أخبار عامة - وكالة أنباء المرأة - اخبار الأدب والفن - وكالة أنباء اليسار - وكالة أنباء العلمانية - وكالة أنباء العمال - وكالة أنباء حقوق الإنسان - اخبار الرياضة - اخبار الاقتصاد - اخبار الطب والعلوم

الصفحة الرئيسية - الثورات والانتفاضات الجماهيرية - حسين محمود التلاوي - الانسحاق... بين توصيف لينين... ومسكنات الرأسمالية... وبراد مبارك















المزيد.....

الانسحاق... بين توصيف لينين... ومسكنات الرأسمالية... وبراد مبارك


حسين محمود التلاوي
(Hussein Mahmoud Talawy)


الحوار المتمدن-العدد: 5455 - 2017 / 3 / 9 - 23:56
المحور: الثورات والانتفاضات الجماهيرية
    


إن الشعوب مسحوقة. هذه العبارة مؤكدة بكل أنواع التأكيدات اللغوية؛ فهي مؤكدة بـ"إن" كما أنها مؤكدة بصيغة الجملة الاسمية. كذلك فإنها مؤكدة على مستوى المعنى؛ فلا يمكن لأحد أن يقول إن الشعوب في مختلف أنحاء العالم ترفل في سماء الحرية، بل يمكن بكل ضمير مرتاح القول إن... إن الشعوب مسحوقة.
ربما يعترض البعض على تكرار العبارة ونفي صفة الحرية عن كل شعوب العالم، لكن الحرية المقصودة هنا ليست هي الحرية الفردية، ولا تقتصر فقط على مجال واحد من الحريات كالحرية السياسية أو الحرية الفكرية، ولكن الحرية التي أنفيها عن شعوب العالم هنا هي الحرية بمعناها العام؛ معناها العام الذي من أهم مفرداته الحرية الاقتصادية... هل يمكن القول إن الفرد في أية دولة من دول العالم يتمتع بالحرية الاقتصادية؟
الكلام في هذا المقام يطول ويتسع ليصل بنا إلى أعماق النظريات الفلسفية والاقتصادية. لذلك، سوف نحاول أن نلقي الضوء في عجالة على محورين فقط، وأولهما ما قاله "فلاديمير لينين" في هذا السياق، وثانيهما الكيفية التي تعامل بها الرئيس المصري المخلوع "محمد حسني مبارك" مع انسحاق المواطنين!!

لينين... كيف وصف الانسحاق؟!
قدم "فلاديمير لينين" توصيفًا شاملًا لفكرة الانسحاق في ظل المجتمع الرأسمالي، وذلك في "حول الإضرابات"؛ فقال:

"من شأن حشود الجائعين طالبي العمل، أن تعمل على تخفيض الأجور أكثر فأكثر ويصبح من المستحيل على العامل أن يناضل ضد صاحب العمل وهو منفرد. فهو إذا طالب بأجر حسن وحاول أن يعترض على الاقتطاعات من أجره، أنذره صاحب العمل بالطرد، وبأن هناك كثيرا من الجائعين يقفون على أبواب المصانع يسعدهم أن يعملوا بأجور منخفضة.
وعندما تتدهور أحوال الناس إلى حد تتواجد بصفة مستمرة أعداد كبيرة من العاطلين في المدن والقرى، بينما يكدس أصحاب المصانع ثروات طائلة ويُعتصر صغار الملاك بواسطة كبار الملاك من أصحاب الملايين يصبح العامل — بمفرده — عديم الحيلة تماما في مواجهة الرأسمالي، بل إن الرأسمالي يستطيع حينئذ أن يسحق العامل سحقًا، يدفعه إلى حتفه في أعمال السخرة. والواقع أن هذا لا يكون مصيره هو وحده بل تشاركه فيه زوجته وأطفاله".

إذن، ألمح "لينين" إلى الأساليب التي يستخدمها الرأسماليون في سحق العمال، ومن بينها التهديد بالطرد من العمل في حالة مطالبة العامل بتحسين أحواله المعيشية، وذلك لوجود البديل الجاهز الذي يستعد للعمل بأجر منخفض دون المطالبة بأية تحسينات في ظروف العمل مما يعني خفض التكلفة على صاحب العمل بسبب دفعه أجورًا منخفضة، وهو ما يعني زيادة في الأرباح، وبالتالي تحسن في مستوى المعيشة وإقبال منه على الشراء الأمر الذي يعني رواجًا اقتصاديًّا وارتفاعًا لتكلفة المعيشة في الإجمال، وهو الأمر الذي يستطيع الرأسمالي تحمل تكاليفه، بل كذلك يستطيع تعويضه من خلال إدخال المزيد من الاستقطاعات في أجور العمال فتنخفض التكلفة، و... تعود الدورة من جديد
ماذا إذن عن العامل؟!
يرسم "لينين" صورة لما يكون عليه وضع العامل في مثل هذه الظروف؛ حيث لا يستطيع الفكاك ولا الخلاص؛ فلا هو يستطيع المطالبة بحقوق له، ولا يستطيع أن يتحمل الارتفاع المتوالي في تكلفة المعيشة فينسحق بما يؤدي إلى وفاته، وهو الأمر الذي حدث كثيرًا لغياب الظروف الإنسانية.
هذه هي الصورة التي يرسمها "لينين" لطغيان الرأسمالية وانسحاق العمال. قد يقول قائل إن هذه الأوضاع لم تعد متوافرة في العالم "الرأسمالي الحر"، وهنا أحيل من يقول هذا إلى نسب التسريح من العمل، ونسب الحجوزات على المنازل بسبب عدم قدرة أصحابها على سداد أقساط قروض الرهن العقاري، وهي نسب من السهل الرجوع إليها.

مبارك... الرأسمالية... البراد...
عندما يزداد الانسحاق، يحدث الضغط الذي يؤدي إلى الانفجار. فكيف لم ينفجر العالم إلى الآن؟! الإجابة سهلة للغاية، وهي أن هناك العديد من الاستراتيجيات التي تتبعها الرأسمالية العالمية لمنع الانفجار، ومن بينها الاستراتيجية التي يمكن أن نطلق عليها "استراتيجية مسكنات الألم" مثل تقديم معاش البطالة إلى المواطن؛ بحيث يستطيع أن يحصل على "تكلفة احتياجاته الأساسية"، وهو الأمر الذي يفيد الرأسمالية في شقين. فما هما؟!
الشق الأول هو ضمان عدم حدوث ركود؛ فما دامت هناك أموال في يد المواطن، فهو يستطيع أن ينفقها. وإذا أنفقها، فهذا يعني أنها تدور في السوق لتعود مرة أخرى إلى جيوب أصحاب الأعمال؛ فتنتعش التجارة والصناعة، وتدور عجلة الإنتاج فتعود عليهم بالربح!!
الشق الثاني هو أن رأس المال جبان؛ فإذا ما حدثت اضطرابات اجتماعية، يمكن أن تؤدي إلى هروب رؤوس الأموال بسبب التوقف المتوقع لعجلة الإنتاج والركود الاقتصادي، وغير ذلك من التداعيات "المؤلمة" لأية اضطرابات أو احتجاجات.
إذن، مسألة معاشات البطالة ما هي في ظاهرها إلا مسكنات للألم دون علاج للمرض الأساسي وهو تسريح الموظفين رغبة في ضغط النفقات بهدف زيادة العوائد، وهو التسريح الذي يحدث بسبب دورات اعتيادية في الرأسمالية لا دخل لأداء الموظف مهما كان جيدًا بها، وهو ما يعني أن الموظف يدفع ثمن دورة الرأسمالية من أمانه الوظيفي؛ فتعطيه الرأسمالية معاش البطالة لينفقه في دورتها الجديدة، وكذلك لتمنع غضبه الذي قد يؤدي إلى قطع انسيابية الدورة!!
لكن هناك استراتيجية أخرى اتبعها نظام الرئيس المصري المخلوع "محمد حسني مبارك" وهي ما يمكن أن يُطلق عليه مسمى "استراتيجية البراد". فما هذه الاستراتيجية؟!
إذا حدث الانسحاق، يحدث الغليان، وهو ما يؤدي إلى الانفجار؛ فكان من تفكير نظام "مبارك" أن قرر وضع فتحات لتسريب دخان الغليان الشعبي بحيث لا ينفجر الوطن، تمامًا مثلما يوجد في غلاية المياه — المسماة في التعبير المصري الدراج بـ"البراد" — فتحة لتسريب الدخان حتى لا تنفجر الغلاية جراء الغليان. وفي الغلايات الحديثة، هناك تقنية تجعل الدخان الخارج من الغلاية يحدث صفيرًا ينبه القائم على الغلاية بأن الدخان بدأ يخرج...!!
جعل "مبارك" من الوطن غلايةً كبيرة، وصنع فيها فتحات عدة ليتسرب منها دخان الغليان بما يمنع الانفجار. وكان رغيف الخبز ذي القروش الخمسة هو أحد فتحات الغلاية، وكذلك بعض الصحف "المعارضة" التي كانت تنشر الأخبار الساخنة و"تفضح" مخازي الأداء الحكومي؛ فترد الحكومة بتعديل وزاري "استجابةً للضغط الشعبي والصحافة الحرة الشريفة"!! كانت كرة القدم كذلك من بين الفتحات التي صنعها نظام "مبارك" في غلاية الوطن لكي يتسرب منها دخان الغليان الشعبي.
أما ما جرى في يناير 2011 فقد حدث؛ لأن فتحات الغلاية انسدت... بعضها انسد بسبب انتهاء عمره الافتراضي، والبعض الآخر انسد بفعل فاعل!! فانفجرت الأوضاع، ولكن الوطن لم ينفجر؛ لأن "الفاعل" الذي سد الفتحات كان يهدف إلى الإطاحة بنظام "مبارك" دون الإطاحة بالوطن نفسه.

كان هذا توصيف "لينين" للانسحاق، وكانت هذه الآليات الرأسمالية و"المباركية" في التعامل معه ومع دخان السخط المتصاعد. ولا تزال المسكنات تنهال على الشعوب الغربية "الحرة". ولا تزال الغلاية هنا في مصر مستمرة في أداء عملها بكل كفاءة بعد تنظيف الفتحات المسدودة...!!






اشترك في قناة ‫«الحوار المتمدن» على اليوتيوب
نادية خلوف كاتبة واديبة وناشطة نسوية من سوريا في حوار حول تجربتها الحياتية ونضالها اليساري والنسوي
أحمد عصيد كاتب وباحث في حوار حول الدين و الاسلام السياسي والانتقال الديمقراطي والقضية الأمازيغية


كيف تدعم-ين الحوار المتمدن واليسار والعلمانية على الانترنت؟

تابعونا على: الفيسبوك التويتر اليوتيوب RSS الانستغرام لينكدإن تيلكرام بنترست تمبلر بلوكر فليبورد الموبايل



رأيكم مهم للجميع - شارك في الحوار والتعليق على الموضوع
للاطلاع وإضافة التعليقات من خلال الموقع نرجو النقر على - تعليقات الحوار المتمدن -
تعليقات الفيسبوك () تعليقات الحوار المتمدن (0)


| نسخة  قابلة  للطباعة | ارسل هذا الموضوع الى صديق | حفظ - ورد
| حفظ | بحث | إضافة إلى المفضلة | للاتصال بالكاتب-ة
    عدد الموضوعات  المقروءة في الموقع  الى الان : 4,294,967,295
- طليعة لينين... لماذا لم تأت إلى ميدان التحرير؟!
- خماسية
- ما انتبه إليه ماو... واستغله الفلول... ولم يفهمه -الثائرون-. ...
- حلب، السويس، ستالينجراد... كفاح المدن... وصمود الإنسان
- في التناقض... والحالة المصرية...
- ما انتبه إليه لينين... ولم يره المصريون...
- سُباعيَّة شديدة القِصَر (2)
- حرب الأمير (قصة كاملة)
- المصري في عيد العمال... أرقام، وذكريات من الأدغال!!
- روسيا والثورة الشيوعية... سرد تأملي مختصر... الماكينات النسا ...
- عن رأسمالية الدولة... وعبد الناصر... و-تعاون- الطبقات...
- سباعيَّة شديدة القِصَر
- زكريا القاضي في -وا أقصاه-... أنشودة للبساطة...
- ثورة يوليو... افتراءات وما يشبه الردود...
- يا بلادنا لا تنامي... ولكن من سيتبرع للوقوف بالصف الأمامي؟!
- روسيا والثورة الشيوعية... سرد تأملي مختصر... ستخانوف هرقل ال ...
- أوسيتيا... أوكرانيا... سوريا... الروس يعودون، والسيسي يربح.. ...
- مواقف من الحياة بألوان الكلمات...
- عن الإسكندرية... هل لا يزال ترابها زعفرانًا؟!
- لحظات قصصية أو قصص لحظية...


المزيد.....




- توترات بين المتظاهرين وواشنطن تشدد على أهمية الانتقال المدني ...
- لا لفرض “جواز التلقيح” وضد استعماله لقمع الحريات الديمقراطية ...
- توترات بين المتظاهرين وواشنطن تشدد على أهمية الانتقال المدني ...
- بيان صادر عن اتحاد الشباب الديمقراطي العالمي- منطقة الشرق ال ...
- رأس المال: IV: شذرات متفرقة (111)
- الفتح يحذر من الاستمرار بتجاهل مطالب المتظاهرين الرافضين لنت ...
- لقاء بين “فتح” والجبهة الديمقراطية في إطار تعزيز وحدة منظمة ...
- حتى الفلافل لم تعد -أكلة الفقراء- في لبنان
- الفتح يحذر من الاستمرار بتجاهل مطالب المتظاهرين الرافضين لنت ...
- حسن أحراث // النقابات التعليمية تعانق الوهم..


المزيد.....

- فلسفة الثورة بين سؤال الجدة وضرورة الاستكمال / زهير الخويلدي
- ما الذي يجعل من مشكلة الاغتراب غير قابلة للحل فلسفيا؟ / زهير الخويلدي
- -عبث- البير كامو و-الثورة المھانة- في محركات الربيع العربي ! / علي ماجد شبو
- دراسة ظاهرة الحراك الشعبي في مرحلة ما قبل (ربيع الشباب العرب ... / حسن خليل غريب
- كرّاس نصف السّماء : نصوص حول المرأة الكادحة / حزب الكادحين
- الحركة الاجتماعية بين التغيير السلمي وراديكالية الثورة / زهير الخويلدي
- النظرية والتطبيق عند عمونيال كانط / زهير الخويلدي
- فتيات عدن في مواجهة الاستعمار البريطاني / عيبان محمد السامعي
- أسباب ثورة 14 تموز 1958، (الوضع قبل الثورة)* / عبدالخالق حسين
- دفاعا عن الماركسية - ليون تروتسكي - الجزء الثاني / احمد حسن


المزيد.....
الصفحة الرئيسية - الثورات والانتفاضات الجماهيرية - حسين محمود التلاوي - الانسحاق... بين توصيف لينين... ومسكنات الرأسمالية... وبراد مبارك