أخبار عامة - وكالة أنباء المرأة - اخبار الأدب والفن - وكالة أنباء اليسار - وكالة أنباء العلمانية - وكالة أنباء العمال - وكالة أنباء حقوق الإنسان - اخبار الرياضة - اخبار الاقتصاد - اخبار الطب والعلوم
إذا لديكم مشاكل تقنية في تصفح الحوار المتمدن نرجو النقر هنا لاستخدام الموقع البديل

الصفحة الرئيسية - الادب والفن - ميساء البشيتي - سيد الصمت














المزيد.....

سيد الصمت


ميساء البشيتي

الحوار المتمدن-العدد: 5661 - 2017 / 10 / 6 - 21:58
المحور: الادب والفن
    


سيد الصمت
إلى أبي في ذكرى رحيله
يا سيد الصمت، وأنا التي كنت دائمة الدهشة والاستغراب من هذا الصمت الذي كُنتَ تَغرق فيه وتُغرقنا معك، كنتُ دائمًا أتساءل في قرارة نفسي: كيف يستطيع من وُهب القدرة على ملء هذا الكون ضجيجًا وحديثًا وأصواتًا مسموعة وغير مسموعة أن يلتزم كل هذا الصمت؟
ولكنِّي سرعان ما كنتُ أجد الإجابة على شفة السؤال: هذا الصمت جينيٌّ، خُلق معه وبه! كما خُلِقتُ أنا من براكين الثرثرة، ولم أرث عنه هذا الصمت الجليل.
بعد أن رحلت يا أبي كبرتُ أنا فجأة، بدأت أفهم كل ما كان يستعصي عليَّ فهمه مما كنتَ تحاول أن تشرحه لي؛ فالحياة أكبر معلم، تلقنك من الدروس والعبر ما يفوق طاقة الفهم ويفيض.
اليوم أدركتُ أن صمتك لم يكن جينيًا كما كنتُ أظن! وأنك ربما كنت تهوى الكلام مثلي، ربما كنتَ تريد أن تصرخ في وجوههم: هذا الطريق خاطئ لا تسلكوه، لا تضعوا أياديكم في يد الشيطان، لا تلقوا بأنفسكم إلى التهلكة، لا تنحنوا عند أول هبَّة ريح، لا تثقوا بكل أنواع المطر، لا تقبِّلوا الأرض التي لا تعرفون ترابها، لا تزرعوا الزيتون إلا في أرضه، لا تغرِّبوا الياسمين عن أمه.
كنتَ تريد قول الكثير ولكنك آثرت الصمت؛ لأنك أدركتَ باكرًا أن الغربة: ليست أن تحمل حقائبك وتترك الوطن! بل أن تبقى أنتَ ويتركك الوطن، أن يذوب من بين يديك كفقاعات الصابون، يهاجر كأسراب الحمام، يختفي كسحابة صيف.
الوطن لم يعد يسمع صراخنا يا أبي ونحن نهتف باسمه وندعو له عند كل صلاة، وعندما ينهمر المطر، وينقشع الضباب. الوطن غادرنا عند أول خيانة، وارتقى إلى السماء! وما بقيَّ على هذه الأرض هو صورة باهتة للوطن، يتنافس عليها المتنافسون، يتراكض عليها الجميع، كلٌّ يحمل سكينًا تحت إبطه؛ يريد أن يقتطع منها قطعة يخبؤها في جوفه قبل أن يلمحه أخوه فيرفع سكينه في وجه ويفقأ عينه ليكون الأسبق!
الوطن ارتفع إلى السماء، وأنت يا أبي أعلنت غربتك منذ زمن طويل حين كنا صغارًا لا نفقه أن هذه الحياة أصغر من كل الصراعات، وأنها تنتهي سريعًا، وتذوب كما يذوب الوطن، وترتفع إلى السماء، وما يتبقى منها على هذه الأرض هو صور الشياطين: توسوس في صدورنا فتنفجر، تذبح دمنا وتعلقه على أعواد المشانق، تنفي مآقينا وتتاجر بما تبقى من الدمع، تمزق الكتب القديمة وتُخرجُ من أرضنًا هياكل لا نعرفها ترسم إلينا هجرة جديدة نحوالمجهول.
أثقلت عليك يا أبي بثرثرتي، دع عنك كل هذا الحديث وأَرْقِدْ بسلام، ولا تأتِ إليهم في المنام،
"دَعْ كُل ما ينهارُ منهارًا، ولا تقرأ عليهم أيَّ شيءٍ من كتابكْ!"*
على روحك الطاهرة، وعلى روح هذا الوطن المغدور ألف سلام.

*مديح الظل العالي محمود درويش



#ميساء_البشيتي (هاشتاغ)      


ترجم الموضوع إلى لغات أخرى - Translate the topic into other languages



الحوار المتمدن مشروع تطوعي مستقل يسعى لنشر قيم الحرية، العدالة الاجتماعية، والمساواة في العالم العربي. ولضمان استمراره واستقلاليته، يعتمد بشكل كامل على دعمكم. ساهم/ي معنا! بدعمكم بمبلغ 10 دولارات سنويًا أو أكثر حسب إمكانياتكم، تساهمون في استمرار هذا المنبر الحر والمستقل، ليبقى صوتًا قويًا للفكر اليساري والتقدمي، انقر هنا للاطلاع على معلومات التحويل والمشاركة في دعم هذا المشروع.
 



اشترك في قناة ‫«الحوار المتمدن» على اليوتيوب
في رحيل جليل شهباز، عضو هيئة إدارة الحوار المتمدن
في رحيل شاكر الناصري، أحد مؤسسي الحوار المتمدن


كيف تدعم-ين الحوار المتمدن واليسار والعلمانية على الانترنت؟

تابعونا على: الفيسبوك التويتر اليوتيوب RSS الانستغرام لينكدإن تيلكرام بنترست تمبلر بلوكر فليبورد الموبايل



رأيكم مهم للجميع - شارك في الحوار والتعليق على الموضوع
للاطلاع وإضافة التعليقات من خلال الموقع نرجو النقر على - تعليقات الحوار المتمدن -
تعليقات الفيسبوك () تعليقات الحوار المتمدن (0)


| نسخة  قابلة  للطباعة | ارسل هذا الموضوع الى صديق | حفظ - ورد
| حفظ | بحث | إضافة إلى المفضلة | للاتصال بالكاتب-ة
    عدد الموضوعات  المقروءة في الموقع  الى الان : 4,294,967,295
- طائر الخريف
- .... إلى حين!
- كلمات صيفية
- عَبس الوطن
- لم يعد ظلًا
- إعلان انتحار
- رسائل لم يزرها مطر خاطرة بقلم ميساء البشيتي
- طاب مساؤك خاطرة بقلم ميساء البشيتي
- سأصنع ثورة بقلم ميساء البشيتي
- وردة لأمي بقلم ميساء البشيتي (خاطرة)
- ملامح مستترة
- املأني حبًا
- حروفي اللاجئة
- الوجه الآخر لي
- القصيدة التي تنتظر
- أقدام عارية بقلم ميساء البشيتي
- لتشرق شمس الأحرار
- بقية حديث
- حديث الخريف
- في الذكرى الخامسة لرحيل أبي


المزيد.....




- رئيس لجنة الفنون الجميلة الأمريكية يصف زيارته لروسيا بـ-النا ...
- صدور رواية طوالع يومية في العراق
- حفيد ديغول: الفرنسيون يعشقون الثقافة الروسية رغم محاولات تشو ...
- -يُخشى عليها من الاندثار-.. حِرفي عراقي يوثق معالم كركوك الق ...
- مثل العلامة المائية.. سونو تضع بصمتها على موسيقى الذكاء الاص ...
- الفنان المصري طارق الشيخ يعلن انفصاله رسميا عن زوجته بكلمات ...
- بوتين يبعث تحياته إلى الرئيس الكوبي.. وروسيا ضيف شرف معرض ها ...
- بوتين: المجمع الثقافي في فلاديفوستوك سيصبح مركز جذب
- خلال لقائه بوتين.. نحات من بورياتيا يطرح مبادرة لدعم الفناني ...
- عشر حقائق عن الساماور الروسي… من أداة منزلية إلى رمز للتراث ...


المزيد.....

- ديوان 24 شعر / منصور الريكان
- القصة الشاعرة والوعي الجمعي الحداثي/ مقاربة في دور القصة الش ... / ربيحة الرفاعي
- تصاوير لية الظمأ / السمّاح عبد الله
- ثلاثاءات عابر سبيل / السمّاح عبد الله
- ملامــح التجريــب في كتابـات السيـد حـافظ من خلال روايته يو ... / سلسبيل كريبع
- قناديل الحكمة / د. خالد زغريت
- حكاياتْ تَكاد تُنسى / فلاح العيفاري
- وعي ـ قصص قصيرة جدا / حسين جداونه
- ديوان 23 الحاوي والعصفور / منصور الريكان
- كتاب «عين على القصة القصيرة: تأملات نقدية في تسع رؤى قصصية م ... / حميد عقبي


المزيد.....
الصفحة الرئيسية - الادب والفن - ميساء البشيتي - سيد الصمت