أخبار عامة - وكالة أنباء المرأة - اخبار الأدب والفن - وكالة أنباء اليسار - وكالة أنباء العلمانية - وكالة أنباء العمال - وكالة أنباء حقوق الإنسان - اخبار الرياضة - اخبار الاقتصاد - اخبار الطب والعلوم

الصفحة الرئيسية - الادب والفن - أكرم شلغين - من يستحق المساعدة!؟















المزيد.....

من يستحق المساعدة!؟


أكرم شلغين

الحوار المتمدن-العدد: 5277 - 2016 / 9 / 6 - 11:39
المحور: الادب والفن
    


"...إنكِ تحاولين رفع معنوياتي، يا آنيتا ... ولكنه استفحل في جسدي، وحتى لو تناسيت الفحص وكلام الأطباء، فكيف لي أن أتناسى ما بعاني جسدي من آلام؟... تأكدي أنني لو توقفتُ عن تناول الأدوية لكان صراخي من الألم لا يُحتمل..." صمتت آنيتا ثم قالت: "أتمنى أن تُبعد عنك قدر المستطاع التفكير بالمرض...! فكّر بأيامنا الجميلة... بحبنا .. بما فعلناه...بجهودنا..." أنصتَ إليها ثم قال:
"زوجتي الحبيبة، آنيتا...! كنتِ خير زوجة طوال هذه السنين؛ أحببتُ كل دقيقة قضيتها معك، أحببت حياتي بوجودك فيها...، أتيتُك من جزء بعيد من العالم، أتيتُك بكل ما في الدنيا من هموم فكنتِ لي الحبيبة والزوجة والصديقة والأخت والأم والأخ والصديق والأب، وكنتِ دنيايَ..." تنهّد جاسم وهو يعبّر عما في نفسه من مشاعر وحنين ممزوجين بالحسرة والأمنيات... بكت آنيتا وقالت: "جاسم! نحن معا، فلماذا انحصر تفكيرك منذ أسبوعين بالموت...؟"
تابع جاسم: "آنيتا أعرف أنك أكثر عقلانية مني، وهذا ما أثبتته السنون، ولكنك عبثاً تحاولين أن تُنسيني أنني في وقت قصير سأكون قد رحلت...! دعينا نتكلم بمنطق...! زوجتي، أنا قلق عليك... ستبقَين بمفردك...! أحمد الله على أنني سأموت قبلك لأنني لا أعرف ماذا كان سيحلُّ بي لو بقيتُ وحيداً...." تنهّد من جديد وتابع "أعرف أنك ستفتقدين وجودي، فكل ركن من هذا البيت يذكرنا بعضنا ببعض، أتذكرين كم تعبنا حتى وجدنا ما يرضي ذوقك وذوقي معاً لشراء كل قطعة من قطع الأثاث؟ أتذكرين يوم أردنا أن نختار غرفة النوم...!؟ كانت كلماته تتقطع وأخذ يغص بريقه وهو يتابع قائلا: "لم أكن أعرف أن المرض سينال مني بهذه السرعة ويفرّقَ بيننا، يا شريكة عمري...! آنيتا، لا تحزني...! ولا تدعي غيابي ينال منك...آنيتا، عشنا أيامنا الجميلة...ماذا ستفعلين...!؟ زوري أصدقاءنا... ويوجد الكثير من الكتب التي تهاديناها ولم نتمكن من مطالعتها... ستكون رفيقتك لبعض الوقت... آنيتا، زوجتي الرائعة، لا داعٍ لأن نكرر من جديد ماذا ستفعلين بالمبلغ الذي ادّخرناه معاً طوال هذه السنين وتركناه للأيام الصعبة. سأكتب لك تفويضاً بالتصرف فيما يخصني منه بعد موتي... آنيتا، أحضري قلما وورقة...!"
جاءته آنيتا بالورقة والقلم وتعاونا على صياغة التفويض القانوني باللغة الألمانية وأشار عليها بأن تتصرف بالمبلغ وفقاً لما يرضيها...لكنّ آنيتا كررت ما كانت قد أصرّت عليه من قبل قائلة: "سيزيد ذلك من أحزاني...سأعطيه لمن يحتاجه .. فأنا لن أحتاج نقودا ... إذ لا أولادَ لدينا، وأهلي ليسوا بحاجة، أما أهلك وإخوتك، فللأسف، لم يعد أحدٌ منهم على قيد الحياة...! سأعطيها لمن يحتاجها...
وفي صبيحة اليوم الذي عقب كتابة التفويض، خرجت آنيتا من البيت ووثّقت التفويض وعرّجت في طريقها على المصرف، فتأكدت أن المبلغ المدخر والمحفوظ في المصرف يبلغ بالتحديد 43 ألفا ومائة وثلاثين يورو وبضعة سنتات...
في فترة لم تتجاوز الشهر، توفي جاسم.... وبعد انقضاء مراسم الدفن بأيام قليلة، جاءت آنيتا إلى "الجمعية العربية" في المدينة. كان في الجمعية ثلاثة أشخاص، أحدهم المدير، فتكلمت معه وأوضحت اعتزامها وضع مبلغ من المال نصفه تَرِكةٌ من زوجها المرحوم لمن يُثبت من العرب في المدينة أنه بحاجة ماسة إليه، وأنه يستحقه بالفعل... وليس شرطا أن يكون من الجمعية العربية نفسها، ولكن ربما ممن يرتادونها، والذي من شأن المبلغ أن يساعده في حياته ... فأي عربي بحاجة ملحة ويكون مُقنِعَاً، بإمكانه الحصول عليه...فقال مدير تلك الجمعية على الفور: "جمعيتنا تقيم نشاطات ثقافية... صحيحٌ أن مجلس البلدية يدفع لنا الأجور والفواتير، ولكننا ندفع أيضاً من جيوبنا... ونتقبل التبرعات بكل امتنان...!" لكن آنيتا كانت واضحة وقالت: "لو أردت إعطاءه لجمعيتكم تحديداً لقلت ذلك، ولكنني لم أقصدكم أنتم لأنكم تحصلون على مساعدات حكومية... ما أريده بالتحديد هو أن أعطي هذا المبلغ لمن يستحقه بالفعل...!"، أخرجت ورقة وقالت: "هذا هو الإعلان باللغة الألمانية وأتمنى أن يصاغ باللغة العربية ويُعلَّقَ في بهو الجمعية ليراه الجميع..." وتابعت قائلة: "هذا رقم هاتفي، وأنا انتظر منكم أن تعلموني عند العثور على الشخص المناسب..." ثم ذهبت. وبالرغم من أن المبلغ لم يكن بالملايين، ولا حتى بمئات الآلاف، فلم يمضِ طويل وقت حتى راح كل من الأعضاء الثلاثة الذين استمعوا إلى آنيتا يُعلم من يريد، ومن سمع راح بدوره يخبر آخرين، وبعضٌ جاء إلى الجمعية ليقرأ الخبر، والبعض الآخر راح يتفق على تقاسم المبلغ مع من يخبره... وكرر قسم آخر أنه يوجد من هو فعلا بحاجة وأنه يجب يُعطى فرصة...!
قبل ظهر اليوم التالي، رن هاتف آنيتا وكان المتكلم من الجمعية العربية ليعلمها أن أكثر من شخص قد حضر لتلك الغاية، وأنهم في انتظار مقابلتها في الجمعية.... فوعدت السيدة أنها لن تتأخر وأنها ستوافيهم في أقل من ساعة. عندما وصلت إلى الجمعية رأت بضعة أشخاص ينتظرون..... قالت لمدير الجمعية: "هلا ترجمت لي عند الاستماع لكل شخص على حدة؟" قال: أجل. لندخل إلى المكتب وسأناديهم واحداً تلو الآخر من بهو الجمعية. وهكذا بدت المسألة كأنها مسابقة للحصول على عمل، وأن على المتقدمين أن يثبتوا جدارتهم.
كان أول الداخلين رجلاً كهلا ملتحياً، راح يتكلم ويشرح حاجته للمبلغ. فقال: والدتي تسكن في قرية بعيدة عن المدينة وليس لها من معيل إلا الله. وفي ذلك البلد، لا يوجد نظام اجتماعي سياسي يخولها الحصول على مساعدات، كما أفعل أنا هنا...وقد أصبح سمعها ضعيفاً وبصرها ضعيفاً وعرفتُ من الناس أنه لا أحد بالقرب منها ليرعاها. فهي تحتاج إلى من يساعدها لتقدمها في السن. ولو حصلت على مساعدتك لاستعنت بمن تطبخ وتغسل وتجلي لها وتنظف بيتها...أما الثاني فقد ابتدرها قائلا إن زوجته القديمة في ريف حلب قد أصيبت بالسرطان، وليس معها ثمن أدوية أو تكاليف علاج...وهنا قاطعة مدير الجمعية سائلا: أبو محمد لم أعرف أنك من حلب فقد سمعتك تقول إنك من دير الزور... فأجابه: كان والدي شرطياً يخدم في دير الزور....ودخل الثالث وقال: أخي مهدد بفقدان بيته من حيث إنه دخل في مشروع تجاري فاشل، وهو الآن مطالب بإعادة ديون استدانها من عدة أشخاص....ولديه خمسة أولاد، ثلاثة منهم في المدارس وهم يكلفونه كثيراً....أما الرابع فقال أنا هنا لاجئ ولم أعرف الاستقرار بعدُ وبحاجة سريعة إلى أن أسكن بيتاً مستقلاً عن سكن اللجوء وأتابع حياتي بشكل مريح هنا... استغربت آنيتا وقالت: لكن هنا تستطيع الحصول على كل شيء من الدولة... وأنت، إضافة إلى ذلك، لا تزال صغيراً في السن..! أما الخامس فدخل وسأل مباشرة: "هل تتكلم الست لغتنا؟" رفع مدير الجمعية رأسه للأعلى إشارة بالنفي... فقال السائل: "ترجم لها..! أخي وسوس له الشيطان وأراد أن يصبح مليونيراً فتعرف على عصابة ودلوه على طريقة سريعة للكسب، وهي تهريب البشر إلى أوربا...ولكنه لم يكن ماهراً ففي أول صفقة تهريب له ضبطته السلطات الإيطالية، وهو مسجون في إيطاليا الآن وبحاجة لمبالغ كبيرة من المال لتوكيل محام بارع له..." وأما السادس فقال: أصبح عمري 39 عاما ولا أستطيع الزواج، لأن أهل العروس في المنطقة العربية يطلبون الذهب والمهر الغالي ويضاعفونه لأنني أعيش في ألمانيا، ولم أقل لهم أنني أعيش على مساعدات الدولة في ألمانيا...!" أما السابع فقال: قبل سنوات كان "المطهِّر" الأصلي في القرية مسافراً فاضطُرَّ أخوالي إلى أن يستعينوا بمطهِّر من قرية أخرى من أجل "طهور" ابن خالي. فارتكب المطَّهر خطأ وآذى عضو ابن خالي، وقد كبر الولد الآن وبلغ سن الزواج ولكنه بحاجة إلى عملية جراحية لإصلاح عضوه بسبب خطأ المطهِّر.. وأما الثامن فقال: "في منطقتنا يوجد شرف وكرامة بعكس هنا...! في ألمانيا يرى المرء أخته مع شاب آخر فيضحك له ولها أما عندنا فهذا عار...وأخي غسل عارنا بأن قتل أختي وحبيبها...وهو الآن في السجن... ولو كانت أختي هي المقتولة فقط لكان الأمر سهلا، ولكن بما أن هناك شاباً قد قتل فالموضوع أصعب، لأن أهله يطلبون الكثير ونحن بحاجة إلى توكيل أبرع المحامين له في العاصمة. فالمحامون في الشمال يستهترون بقضايا موكليهم، والمحامون في العاصمة يطلبون كثيراً ...مثل المنشار "عالطالعة والنازلة بياكلوا"...!". وكان التاسع متلكئا قليلا في البداية ثمّ تشجع أخيرا وقال: "إن حصلت على المبلغ فسأستثمره، وسيتضاعف المبلغ. وخلال سنة سأكون قادراً على فتح مشاريع خيرية لمساعدة الفقراء والمحتاجين...فسألته آنيتا عمّا سيفعله لمضاعفة المبلغ. فقال إنه سيتاجر، ولم يستطع أن يوضح بماذا سيتاجر...! وعندما رأى آنيتا تتبرم مبدية عدم قناعتها قال: ستهدرين النقود سدى، وسيضيع المبلغ لو أعطيتِه لغيري. فهؤلاء سيصرفونه بغبائهم، وليس بينهم من هو في حاجة إليه أكثر مني...! "
أما آنيتا فقالت لمدير الجمعية: "لقد سمعتُ قصصهم، وسأفكر فيما سأفعله لاحقاً...." ثم غادرت مبنى الجمعية لا تُلوي على شيء!






اشترك في قناة ‫«الحوار المتمدن» على اليوتيوب
حوار مع الكاتب السوري ياسين الحاج صالح حول سوريا واليسار والاسلام السياسي في العالم اليوم
طارق حجي مفكر علماني تنويري في حوار حول الحداثة والاسلام السياسي والتنمية وحقوق المرأة في بلداننا


كيف تدعم-ين الحوار المتمدن واليسار والعلمانية على الانترنت؟

تابعونا على: الفيسبوك التويتر اليوتيوب RSS الانستغرام لينكدإن تيلكرام بنترست تمبلر بلوكر فليبورد الموبايل



رأيكم مهم للجميع - شارك في الحوار والتعليق على الموضوع
للاطلاع وإضافة التعليقات من خلال الموقع نرجو النقر على - تعليقات الحوار المتمدن -
تعليقات الفيسبوك () تعليقات الحوار المتمدن (0)


| نسخة  قابلة  للطباعة | ارسل هذا الموضوع الى صديق | حفظ - ورد
| حفظ | بحث | إضافة إلى المفضلة | للاتصال بالكاتب-ة
    عدد الموضوعات  المقروءة في الموقع  الى الان : 4,294,967,295
- وجاء الفارس
- دنيا ودين!
- هلوسات وحدة ووحشة
- هل تغلبت العاطفة في نظرة سعيد !؟
- الرجل المناسب
- لو كان له جنّته!
- لقد فاتني أنه وقت دفن الموتى!
- لعله يأتي من المجهول!
- رحلة في البحث عن الدفء والحنان
- عروس وعريس
- عالمه الكبير
- رماد
- ليتها كانت حبيبة شاكر!
- بقع سوداء على القميص الأبيض
- لعب في العالم الافتراضي
- وتاريخها يبدأ بظهوره
- إن الحظ شاء
- خردة عشق من تمضى السنين
- وللشرق سحره*
- إنه منا وفينا!


المزيد.....




- السعودية.. انطلاق أول مهرجان سينمائي دولي في مدينة جدة الساح ...
- اليوم ذكرى رحيل نيلسون مانديلا
- مهرجان أبو ظبي يستضيف الموسيقي نيكولا بيوفاني
- بنعلي: -السوق الوطني لم يتأثر بتوقف الأنبوب المغاربي الأوروب ...
- أخنوش يعقد بأكادير لقاء تحضيريا للمؤتمر الوطني للتجمعيين
- حيار: سنفتح مركزا للتكفل بالنساء في كل إقليم
- الميراوي يفتح تحقيقا في الخروقات المالية والادارية بجامعة ال ...
- -لوح حلم جلجامش- يعود إلى العراق
- فنان إيطالي يحول رسومات العنصرية إلى جداريات ملونة
- طحنون بن زايد: لاعب الفنون القتالية الذي أصبح عراب الدبلوماس ...


المزيد.....

- أعمال شِعريّة (1990-2017) / مبارك وساط
- ديوان فاوست / نايف سلوم
- أحاديث اليوم الآخر / نايف سلوم
- ديوان الأفكار / نايف سلوم
- مقالات في نقد الأدب / نايف سلوم
- أعلم أني سأموت منتحرا أو مقتولا / السعيد عبدالغني
- الحب في شرق المتوسط- بغددة- سلالم القرّاص- / لمى محمد
- لمسة على الاحتفال، وقصائد أخرى / دانييل بولانجي - ترجمة: مبارك وساط
- كتاب: بيان الفرودس المحتمل / عبد عنبتاوي
- أخْفِ الأجراس في الأعشاش - مئة مِن قصائدي / مبارك وساط


المزيد.....
الصفحة الرئيسية - الادب والفن - أكرم شلغين - من يستحق المساعدة!؟