أخبار عامة - وكالة أنباء المرأة - اخبار الأدب والفن - وكالة أنباء اليسار - وكالة أنباء العلمانية - وكالة أنباء العمال - وكالة أنباء حقوق الإنسان - اخبار الرياضة - اخبار الاقتصاد - اخبار الطب والعلوم

الصفحة الرئيسية - الادب والفن - حسين محمود التلاوي - عندما مات النهار...















المزيد.....

عندما مات النهار...


حسين محمود التلاوي
(Hussein Mahmoud Talawy)


الحوار المتمدن-العدد: 5712 - 2017 / 11 / 28 - 22:19
المحور: الادب والفن
    


لم يكن يصدق أن الجنازة التي يسير فيها الآن هي جنازة النهار. وحتى عندما توقفت تلك الجنازة أمام بوابات إحدى المقابر، لم يصدق أن ما سيراه في غضون دقائق قليلة هي مراسم دفن النهار.
كان قد سمع الكثير من الحكايات عن الكيفية التي توفي بها النهار، وهي الحكايات التي وإن اختلفت في قدر ليس يسير من تفاصيلها وصل أحيانًا إلى حد التناقض، فقد اتفقت فينما بينها على رواية عامة مضمونها أنه في يوم الحادث، استعد النهار للطلوع كما اعتاد كل يوم. ولكن في ذلك اليوم، رفض الليل أن يترك مكانه؛ فدخل النهار معه في مناقشة حادة لم تسفر عن شيء في نهاية الأمر؛ إذ إن الليل تمسك بموقعه، ورفض أن يرحل. يقولون إن النهار عندها بدأ يستخدم بعض الشدة لإزاحة الليل عن مكانه، لكن الأخير واصل التشبث بالسماء، وأبى أن يتزحزح عن مكانه؛ فما كان من النهار إلا أن استجمع قواه ليدفع الليل بقوة قاصدًا أن يزيحه من مكانه. لكن يبدو أن الشجار والجدال ومحاولات الزحزحة البسيطة كانت قد نالت من النهار؛ فلم يحتمل قلبه كل هذا الجهد، وانهار ليموت النهار بالسكتة القلبية.
في تلك الأثناء، كان اللحادون يغلقون فتحة القبر، ويهيلون التراب عليها، بينما راحت ألسنة الواقفين تلهج بالدعاء للراحل بالرحمة. جال ببصره في الواقفين، وقال في نفسه إنهم مثله بلا ريب لا يصدقون ما جرى؛ لا يستطيعون أن يصدقوا أن ما يرونه هو مراسم دفن النهار.
أنهى اللحادون عملهم، وبدأ الواقفون يغادرون المكان تباعًا، وهم في صمت إلا من بعض الهمسات التي وشت بذهول من أصدروها وعدم تصديقهم. أما هو فقد بدأت أفكاره تخرج من هول الموقف، وتسرح فيما يتعين عليه وعلى الناس جميعًا فعله لمواجهة هذا الواقع الجديد، وهو أنهم سوف يعيشون في عالم بلا نهار.
بدا له التعبير غريبًا... "عالم بلا نهار"... كيف يبدو العالم بلا نهار؟! هل يمكن العيش في مثل هذا العالم؟! كيف تبدو الحياة فيه؟! في عالم من الليل الطويل الأبدي؟! لكنه بعد فترة من التساؤلات الحائرة الصامتة رأى أن أفضل ما يمكنه فعله في مثل هذا الموقف الغريب هو أن يفكر فيما سوف يحتاج إليه هو وأسرته لكي يستطيعوا الحياة في الظلام.
في البداية توصل إلى أنه سوف يحتاج إلى الكثير من الشموع؛ الكثير منها؛ فلا ريب أن هذا الحدث غير المتوقع سوف يؤدي إلى زيادة مفاجئة في استهلاك الكهرباء لن تتحملها المرافق بلا شك؛ وهو ما يعني فترات من انقطاع الكهرباء قد تكون طويلة. لوهلة فكر في أنه من الممكن أن يشتري مولد كهرباء صغيرًا، لكنه عاد سريعًا، ونفض هذا الاقتراح من ذهنه لارتفاع التكلفة. لذا، رأى أن الشموع سوف تكون عنصرًا أساسيًّا في حياتهم المظلمة الجديدة.
رأى كذلك أنه سوف يحتاج إلى الإكثار من الأطعمة التي تحتوي الفيتامينات والمواد الحيوية الأخرى التي كانت الأجساد تكتسبها من ضوء الشمس أثناء النهار مثل فيتامين د؛ فلا ريب في أن النجوم بأشعتها الهزيلة لن تستطيع تلبية احتياجات الكائنات الحية من هذه المواد؛ هذا إن كان ضوء النجوم يساعد من الأساس على إكساب الجسم مثل هذه المواد. عند هذه النقطة رفع رأسه إلى السماء، المظلمة لتطالعه النجوم كماسات متلألئة على فراش من الحرير الأسود. لم يصدق وهو ينظر إلى النجوم أن مثل هذه الأجرام السماوية البهية يمكن أن تكون قاتلة. كيف يمكن لهذا الجمال أن يشترك في جريمة قتل.
لكنه لم يطل التفكير في هذه النقطة، وعاد مرة أخرى إلى التفكير في الاحتياجات التي سوف تترتب على هذا الموقف الذي لم يطرأ على مخيلته أبدًا بأنه سوف يعيشه؛ الحياة بعد رحيل النهار.
لكن ما أثار دهشته هو أنه عندما خرج من نطاق منطقة المقابر ليصل إلى منطقة المساكن، رأى أن هناك بعض الناس يعبرون عن سرورهم مما حدث، كما رأى بعض الأطفال يرقصون في حلقات، وهم يرددون أناشيد من وحي اللحظة تختفي بمقدم الليل الدائم ورحيل النهار. لكنه لم يكترث لهؤلاء الأطفال؛ فهم أطفال في نهاية الأمر، وقد لا يعقلون حجم الكارثة التي يمثلها رحيل النهار. لكن من أثار دهشته وربما غيظه هو الكبار. هل يفرح أحد لرحيل النهار؟! ربما يفضل البعض — وهو منهم — مقدم الليل، ولكن ذلك لا يعني أنه يريد العيش في ليل دائم؛ فهو فقط يحب الليل، ولكنه لا يستطيع الاستغناء عن النهار. ربما اللصوص فقط هم الذين يربحون بذلك الليل الدائم.
عند ذلك الخاطر تحفزت كل مشاعره وعضلات جسده بلا داعي في الواقع؛ فقد التفتت أفكاره إلى جانب مرعب، وهو أمنه وأمنن أسرته. هناك شوارع كان لا يمكن السير فيها إلا في ضوء النهار فقط مع استحالة السير فيها ليلًا لغياب الإضاءة؛ وهو ما يعني أن السير فيها بات مستحيلًا في أية ساعة من ساعات اليوم؛ لأن اليوم كله صار ظلامًا. سوف يحتاج إذن إلى شراء سلاح ناري، وليس هذا فقط، بل التدرب على استخدامه أيضًا، وربما يحتاج كذلك إلى وضع نوافذ حديدية وتكسية الشرفة بقضبان؛ لأنه يسكن في الطابق الثاني، ولكن على ارتفاع قريب من الأرض؛ مما قد يجعل مِن السهل على مَن يرغب في التسلق والصعود إلى المنزل ليسرقه استغلالًا لغياب أصحاب المنزل في أعمالهم خلال ما يُفترض أنها ساعات النهار.
عند ذكر العمل، تنبه إلى أنه لم يعرف بعد رد فعل زملائه في العمل على ذلك الحدث الرهيب؛ إذ إن اليوم هو إجازته الأسبوعية، ولا ريب أن رفاقه يفكرون مثلما يفكر. إثر ذلك مد يده إلى جيبه ليخرج هاتفه المحمول، ويطالع ردود الأفعال عبر مواقع التواصل الاجتماعي، ولكنه قرر أن يتصل بأسرته أولًا ليطمئن على الأحوال. وبالفعل اتصل بزوجته التي ردت عليه بصوت يمتلئ خوفًا وترقبًا لتخبره أنها لا تزال في منزل والدتها لم تغادره منذ أن أوصلها إليه قبل أن يتجه إلى الجنازة، وسمع ابنه ذي السنوات الخمسة يطلب أن يحدثه، ولما كلمه قال له ابنه إن المذيع في التليفزيون يقول إن الأفيال سوف تأتي لتسكن معهم في المنزل وإن صديقته ابنة جارتهم تخبره بأن الأسود أيضًا سوف تأتي وتلتهمهم.
ارتجف عندما سمع تلك الكلمات؛ فلم يكن قد وصل بتفكيره إلى التغيرات البيئية المناخية التي ربما تنتج عن مثل هذا الحدث الرهيب. لكن تلك الرجفة لم تصل إلى صوته، وهو يطمئن ابنه، وفي نهاية المكالمة، طلب من زوجته ألا تجعل ابنه يشاهد التليفزيون. وبعد أن أنهى المكالمة، ترك مشاعر الذعر الحبيسة تجتاح جسده... ماذا عن القمر إذن؟! ألن يسطع؟! هل يتوقف المد والجزر؟! آلاف الأسئلة راحت تتابع في ذهنه حتى إنه شعر بها، وكأنها خيول تلتهم ثنايا مخه بسنابكها في سباقها المحموم نحو الاستحواذ على ذهنه.
لبرهة لم يستطع السيطرة على أفكاره قبل أن ينفض رأسه، وكأنه يلقي بكل تلك الأفكار خارجًا ليعيد التركيز على احتياجاته واحتياجات أسرته. وبالفعل استطاع إعداد قائمة بأهم الأشياء التي سوف يشتريها، ولكنه قرر إرجاء الشراء إلى حين استشارة زوجته فربما كانت لديها أولويات أخرى فيحدث شقاق لا تحتمله النفسية في مثل تلك الظروف المتوترة المجهولة.
عاد إلى منزله الذي كان غارقًا في الظلام؛ فقال في نفسه قبل أن يضيء الأنوار إن العالم سوف يكون هكذا في ظل غياب النهار. وبعد أن أخذ حمامًا دافئًا يزيل به غبار الجنازة والأفكار، عرج على تلك الحجرة القصية في المنزل، والتي يسميها "الحجرة القديمة"، والتي يضع فيها كل الذكريات المتبقية من طفولته وصباه وشبابه. هناك صورة لوالديه، أضاء مصباح الحجرة الأبيض الهادئ؛ فطالعته صورة والديه التي كانت معلقة في صدر تلك الحجرة كانت وقد ظهرا فيها، وهما يبتسمان في وداعة في زمن كان الابتسام فيه حقًّا مشروعًا للجميع يمارسونه عن طيب خاطر.
شعر بقدر هائل وغريب من الاطمئنان يسري في نفسه، لكنه لم يترك الدهشة تسرق منه لحظة الاطمئنان تلك، ونظر إلى صورة والديه، دون أن يقول شيئًا، ثم أطفأ المصباح، وأعاد غلق باب الحجرة. فكر بعد ذلك في أن يتناول طعامًا، لكنه لم يجد في نفسه أية شهية لا إلى تناول الطعام ولا إلى مشاهدة التليفزيون؛ فأطفأ أنوار المنزل، وأوى إلى فراشه، وهو يشعر بثقل في صدره، قبل أن يغمغم كأنه يخاطب والديه: "مات النهار" ليغمض عينيه... ويذهب إلى حيث ذهب النهار.



#حسين_محمود_التلاوي (هاشتاغ)       Hussein_Mahmoud_Talawy#          



اشترك في قناة ‫«الحوار المتمدن» على اليوتيوب
حوار مع الكاتب التونسي د. هشام القروي حول تعدد الاحزاب والديمقراطية في تونس والعالم العربي بشكل عام
حوار مع الباحثة اللبنانية د. ريتا فرج حول الاسلام والجندر واتجاهاته الفكرية في التاريخ المعاصر


كيف تدعم-ين الحوار المتمدن واليسار والعلمانية على الانترنت؟

تابعونا على: الفيسبوك التويتر اليوتيوب RSS الانستغرام لينكدإن تيلكرام بنترست تمبلر بلوكر فليبورد الموبايل



رأيكم مهم للجميع - شارك في الحوار والتعليق على الموضوع
للاطلاع وإضافة التعليقات من خلال الموقع نرجو النقر على - تعليقات الحوار المتمدن -
تعليقات الفيسبوك () تعليقات الحوار المتمدن (0)


| نسخة  قابلة  للطباعة | ارسل هذا الموضوع الى صديق | حفظ - ورد
| حفظ | بحث | إضافة إلى المفضلة | للاتصال بالكاتب-ة
    عدد الموضوعات  المقروءة في الموقع  الى الان : 4,294,967,295
- وضربوهم وهم يصلون... في بئر العبد
- طبق من ورق العنب
- أمطار...
- جمهورية العبيد
- عبد الحليم... صوت مصر إذ يخفت وسط صخب الانفتاح...
- مصر... هل تسير على الخطى الروسية؟!
- الكاتب الذي طار في الهواء...
- حنان الصناديدي في -آنست نورًا-... في فن البوح
- دولة الأقوياء... هل أصاب لينين؟!
- الدرب المضيء... هل لا يزال مضيئَا؟!
- تجليات خماسية
- الانسحاق... بين توصيف لينين... ومسكنات الرأسمالية... وبراد م ...
- طليعة لينين... لماذا لم تأت إلى ميدان التحرير؟!
- خماسية
- ما انتبه إليه ماو... واستغله الفلول... ولم يفهمه -الثائرون-. ...
- حلب، السويس، ستالينجراد... كفاح المدن... وصمود الإنسان
- في التناقض... والحالة المصرية...
- ما انتبه إليه لينين... ولم يره المصريون...
- سُباعيَّة شديدة القِصَر (2)
- حرب الأمير (قصة كاملة)


المزيد.....




- دبي: انطلاق معرض سوذبيز لفنون القرن العشرين
- ذكرى رحيل الروائي السويدي هينغ مانكل
- 11 مطربا في مهرجان -الغناء بالفصحى- بالرياض.. ماجدة الرومي ت ...
- بحلته الجديدة المبتكرة.. متحف الفن الإسلامي بقطر يبرز روائع ...
- وزير الطاقة السعودي يستشهد بمسرحية في تعليقه على قرار أوبك+ ...
- -من هي المرأة؟-.. خلافات الأجوبة النسوية عن أسئلة الاستقلالي ...
- فنان بريطاني يغطي كل منزله برسومات شخبطة
- اليوم افتتاح الدورة 38 من مهرجان الإسكندرية السينمائي
- فنانات وبرلمانيات أوروبيات يقصصن خصلاً من شعرهن تضامناً مع ا ...
- حالة الكتاب السينمائي العربي وتعزيز ثقافة الصورة


المزيد.....

- مسرحية -الجحيم- -تعليقات وحواشي / نايف سلوم
- مسرحية العالية والأمير العاشق / السيد حافظ
- " مسرحية: " يا لـه مـن عـالم مظلم متخبـط بــارد / السيد حافظ
- مسرحية كبرياء التفاهة في بلاد اللامعنى / السيد حافظ
- مسرحيــة ليـلة ليــــــلاء / السيد حافظ
- الفؤاد يكتب / فؤاد عايش
- رواية للفتيان البحث عن تيكي تيكيس الناس الصغار / طلال حسن عبد الرحمن
- هاجس الغربة والحنين للوطن في نصوص الشاعرة عبير خالد يحيى درا ... / عبير خالد يحيي
- ثلاث مسرحيات "حبيبتي أميرة السينما" / السيد حافظ
- مسرحية امرأتان / السيد حافظ


المزيد.....
الصفحة الرئيسية - الادب والفن - حسين محمود التلاوي - عندما مات النهار...