أخبار عامة - وكالة أنباء المرأة - اخبار الأدب والفن - وكالة أنباء اليسار - وكالة أنباء العلمانية - وكالة أنباء العمال - وكالة أنباء حقوق الإنسان - اخبار الرياضة - اخبار الاقتصاد - اخبار الطب والعلوم

الصفحة الرئيسية - الادب والفن - أكرم شلغين - خيبات














المزيد.....

خيبات


أكرم شلغين

الحوار المتمدن-العدد: 6515 - 2020 / 3 / 15 - 03:01
المحور: الادب والفن
    


كان ضابطاً يخدم في الجيش النازي في بولندا وهناك اتخذ من بيت كبير ضمن مزرعة كبيرة، ملكيتهما مجهولة، سكناً ومزرعة له ولأسرته المكونة من زوجة وطفلتين (آنا و لاورا) وطفل (بيرند). قبيل تصاعد الأعمال العسكرية جاء ليرى أسرته وأعلم زوجته أن تتيقظ لما سيذاع وفي حال سمعت نداء برمز كذا وكذا من الراديو فعليها أن تعرف أن الحرب ليست في صالحهم وبالتالي عليها أن تغادر وأطفالها بولندا فوراً وتعود إلى برلين حيث موطنهم الأصلي وتبقى هناك ريثما تسمع منه شخصياً. وبالفعل بانت الحرب أكثر شراسة مما توقع الجميع. وبينما الزوجة متسمرة أمام الراديو سمعت النداء الذي حدثها عنه زوجها وعلى الفور حملة حقيبة واحدة بها ملابس الأطفال وأسرعت معهم بالسفر بأول وأسرع وسيلة إلى برلين. أثناء الحرب لم تسمع زوجته منه أو عنه أي خبر وبقيت تنتظر. بعد انتهاء الحرب وخسارة ألمانيا حملت الأخبار ما فيه كارثة شخصية إضافة إلى الكارثة الوطنية والقومية لهم حيث جاء بعض الناجين بخبر أن الزوج أُحرِقَ حياُ مع مجموعة من الضباط الآخرين. بعد أن أصبحت برلين شرقية وغربية بقيت الزوجة وأطفالها في الشرقية وهناك تعرفت بأرمل كان فقد زوجته في الحرب أيضاً وبقي مع ابنه الوحيد. اتفقا على الزواج وعلى أن يتحركا باتجاه بلدة صغيرة في براندنبورغ ليسكنا بها ويستقرا هناك مع الأطفال الأربعة متمنين وضع مآسي الماضي خلفهما وأن يتناسيا كل الفواجع ويستعدا للبدء بحياة جديدة.
اندمج الجميع فالأطفال الثلاثة وجدوا من يعوضهم عن الأب وأما هيربرت الطفل الرابع فقد وجد أماً بديلة عن أمه البيولوجية. وهكذا تشكلت أسرة تسود أجواءها التناغم والمحبة والفرح، فكان لعب ولهو الأطفال، رحلات الأسرة إلى غابات براندنبورغ والبحيرات في المنطقة وهذا ما شكل حياة هذه الأسرة. كان الأب يتناول ريشته ويرسم الطبيعة التي يراها حوله وهكذا خزن كما كبيرا من اللوحات في بيته. راح الأولاد يكبرون معاً. بعد ما يزيد عن العقد من الزمن نضجا بشكل ملحوظ وبانت تفاصيل جسد آنا تشي بأنها أصبحت صبية، وأما هربرت الأخ من غير الأب والأم فقد بدأ شعر وجهه ينمو. ومع ذلك النضج طور هربرت نظرة مختلفة لآنا حيث بدا أنه لم يعد يراها أخته بل هي الصبية الجميلة الأقرب إليه. ذات يوم صارحها بقوله إنهما في الواقع ليسا أشقاء في الدم أو من الأب أو الأم والآن بعد أن كبرا فمن الممكن أن يتزوجا ويشكلا أسرة بدورهما. كانت صدمة لآنا التي لم تر به إلا أخيها الذي ربي وكبر معها ومع البقية من أفراد الأسرة، فرفضت مبينة أنها لا ترى به إلا أخيها!
في تلك الأثناء بدأت آنا العمل بقطاع التمريض فكانت تتجول وتقوم بزيارات خاصة لبعض المرضى. وحينها أيضاً توترت الأجواء السياسية بين الألمانيتين فبنت ألمانيا الشرقية الجدار الفاصل بين الشرق والغرب. كان هربرت لا يخفي موقفه مما جرى ويجري على الساحة السياسية حيث أنه قلباً وقالباً مع سياسة الشرقية أما آنا فكان ضد ما يحصل وترى أن ما تقوم به سلطات بلدها غير صحيح وإنهم يفصلون الشعب لشعبين ويحاولون تبديد الأمل ولكن، من وجهة نظرها، مهما طال الزمن سينهار الجدار. بين حين وآخر كان آنا تعاني من مضايقات في عملها وتشعر أنها مراقبة ومن ثم فصلت من عملها. بعدها تعرفت بشاب يكبرها بضع سنوات وتزوجا وتركت البيت الذي كبرت ونشأت فيه وبدأت حياة جديدة مع زوجها.
بعد انهيار جدار برلين وفتح كل مغلق بين البرلينيتين ومن ثم سقوط النظام في ألمانيا الشرقية كانت فرحة كبيرة لآنا. بعد سنوات قليلة سمحت السلطات الألمانية الاتحادية برؤية الملفات المتعلقة بالمواطنين لمن يريد الاطلاع على ملفاته من سكان ألمانيا الشرقية السابقة وعلى الفور تقدمت آنا بطلب وفي الوقت المحدد جاءت إلى الدائرة التي احتوت ملفات الشتازي (المخابرات الألمانية الشرقية) وأعطيت الملف الخاص بها لتقرأ به. كانت صدمة لها أن هربرت الذي رأت به أخاً لها كان يكتب عنها كل شيء، عن أحاديثها على مائدة العشاء، عن انتقادها لسياسة البلد، عن تذمرها من كل شيء، عن عواطفها التي لا تخفي أنها تمتد إلى ما وراء الجدار...والصدمة الأخرى كانت أنه بدأ تقاريره بها في الفترة التي رفضت عرضه بالزواج ووضحت أنها ترى فيها أخا ربي وكبر معها... ثم توقف عن كتابة التقارير بها حين غادرت البيت إلى بيت زوجها....فقد كتب في تقريره الأخير: "لقد تزوجت وانقطعت أخبارها!"






اشترك في قناة ‫«الحوار المتمدن» على اليوتيوب
نادية خلوف كاتبة واديبة وناشطة نسوية من سوريا في حوار حول تجربتها الحياتية ونضالها اليساري والنسوي
أحمد عصيد كاتب وباحث في حوار حول الدين و الاسلام السياسي والانتقال الديمقراطي والقضية الأمازيغية


كيف تدعم-ين الحوار المتمدن واليسار والعلمانية على الانترنت؟

تابعونا على: الفيسبوك التويتر اليوتيوب RSS الانستغرام لينكدإن تيلكرام بنترست تمبلر بلوكر فليبورد الموبايل



رأيكم مهم للجميع - شارك في الحوار والتعليق على الموضوع
للاطلاع وإضافة التعليقات من خلال الموقع نرجو النقر على - تعليقات الحوار المتمدن -
تعليقات الفيسبوك () تعليقات الحوار المتمدن (0)


| نسخة  قابلة  للطباعة | ارسل هذا الموضوع الى صديق | حفظ - ورد
| حفظ | بحث | إضافة إلى المفضلة | للاتصال بالكاتب-ة
    عدد الموضوعات  المقروءة في الموقع  الى الان : 4,294,967,295
- حقيبة
- كارل ولغز الورقة
- غيرة آدم
- ولكتبي الضائعة حكايات
- رشيد
- نسوية، ونسوية خاصة
- عشق القيود!
- هناك تأتيه الأفكار!
- بر الأمان
- انتبه فجوة (Mind the gap!)
- أما كفانا موتاً ودماراً؟
- طال التفكير
- هروب معنون بالأخلاق العامة
- من يستحق المساعدة!؟
- وجاء الفارس
- دنيا ودين!
- هلوسات وحدة ووحشة
- هل تغلبت العاطفة في نظرة سعيد !؟
- الرجل المناسب
- لو كان له جنّته!


المزيد.....




- -فلتت مني-.. دينا الشربيني تستعرض مواهبها في الغناء والرقص م ...
- الحكومة تستعد لمشروع قانون المالية
- أول تحرك قانوني لإلغاء مهرجان الجونة.. إنذار رسمي موجه لوزير ...
- قطع حديث محمد رمضان في افتتاح- الجونة- وسط جدل حول حضوره وإع ...
- -أميدرا- التونسية.. من هنا مر المحاربون الرومان
- السعودية.. الفنان فايز المالكي يتوسط في قضية تحرش (فيديو)
- حفل الفنان عمرو دياب في العقبة يثير غضب الأردنيين (صور+فيديو ...
- سهرة موسيقية بانامل عمرو سليم علي المسرح المكشوف بالاوبرا
- كاظم الساهر يحيي أولى أمسيات إكسبو 2020 -الخالدة- ويقدم 3 أغ ...
- مجلس الأمن يوجه قرارا صارما لقيادة الجبهة الانفصالية


المزيد.....

- كتاب: بيان الفرودس المحتمل / عبد عنبتاوي
- أخْفِ الأجراس في الأعشاش - مئة مِن قصائدي / مبارك وساط
- رواية هدى والتينة: الفاتحة / حسن ميّ النوراني
- في ( المونودراما ) و ما تيسر من تاريخها / فاضل خليل
- مسْرحة دوستويفسكي - المسرح بين السحر والمشهدية / علي ماجد شبو
- عشاق أفنيون - إلزا تريوليه ( النص كاملا ) / سعيد العليمى
- الثورة على العالم / السعيد عبدالغني
- القدال ما مات، عايش مع الثوار... / جابر حسين
- في ( المونودراما ) و ما تيسر من تاريخها ... / فاضل خليل
- علي السوريّ-الحب بالأزرق- / لمى محمد


المزيد.....
الصفحة الرئيسية - الادب والفن - أكرم شلغين - خيبات