أخبار عامة - وكالة أنباء المرأة - اخبار الأدب والفن - وكالة أنباء اليسار - وكالة أنباء العلمانية - وكالة أنباء العمال - وكالة أنباء حقوق الإنسان - اخبار الرياضة - اخبار الاقتصاد - اخبار الطب والعلوم

الصفحة الرئيسية - الادب والفن - عماد نوير - قراءة نقدية في قصة قصيرة (المبتور) للقاص علي خالد















المزيد.....


قراءة نقدية في قصة قصيرة (المبتور) للقاص علي خالد


عماد نوير

الحوار المتمدن-العدد: 6035 - 2018 / 10 / 26 - 03:25
المحور: الادب والفن
    


قراءة في قصة (المبتور) للكاتب Ali Khaled

تذكير
دائما نحتاج إلى شيء جديد ينتشلنا من الرتابة، أسلوب يدغدغ المشاعر، يغازل الأفكار، و هذا ما نحاول البحث عنه في النصوص العميقة و ذات البداية المشدودة بطريقة كلاسيكية، فلا يبتعد القارئ أو ينفر مما يليها، لأنه حينئذ قد روّض نفسه بسرعة لاستقبال حدث و حكاية قد تتحدّث عنه، أو عن طفولته، و قد يصرّح بذلك الكاتب دون مواربه ليجعلك جزءا مهما من الحكاية (فكأنما هو بعض طفولتك)، و إنها ليست فارغة من المحتوى الاجتماعي و الوجداني الذي تنشده، و أنها حكاية الكل، تُقدّم لهم بالطريقة التي لم تسنح لهم الظروف و المؤهلات أن يتحدّثوا عنها و إكساء الذات طابع الرضا و وشاح السعد.

الفكرة
قطعا لم ننسَ يوما أن نقول بأن النص الأدبي لابد أن ينهض من إرث الفكرة الواضحة و الذّكية، و الهدف السامي و المغزى الأنيق!
النص الذي قيد البحث هو من جنس القصة القصيرة بوضوح و جلاء تام، نص حاول الكاتب أن يسرد أحداثه على لسان ثلاثة رواة، الجندي المجهول في يومياته أو مشاهده أو لوحاته، كما اصطلح عليها كاتب القصة، و الراوي الخارجي الذي نقل لنا القصة التي وجدها في مخلفات الحرب، و الراوي الداخلي الذي ارتأى الكاتب أن يكون هو ليحدثنا بصيغة الأنا، فيكون البطل السارد عن الراوي عن يوميات الجندي المجهول!
و لكن لماذا هذا التعقيد في سرد الحكاية على ثلاثة ألسن، هل كانت من باب التشّويق و تعقيد الحدث ليبدو شائكا يحتاج إلى انتباه و تركيز من قِبَل القارئ!
هل كان لإحكام الحبكة و جعل الحدث التسلسلي يبدو منطقيا و مقنعا، ويجب على القارئ أن يعيش اللحظة مع الحكاية المأساوية، فدغدة العواطف وترا رخوا يستغلّه الكتّاب لإثارة المتلقّي و شدّه بقوة.
أَم أن الكاتب على قدر عالٍ من المسؤولية، محاولا أن يبعث رسالة غاية في الأهمية، و عرض فكرته السامية بطريقة غير مباشرة، يوقف معها القارئ على التاريخ المتداول، و كيف للنقل المتواتر أن يتلاعب بالأحداث، و يمكن له أن ينقل الحدث بالصّيغة التي يبغيها، و بالكيفية التي أملته عليه الظروف.
و لا شك أبدا أن النصّ يحمل أهدافا رائعة، آثر الكاتب التنقّل بها عبر مراحل و لقطات و مشاهد واضحة و منفردة الواحدة عن الأخرى، حيث يحاول الكاتب أن يعرض الحيف الذي كان يعانيه الجانب الشّرقي من المتوسّط، و كيف كان الجانب الآخر أداة للظلم و القهر و البطش و الاستعباد!
حاول أن يُظهر أبناء بلده بالصورة النقية التي غابت عن أذهان المحتل و عن أذهان الناقلين للتاريخ بتحيّز، أو بازدراء للفرد العربي جميل الروح، فهو كان جميلا في تفكيره و عاطفته و تضحيته و اصطباره و فهمه للوضع و المأزق الذي هو فيه، و قد كانت إشارة الكتابة (بلغة عربية سامقة مثقلة بالاستعارة و بالكناية و المجاز) إنما تعقيب على فكرة تخلّف المجتمع العربي آنذاك.
مضامين كثيرة أراد النصّ أن يجلّيها للقارئ، و يطلعه على أن الآلة الصمّاء التي كان يستخدمها المستعمر إنما هي مشاعر مرهفة استطاعت أن تعيش أحلك الظروف و هي تغنّي أغنيات الرعاة و الفلاحين و الصبايا الملاح.

المبتور
لن نقدًم ما للعنوان من أهمية و ما له من إغراء لابد أن يكون قد صِيغ باجتهاد ليوقع بالقارئ منذ عتبته قبل استهلاله، فقد بتنا نعرف جيدا هذه النغمة مع حضور كل عتبة.
ألأن الجندي قد فقد أطرافه الثلاثة من الأربعة استحق النصّ أن يتّسم بصفة البتر للبطل؟
هل يُعقل أن نعتبرها مفردة دسمة، غنية بالبُعد الدلالي للحكاية، و هي على قدر من التوافق السطحي مع النص لتبدو مغرية و مميّزة و تحمل طابع الفضول الذي يثير القارئ؟
لا أعتقد أن المبتور عنوانا مكمّلا لجمالية القصة، أو هو الجانب الذي كنّا نتأمّل فيه إضمارا لحدث عظيم، سيق عنوانه بهذه السّهولة، و كان الأجدر أن يكون أكثر عمقا، متلائما مع عمق النص و تناسق جمله مع مساحة أحداثه، و عليه فإن المبتور شيء آخر و ليس صفة الإصابة البليغة و العاهة المستديمة التي عانى منها البطل، إنها استئصال و بتر الشّاب العربي عن مجتمعه و واقعه فكريا، من خلال فرض سياسة الفرنسة، و بتره جسديا من خلال تجنيده في حروب هو وقودها الوحيد، بتره عن بساتينه و زيتونه و ثقافته و أرضه و سماره و خشونته و فاطمته، بتره عن واقعه ليبقى و هو يصافح أكفّ الملائكة مرتبطا متّصلا بعالمه بكامل روحه يغنيها أغاني العودة.

الحبكة
غالبا ما نترك الحديث عن الحبكة، و لا نفردها باستقلالية، و نجعل القارئ يدرك ذلك من خلال تبيان مواضع القوة و الوهن أثناء الشرح و بين السّطور بدءاً من المقدمة إلى آخر المقال.
و لكن الذي شدّني هنا هو تلاعب الكاتب بالحدث، و عدم التقيّد بالسّرد التقليدي لسير الأحداث، فبداية القصة و سرد الكاتب الراوي الدّاخلي كان يتحدث عن حاله قبل الولوج إلى القصة، كأنه لم يقرأ الكتاب بعد، و أنه قد دخل لغرفته توا مرتطما بجدار و نفس مثقلة بالهموم، في حين أن البطل كان قد قرأ الكتاب حتى أتى آخره، فأقلقه أسطر الكتاب(أحاول أن أجد لي مهربا من ضجيج أقلق راحتي في بعض أسطر من كتاب قديم لا أذكر تحديدا متى اقتنيته) و أنه قد نهض ليرتطم بالجدار أثر انقطاع التيار الكهربائي، و هذا ما ربطه لنا الكاتب بالفقرة ما قبل الأخيرة(ان ارتطامي بالجدار مدويا وأنا أبحث عن الباب حين انقطع التيار . ورأيت ، أو هكذا خيل الي ، الجندي نصف المجنون يجلس على الطرف الٱخر ....).
و من هنا يتّضح لنا أن الراوي الأنا قد أهمل قراءة الكتّاب فترة من الزمن، ربما كان عمدا، حيث لا شهرة لكاتبه الراوي الخارجي، أو عدم قناعاته بصحة ما يكتبه، و ما اقتناءه لكتابه إلّا محض استثنائية لم تكن له يد مباشرة فيها.
لقد كان السّرد ذكيا و رائعا يعتمد على شحذ حواس القارئ، و جعله متسائلا لكل التفاف من قبل الكاتب، و الوقوف عند كل مفردة لم تأتي من فراغ أو لمجرد حشو لا وظيفة له.

المتن
يحاول الكاتب أن يدخل بجرأة و قوة و بنفس قصير و مدو، جمّل وصفية أنيقة بصيغة الماضي و بلسان الراوي الذي وِلِدَ داخل النصّ، يصف حالة العشوائية و الانفلات الذهني تصاحبه الحيرة و الذهول، يشعر أنه يهذي فهو كالمحموم، مشتت البال فهو تائه لا يلوي على شيء، و لا يبصر ما أمامه فهو كفيف أظلم كل ما أمامه.
و كل ذلك من رواية لا كالروايات و لا قصة كمثيلاتها و لا رسائل منتظمة بطريقة دورية بين حبيب و حبيبة، بين أم و ابن، بين صديق و صديقه، و لا سيرة ذاتية، هي ملحمة لا شعورية يعبق من بين ثناياها دم بعطر جبل حبيبته البعيد، جبل فاطمة الذي لن يقابل جبله المدكوك بآلة الحرب المرعبة.
رسائل ذاتية لزمن أبعد من الزمن الذي لا يُنصف فيه حبيب، لا ينصف فيه مسالم، لا يُنصف فيه عربي غادره تاريخه و قسى عليه حاضره.
قلقا مذعورا من أثر كلمات في كتاب مازال يحاسب نفسه كيف أهمله كل هذا الوقت، فلا حجة غير انشغاله بالحياة الصاخبة، كأنه لم يقرأ غيره!!!

اللوحة الأولى
(يقول الراوي...)
ينتقل الراوي الأول إلى الراوي الثاني ليبدأ سرد قصة مخفية في مخلفات حرب و دمار، يوسم كاتبها بالجندي المجهول و ينكر عليه جنسيته و اسمه و تفاصيله، و من باب آخر يؤكد عروبته من خلال خطه العربي الجميل و تحسيناته البلاغية و نسبه إلى المستعمرات التي ترزح تحت احتلال الدول الكبرى، و التي سيق فيها المجندون لقتال من لم يشهروا لهم العداء، و يقاتلو (جبنا لجنب مع مغتصب أرضهم و مستهلك جهدهم و ثرواتهم).
صورة تمثل تردي حال العربي بعد أن كان هو السيد في هذا الجانب من البحر في زمن بعيد!

اللوحة الثّانية
(يشدّك إليه..)
مازال الراوي ينقل لنا المشهد تلو المشهد مسترسلا بفضح حقبة زمنية تعجّ بالظّلم و الفضحية في قتل جنس الإنسان لأخيه الإنسان دون رادع من ضمير.
ينقلنا إلى شعوب مشابهة لشعبه الذي غادره مكرها، ليلتحق مقاتلا عن حرب لا يعرف أسبابها، منتظرا ميتة لا يعرف أوانها، يمر البطل بقرى كل ذنبها إنها فقيرة لا تقوى على مقارعة الجبروت، هكذا تتطاير أشلاؤهم بكل برود، يقتاتون من إغاثات.و معونات تؤجل موتهم يوم أو يومين!
صورة ثانية لموت قبيح لشعوب كُتب عليها الموت ليتسيّد الطاغي و يجني المجد الأحمر.

اللوحة الثالثة
(و يعود بك إلى فاطمة...)
يؤثر به المنظر في القرى التي يجتازها العسكر، أو من يجعلها دروعا بشرية يتّقي بها طيران (العدو)، وسط الدخان و المرض و الموت المتصاعد يبصر الحسناوات يلذن خلف جمالهن، فلا يعبأ بذلك الموت، فتطير أذرع بضّة، و سيقان عاجية، و تنطفئ أعين عسلية تشبه عيون فاطمة، حبيبة الفؤاد، و يتذكر الأهل و الزيتون و الأرض و الجيران، و يتذكر صاحبه في السلاح هنا، و مغتصبه هناك، و كيف يأخذ نصف الحاصل بيدين ناعمتين من أيدي أبيه الخشنه و أقدام أمه الدامية.
صورة أهله لا تفارقه، تحضرها له كل المواقف المشابهة.

اللوحة الرابعة
(يقول الرّاوي...)
ليته مات كما هو مصير الكل، ليته ما آل إليه هذا الحال، حيث هو مجنون أو شبه مجنون، قالت فيه الحرب قولتها التي لا ترحم، فأودعته مستشفى لا خروج منه، مع ذكريات أغنية خلدت في مخيلته، ترتكز كل الذكريات على عماد الحب و اسم فاطمة أشعاره و قوافيه.
صورة النهايات المؤلمة و تشبّث القلب الدامي بحبه الأول!

اللوحة الخامسة
(قال الرّاوي اقترحوا..)
ينقلنا الراوي إلى التضحية الكبرى حيث يرفض العودة إلى أهله بشكل مشوه لا يليق بفاطمة، خصوصا بعد أن عرف أنها صارت تحت ذمة رجل معافى بيدين و رجلين تجري فيهما دماء آدمية، لا أرجل بلاستيكية غبية.!
صورة التضحية بالقلب قبل التضحية برجلين اثنتين و ذراع في حرب هو عليها دخيل.

اللوحة السّادسة
(في الضفة الأخرى)
لم يعد له ذكر في بلده، في قريته إلّا من تاريخ معين يستلم فيه ذويه مستحقات بقانون فرنسي، يتحايل البعض على العيش في ثمن دمه دون أن يتذكره أحد، هكذا طرأ على الحياة، و هكذا غادرها دون موكب يليق بفكره الرائع و تحمّله و صبره.
صورة ضياع شخصية و كيان و فكر و جسد العربي، دون أن يعتقه المستعمر بحسابات الحرية التي يرفعها شعارا.

إن التهام الكتّاب دفعة واحدة في ليلة واحدة، هو مدعاة لتساؤل عن إهماله وقتا طويلا، يُعتقد إن التاريخ قد أهمل العالم العربي ردحا طويلا من الزمن، و ليس ذلك من باب النسيان، و لكن من باب إن الفرد العربي لم يكن جديرا أن يذكره التاريخ بالمجد، فتحين التفاتة من الشّاب العربي، و ينفض عن نفسه الغبار و يثبت للعالم أجمع بأنه كتاب يستحق القراءة و التأمل جيدا في مضامين إبداعه و صبره و جلده.
هي رسالة إلى العالم العربي للاستفاقة من رقاد طويل، و النهوض من جديد و إكمال مسيرة الأجداد الذين انتفضوا فطردوا المستعمر، مقدّمين الآلاف و الملايين من أبنائهم دون أن يتحملوا كلمة العار التي قد تستهوي البعض في الوقت الحاضر.

((حين أفقت من ذهولي كانت خيوط الشمس تتسرب باحتشام من النافذة ويدي لا زالت تمسك بدفتي الكتاب . تصفحته مجددا فاذا نصفه الثاني أوراق بيضاء . وإذا في أعلى الصفحة البيضاء الأولى ثلاث جمل فقط كتبت بخط عربي جميل :
" لا تكن ابدا كالريشة في مهب الريح ...
اذا ضاعت قبلتك، فابحث لنفسك عن طريق أخرى غير التي عرفت ...
ومتى عرفت عدوك عرفت طريقك ...."))
بقي الراوي الأول ممسكا بدفتي الكتاب حتى الصباح، عاش مع الجندي بأشكال كثيرة، رأى جسدا يطير بلا رأس و رأى كيف يحمل الجندي ذراعه الاصطناعية بسخرية و رأسه مقطوع يضحك من المجتمع المتقاعس، و الراضي بعيشة الذل و الخنوع!
تصفّح الكتاب مجدّدا، فإذا نصفه الثاني أوراق بيضاء، ما معنى ذلك، هل كل الكتب تجزّأ إلى نصفين، و ما هو جزءه الثاني، و لماذا وجده أوراقا بيضاء؟
و كيف عرف الراوي إن العبارات الثلاث كانت بداية الصفحة الأولى للنصف الأبيض؟؟
ألا يكون ذلك هو ذيل و خاتمة للكتاب الأصل، كيف جزم علينا أنه بداية للجزء الثاني، بأي دليل قال ذلك!؟
ليس لديه دليل غير إخفائه مقدمة الراوي الذي وجد الكتاب، الراوي العربي الذي خط بيده خط عربي جميل يجاري مخطوطة الجندي، لكنه أحجم عن الاستمرار بالكتابة و التعقيب، و اكتفى برسائل الجندي إلى جيل يعقبه، فآثر الراوي أن لا يشوه تلك المشاهد بتعقيبات قد تبدو غبية، و يترك الكتّاب كما هو احتراما للجندي المجهول الذي ترك رسالة عظيمة لخلفه.

ألف مبارك لكاتب النص فوزه المستحق الأستاذ علي خالد.
شكرا للجميع
تحيّتي و الودّ.. عماد نوير
___________________________________

النص الأصلي
المبتور

كنت كالتائه في المدى ، كالكفيف أو كالمحموم ، حين ارتطم جسدي تلك الليلة بالجدار .
لم أكن قد أخلدت للنوم بعد ، استلقيت هناك ، على السرير ، أحاول أن أجد لي مهربا من ضجيج أقلق راحتي في بعض أسطر من كتاب قديم لا أذكر تحديدا متى اقتنيته، كتاب قديم جدا لعله يعود الى سنوات مضت كان الناس فيها مولعين بالكتب ولعهم اليوم بمواقع الاجتماع .كنت قد أهملته دهرا وانشغلت عنه بالدنيا وانخرطت في الزحام مع المنخرطين أطوي المسافة ويلفني الدهر.

لم يكن رواية كسائر الروايات تنتهي بانتصار وانكسار وتتصارع فيها القوى بين رغبة ورهبة .ولا هو بالقصة تتأزم أحداثها ثم تنفرج لتخلص في النهاية الى مٱل وعبرة . كان أشبه بالرسائل واليوميات. صفحات مشوشة في غير ترتيب يخاطبك فيها الراوي ، كمن يكلم نفسه. يستفزك وهو يحدثك عن لوحات ومشاهد كثيرة .ويسافر بك بين اللوحة واللوحة بعيدا في كيانك ، في أعمق أعماقك .

يقول الراوي إنه لا يعلم عن كاتبه الحقيقي شيئا. كل ما يعلمه أنه عثر عليه في حقيبة جندي مجهول في صندوق قديم من مخلفات الحرب العالمية الثانية . لا أحد يعلم جنسيته الحقيقية . لكنه كتب بعربية سامقة مثقلة بالاستعارة والكناية والمجاز . بدت صفحاته لي وكأن صاحبها من أولئك المجندين قسرا من شباب المستعمرات في الحرب العالمية ."حرب لا ناقة لي فيها ولا جمل" كما يقول في احدى يومياته " أحارب جنبا الى جنب مع عدوي...وأقاتل جيوشا ليس بيني وبينها عداوة في حقيقة الأمر..كنا كمن يصنع أمجاد غيره ". ويحدثك عن الحقول والبساتين والزياتين الفيحاء فكأنما هو بعض طفولتك بين السهول و السباسب ومروج القمح .ثم يعرج بك على الصحاري والواحات فكأنما هو منها يسعى كالماء بين الجداول والنخيل . ويبهرك شوقه الى غابات الصفصاف والفلين فكأنما ربى فيها ويعيد عليك أغاني الرعاة و تهليم الابل فكأنما له بأهل الجنوب نسب وصهر .وهو إلى ذلك يسكرك بحنين جارف ولوعة المغترب المشتاق الى الأهل والديار كالفطيم فيترنم بنتف من أشعار أبي تمام وأبي فراس ومالك بن ربيب وابن الرومي وغيرهم كثير ...ثم فجأة ، يسافر به الحنين الى "فاطمة" ، فتاته التي هام بها وانتزعته الحرب منها .فاذا هي حلم لذيذ يراوده بالعودة اليها واحتضانها . ويجزم دائما أنها على العهد في انتظاره هناك ، على شفير الوادي حيث تعود أن يلقاها .

أسماء غريبة تطالعك بين الصفحة والأخرى، أسماء جنود من دول مختلفة و شذرات من حياة لهم هناك في أوطانهم تنتظرهم . قصص لم تنته . مسارات بين العدم والوجود ،ٱمال وآلام وكوابيس وأحلام .

يشدك اليه وهو يصف بؤس الفلاحين الذين مر بهم في القرى و يصور لك لهفة الأطفال والنساء والشيوخ للحصول على علب السردين وقطع الجبن المجفف وأكياس الأرز والدقيق التي تمدهم بها منظمات الاغاثة الدولية أو تجود بها عليهم فيالق الجنود مقابل استعمالهم دروعا بشرية لاتقاء غارة مفاجئة من العدو .وكم كان المشهد مفزعا وهو يصور مشهدا لغارة مفاجئة ؛أشلاء ودماء ، رؤوس تطير في الفضاء وجثث بشرية متفحمة ودموع النساء و فزع الأطفال و حرقة السؤال يتردد في الأرجاء ، خراب و دمار ودوار .

ويعود بك الى "فاطمة" وعيونها العسلية وأمه وحضنها الدافئ وأبيه و اخوته وهم يتوزعون تحت أشجار الزيتون يجمعون الحبات وقد تشققت أناملهم وأرجلهم من صقيع ديسمبر، وحين استوت الحبات زيتا في الجرار ، تأتي محلة الباي وجند فرنسا ومن والاهم فيغنمون نصفها أو يزيد أمام أعين دامعة ونفوس منكسرة وأرجل حافية وأكف دامية .

يقول الراوي إن تلك السرية التي انتمى اليها ذلك الجندي المجهول قد أبيدت ذات ليلة على بكرة أبيها اثر غارة جوية مباغتة . لم ينج منها الا أفراد قلائل كلهم من دول المستعمرات. جمعوا، ولما تضع الحرب أوزارها ، في مركز لرعاية كبار المحاربين في مصحة على هضبة في ضواحي باريس . ثم قضى بعضهم نحبه . ولا زالت تنتاب البعض الٱخر حالات من الهستيريا والكوابيس . ويذكر أن جميعهم لازال يهذي في فزع من ويلات الحرب و فضاعة ما شهدت عيناه ، الا واحدا فقط . كان صامتا طوال اليوم فاذا هبت ريح جنوبية انبرى يردد اغنيته الوحيدة " جبل فاطمة " بصوت جبلي فيه شجن عظيم تنفطر له القلوب :
"ما ابعد جبل فاطمة عل جبلنا ****رانا ذبلنا
قولوا لجبل فاطمة***يقابل جبلنا ".

ثم اذا ما امتلأ منها تلقمه الممرضة جرعة المخدر فيصعد الى السماء .
كان نصف مجنون حين وضعت الحرب أوزارها . هكذا قال الراوي . اقترحوا عليه أن يعود الى وطنه لكنه رفض. رفض أن يعود الى أرضه و قريته البائسة بقدمين مبتورتين عوضوهما له في المستشفى بأخريين من البلاستيك لا دماء فيهما وذراع اصطناعية بديلة جامدة . وتمسك بالرفض أكثر، حين علم من رفيق سلاح لم تنل منه الحرب أن فاطمة قد زفت لغيره . فطلب منه أن يشيع في القرية أن قد مات في المصحة بعد الحرب .

في الضفة الأخرى من المتوسط ، ظل والده يستقبل كل شهر جراية من صندوق قدماء المحاربين هي ربع ما خصصته له وزارة الدفاع الفرنسية . أما نصفها الآخر فظل يدفع للمصحة لقاء العناية بمستلزماته وأما ربعها الأخير فظل يتقاضاه زوج فاطمة مناصفة مع ساعي البريد دون أن تعلم ، وقد اتفق معه على تدليس امضائها. كذلك كان أمر الجراية الى أن انقطع صوته عن ترديد اسمها في تلك المصحة الباريسية البعيدة .

أتيت على الكتاب في ليلة واحدة .التهمته التهاما . كم كانت معبرة تلك الصورة التي رسمها الجندي نصف المجنون في ٱخر صفحة من الكتاب ؛ جسد بشري مقطوع الرأس ترفعه الى السماء العشرات من بالونات الهواء وتشده الى صخرة في طين الأرض حبال شداد . معلق هو بين السماء والأرض. لاهو بالميت ولا هو بالحي . فلا هو في الأرض ولا هو في السماء .

كان ارتطامي بالجدار مدويا وأنا أبحث عن الباب حين انقطع التيار . ورأيت ، أو هكذا خيل الي ، الجندي نصف المجنون يجلس على الطرف الٱخر من السرير، شاهرا ذراعه اليسرى الاصطناعية في سخرية واستهزاء ومقدما براحة يده اليمنى رأسه مقطوعة وقد نبت من جانبيه جناحان كبيران .

حين أفقت من ذهولي كانت خيوط الشمس تتسرب باحتشام من النافذة ويدي لا زالت تمسك بدفتي الكتاب . تصفحته مجددا فاذا نصفه الثاني أوراق بيضاء . وإذا في أعلى الصفحة البيضاء الأولى ثلاث جمل فقط كتبت بخط عربي جميل :
" لا تكن ابدا كالريشة في مهب الريح ...
اذا ضاعت قبلتك، فابحث لنفسك عن طريق أخرى غير التي عرفت ...
ومتى عرفت عدوك عرفت طريقك ...."
------------
علي خالد






قناة الحوار المتمدن على اليوتيوب
نحو يسار عربي جديد حوار مع الباحث الماركسي اللبناني د. محمد علي مقلد
واقع ومستقبل اليسار العالمي والعربي حوار مع المفكر الماركسي الفلسطيني غازي الصوراني


كيف تدعم-ين الحوار المتمدن واليسار والعلمانية على الانترنت؟

تابعونا على: الفيسبوك التويتر اليوتيوب RSS الانستغرام لينكدإن تيلكرام بنترست تمبلر بلوكر فليبورد الموبايل



رأيكم مهم للجميع - شارك في الحوار والتعليق على الموضوع
للاطلاع وإضافة التعليقات من خلال الموقع نرجو النقر على - تعليقات الحوار المتمدن -
تعليقات الفيسبوك () تعليقات الحوار المتمدن (0)


| نسخة  قابلة  للطباعة | ارسل هذا الموضوع الى صديق | حفظ - ورد
| حفظ | بحث | إضافة إلى المفضلة | للاتصال بالكاتب-ة
    عدد الموضوعات  المقروءة في الموقع  الى الان : 4,294,967,295
- قراءة نقدية في ققج (شطط) للكاتبة غادة رشاد.
- الخاشوقجي شهيدا.!
- مقاربة نقدية في نص قصّصيّ
- لا تظلمني يا بُني كما ظلمني أخي!
- حياة مؤرشفة
- لا تسويف بعد اليوم
- الحكومة الشّاملة و ضياع الحقوق الشّعبية
- رسالة بطريق الخطأ
- الحظّ المفقود
- لقاء عند الباب
- التّيّار الصّدري و ثقافة الحوار العنيف.!
- الصدر يُقلق المشروع السعودي
- انتظار
- هل كان السبهانُ عراقياً... أم إنَّ العراق سبهانيٌّ؟؟؟
- (العرس) الانتخابي و المقاطعة (المذمومة)
- قصة قصيرة (طيف ساندريلا)
- قراءة نقدية في نص ومضي (غربة) للكاتب مجدي أحمد
- قصة قصيرة بعنوان ((موسوبي))
- قراءة في نصّ ومضيّ
- دردشة على سيجارة افتراضية


المزيد.....




- كاريكاتير -القدس- لليوم السبت
- ملف عمر الراضي.. السلطات المغربية تكذب مغالطات منظمات غير حك ...
- وفاة الفنان السوري كمال بلان في موسكو
- قصر أحمد باي يوثق حياة آخر حكام الشرق في -إيالة الجزائر-
- عرض مسرحية جبرا في بيت لحم
- فيما تؤكد الحكومة أن العلاقة مع المغرب وثيقة..خطط ستة وزراء ...
- القضاء المكسيكي يأمر منصة -نتفليكس- بإزالة مشهد يخرق قانون ا ...
- القضاء المكسيكي يأمر منصة -نتفليكس- بإزالة مشهد يخرق قانون ا ...
- -وحياة جزمة أبويا مش هنسكت-.. ابنة فنان شهير تتوعد رامز جلال ...
- الكشف عن تطورات الحالة الصحية للفنان خالد النبوي


المزيد.....

- القصة المايكرو / محمد نجيب السعد
- رجل من الشمال وقصص أخرى / مراد سليمان علو
- مدونة الصمت / أحمد الشطري
- رواية القاهرة تولوز / محمد الفقي
- كما رواه شاهد عيان: الباب السابع / دلور ميقري
- الأعمال الشعرية / محمد رشو
- ديوان شعر 22 ( صلاة العاشق ) / منصور الريكان
- هل يسأم النهب من نفسه؟ / محمد الحنفي
- في رثاء عامودا / عبداللطيف الحسيني
- ظلال الاسم الجريح / عبداللطيف الحسيني


المزيد.....

الصفحة الرئيسية - الادب والفن - عماد نوير - قراءة نقدية في قصة قصيرة (المبتور) للقاص علي خالد