الدولة حين لا تواجه مجتمعاً موحداً.
بعد كل هذا فإن المجتمع المدني يقدم من خلال تنظيماته المختلفة الاشكال والصور خدمة لمواطنيه من خلال ممارسة نشاطات مختلفة داخل حدود التراضي والمشاركة والسلم في ادارة الاختلاف الموجود في المجتمع وهنا قد حقق نقطة مهمة من نقاط وجوده اصلاً في انه نظّم وفعّل مشاركة حقيقية من قبل المجتمع في تقرير مصيرهم.
وهنا يمكننا القول، ان المجتمع المدني هو ساحة للصراع السلمي تتمكن من خلاله المجتمعات من أن تخلق نوعاً من الهيمنة مضادة لهيمنة الدولة وسطوتها.

بـ: الطبقة الوسطى :

تكاد أغلب النظريات التي تتحدث عن امكانية تحوّل بلد ما من نظام تسلطي ديكتاتوري الى نظام ديمقراطي تشير الى ان واحدة من أهم متطلبات ذلك التحول أو مساعداته هو وجود "طبقة وسطى" نظراً لما تحمله من خصائص ومميزات يجعلها تكون أقرب الى هذا النظام من سواه، لا يعني هذا بكل الأحوال أن نسلّم بأن الطبقة الوسطى هذه ستقف ابداً مع الديمقراطية وتوجهاتها فهناك تجارب تخبرنا بالعكس تماماً.
فهي طبقة تتكون من المثقفين وصغار التجار والموظفين وصغار الرأسماليين ومن البيروقراطيين وأفراد من الأسر ميسورة الحال والاساتذة الجامعيين وضباط الجيش، ولهذا (لا يمكن أن يكون هذا الخليط على فكر واحد أو في بنية تفاهمية وثقافية واحدة، ولكنه نسيج متقارب كما يبدو من ظاهرة في حين يحمل في أحشائه تناقضاته الجوهرية). (12)
وارتباطاً بأحد تعريفات هذا الطبقة القائل بأن افرادها يكسبون رزقهم من مهن تعتمد بصورة رئيسية على نتاجهم الفكري أو التعليمي فهذا من شأنه أن يوجد قوى تكاد تكون مستقلة اقتصادياً عن عطايا الدولة/الحكومة وتكسر احتكار الدولة للثروة وهو ما يعني كسر احتكارها للتمثيل السياسي خاصة في وضع مثل الوضع العراقي حيث أصبحنا أمام معادلة مفادها ان امتلاك الريع أو المال يعني امتلاك التمثيل السياسي. هذا فضلاً عن ما يعنيه وجود هذه الطبقة من إن هناك مستوى جيد أو معقول من دخل الفرد يقيه من الوقوع في دوامة الفقر والبحث الحثيث عن لقمة العيش مما يسمح له بالالتفات الى القضايا السياسية والبحث عن ماهية علاقته مع الدولة وموقعه على مسرح الأحداث، وهذا يؤكد ما ذهب اليه بعض من كتبوا عن مواضيع الانتقال الديمقراطي حيث اشاروا الى ان الديمقراطية نتجت عن كفاح هذه الطبقة المتوسطة للمشاركة في الحكومة في محاولة منهم الى رسم سياسات تخدم مصالحهم وتطلعاتهم.
وليس بعيداً عن تعريفها بوصفها خليطاً غير متجانساً من التوجهات والمصالح والاهداف فهذا يمنحها غالباً صفة أن يتسم خطابها السياسي والايدلوجي بالتعدد، هذا من شأنه أن يجعل من موضوع الرأي والرأي الآخر والتعددية الدينية والمذهبية والقومية امراً مقبولاً ومتوقعاً وليس غريباً.
وبعيداً عن الحوامل الاجتماعية المتعددة، والتي تناولت هذه الورقة اثنان منها، لا بد من التنبيه الى ان هناك الكثير والكثير جداً من معوقاتها في التجربة العراقية على أقل تقدير، وهي بحاجة الى بحث مستفيض فهي لا تقتصر على طيعة الثقافة السائدة التي تلعب دوراً في عملية انجاح الدمقرطة، هذه الطبيعة وكيفية نظرها الى العلاقة بين الحاكم والمحكوم، اضافة الى ضرورة التخلي عن ثقافة العنف واقصاء الآخر المختلف باعتبار ان هذه الثقافة هي النقيض لثقافة الديمقراطية القائمة على اساس ادارة الصراعات والاختلافات بالطرق السلمية، ومحاولة ايجاد ما يوّحد مكوّنات هذا المجتمع لا ما يفرقهم اذ يقف عامل غياب الوحدة الوطنية عائقاً امام الديمقراطية اذ تتطلب في واحدة عوامل قيامها توافقاً بين المجموعات المختلفة والمصالح غير المتجانسة من أجل هدفٍ عام.
أتفق تماماً مع ما يذهب اليه روبرت دال من ان ( الناس الذين يعيشون معاً لن يستطيعوا ابداً الاتفاق على كل شئ، ولكن اذا ارادوا الاستمرار في الحياة معاً فهم لن يستطيعوا الا ان يتفقوا على أهدافهم). (13)


.
.
.
.


المصادر:

1. تجارب التحول الديمقراطي...حوارات مع القادة السياسيين/ سيرجو بيطار، ابراهام لوينثال.
2. الديمقراطية والتحول الديمقراطي...السيرورات والمأمول في عالم متغير/ غيورغ سورنسن
3. غيورغ سورنسن/ المصدر السابق
4. رأس المال/ كارل ماركس، المجلد الأول، ترجمة فالح عبد الجبار
5. الريوع النفطية وبناء الديمقراطية الثنائية المستحيلة في اقتصاد ريعي/ صالح ياسر حسن
6. الريوع النفطية وبناء الديمقراطية/ مصدر سابق
7. النفط والاستبداد.. الاقتصاد السياسي للدولة الريعية/ مجموعة مؤلفين
8. مفهوم المجتمع المدني والدولة المدنية ... دراسة تحليلة نقدية/ محمد أحمد علي مفتي
9. المجتمع المدني في عراق ما بعد الحرب/ فالح عبد الجبار
10. المجتمع المدني والتحول الديمقراطي في البحرين خالد فياض مجموعة مقالات.
11. ماهي الديمقراطية / الأن تورن
12. مكونات الطبقة الوسطى العراق نموذجاً/ ياسين النصير، مقالة منشورة على موقع الحوار المتمدن في العدد: 1173 - 2005 / 4 / 20
13. التحول الديمقراطي في العراق.. المواريث التاريخية والاسس الثقافية والمحددات الخارجية/ د.عبد الوهاب حميد رشيد






قناة الحوار المتمدن على اليوتيوب
نحو يسار عربي جديد حوار مع الباحث الماركسي اللبناني د. محمد علي مقلد
واقع ومستقبل اليسار العالمي والعربي حوار مع المفكر الماركسي الفلسطيني غازي الصوراني


كيف تدعم-ين الحوار المتمدن واليسار والعلمانية على الانترنت؟

تابعونا على: الفيسبوك التويتر اليوتيوب RSS الانستغرام لينكدإن تيلكرام بنترست تمبلر بلوكر فليبورد الموبايل



رأيكم مهم للجميع - شارك في الحوار والتعليق على الموضوع
للاطلاع وإضافة التعليقات من خلال الموقع نرجو النقر على - تعليقات الحوار المتمدن -
تعليقات الفيسبوك () تعليقات الحوار المتمدن (0)


| نسخة  قابلة  للطباعة | ارسل هذا الموضوع الى صديق | حفظ - ورد
| حفظ | بحث | إضافة إلى المفضلة | للاتصال بالكاتب-ة
    عدد الموضوعات  المقروءة في الموقع  الى الان : 4,294,967,295
- متى تغيب الدولة ومتى تحضر؟!
- مشهدية حزيران ٢٠١٤
- مفهوم الدولة المدنية الديمقراطية ومرتكزاتها وأبرز المعوقات
- قراءة في الحراك التشريني
- شئ من ذكرى اليوم
- الانتفاضة التي نخرت الكونكريت ( تنصيب الزرفي نموذجاً)
- ماراثون مع الموت!!!
- ماذا يعني أن تعيش في بغداد 2020
- خمسة عشر يوماً من تشرين
- كي لا يقتلنا النفط
- سلام عادل .. الاستثناء في تاريخ الحزب الشيوعي العراقي
- الوطن هو أنتم، الوطن هو أنا
- ملاحظات من عطلة العيد
- القفز من مركب الرئيس !!!
- من حفل التنصيب !!
- فندق حامد المالكي الذي شغلنا !!
- قادةُ مروا بعد فهد ، لهم وعليهم
- كيف خيبت سائرون حلماً كان قريباً ؟
- الذاتي والموضوعي في تشكيل فهد
- وثبة كانون ... فتاةٌ على الجسر وكسر للنهج الطائفي مبكراً


المزيد.....




- هاتف 5G جديد يتحدى بمواصفاته أفضل الهواتف الحديثة
- تعبئة واسعة في الجزائر للمطالبة بالإفراج عن معتقلي الرأي
- شهادات شباب يكافحون لانقاذ العالم من تغير المناخ في أكثر الب ...
- شهادات شباب يكافحون لانقاذ العالم من تغير المناخ في أكثر الب ...
- تعبئة واسعة في الجزائر للمطالبة بالإفراج عن معتقلي الرأي
- واشنطن وطوكيو تتفقان على مواجهة الصين
- عدوان تركي: هل تواجه قبرص حربا جديدة؟
- لماذا فرضت الولايات المتحدة عقوبات مباشرة بعد محادثة بايدن م ...
- إيران نحو تعاون أعمق مع الصين وروسيا
- الصاروخ الروسي متعدد الاستخدام يزوّد بعجلات وزلاجات


المزيد.....

- بوصلة صراع الأحزاب والقوى السياسية المعارضة في سورية / محمد شيخ أحمد
- التقرير السياسي الصادر عن اجتماع اللجنة المركزية للحزب الشيو ... / الحزب الشيوعي العراقي
- شؤون كردية بعيون عراقية / محمد يعقوب الهنداوي
- ممنوعون من التطور أم عاجزون؟ / محمد يعقوب الهنداوي
- 14 تموز والتشكيلة الاجتماعية العراقية / لطفي حاتم
- المعوقات الاقتصادية لبناء الدولة المدنية الديمقراطية / بسمة كاظم
- الدين، الدولة المدنية، والديمقراطية / ثامر الصفار
- قراءات في ذاكرة عزيز محمد السكرتير السابق للحزب الشيوعي العر ... / عزيز محمد
- رؤية الحزب لمشروع التغيير .. نحو دولة مدنية ديمقراطية اتحادي ... / الحزب الشيوعي العراقي
- نقاش مفتوح حول اللبرالية واللبرالية الجديدة وواقع العراق؟ ال ... / كاظم حبيب


المزيد.....


الصفحة الرئيسية - اليسار ,الديمقراطية, العلمانية والتمدن في العراق - حارث رسمي الهيتي - الريع النفطي وغياب حوامل الديمقراطية ( تحديان أمام التجربة العراقية)