|
|
الفردوسُ الخلفيّ: اللام
دلور ميقري
الحوار المتمدن-العدد: 5347 - 2016 / 11 / 19 - 10:05
المحور:
الادب والفن
عليّ كان أن أنتقل من مناسبة إلى أخرى، ودائماً برفقة مخدومتي ذات الهيئة المُبهرة والنفس المغلقة، الشبيهة بحديقة " الآغا " المنزلية. ديسمبر؛ هوَ شهرُ المناسبات عند أهل الغرب، وعلى الأغلب لأن لياليه طويلة تحتاج لأجواء الأنس والبهجة. هنحنذا في " مدينة البهجة "؛ فمن الطبيعي أن يكون ديسمبر أكثر أنساً، وخصوصاً للمقيمين الأجانب ممن صاروا جزءاً من حياتنا وكينونتنا. فلنسلُ معهم إذاً الأحداثَ الدموية ( يوم 14 ديسمبر )، التي صاقبت إتفاقاً عيدَ ميلاد " سوسن خانم ".. فلنسلُ، ونستأنس، ونبتهج! هذا ما شئتُ أن أفعله، حال مغادرة الخانم إلى عرينها، مستقلّةً سيارة أجرة من عند ساحة الكتبية. كنتُ إذاك سكراناً بنشوة ملامسات بدنها، المُتفقة مع سيري برفقتها مطوّلاً.. كتفاً بكتف، من جهة الساحة المرابطية نحوَ الساحة الأخرى، المنافسة واللدودة؛ الموحّدية. لكأننا كنا نجتاز تاريخاً من الدسائس والدم، وصولاً إلى حاضرنا الشاهد على أحداثٍ هزّت هذه المرة عرشَ الأخلاف. ولهؤلاء الأخيرين أثرهم التاريخيّ ( ساحة جامع الفنا )، المبذولة للموسيقيين والمغنين وقارئي الكف ونقّاشي الحنّاء والحواة والقرداتية والحكواتية، وأيضاً، للمتسكعين والمتشردين والمكبوتين واللواطيين.. الخانم، كانت تتكلّم عن مُحْتَرفي لز مؤخرات الفتيات، ثمة في ساحة الأعاجيب، متجاهلةً كون بدنها بنفسه نهبةً لملامساتي طوال طريقنا عبْرَ التواريخ.. كانت تودّ أن أنافحَ عنها، بفروسية رومانسية، أولئك المتحرشين المفترضين؛ تماماً مثلما كان أمري مع " خدوج ". ولكنها مخدومتي بنفسها، من قهقهت ذات مرة ساخرةً حينَ ذكرتُ لها بأنها تغار عليّ: " قد أكون معجبة بك، إلا أنّ الحبّ هوَ في مكان آخر، قصيّ! "، هكذا قالت لي حرفياً. فليكن أنّ هذا هوىً، لا حبّاً؛ فلِمَ تتمنعين عني، فتهبين بدنك اللدن ليديّ مرافقتك، الريفيتين الخشنتين؟ ولكنني مدينٌ لهذه المرأة، ولا شك، بكل شيءٍ حَسَن فعلته من أجلي خلال عامين تقريباً من إقامتي المراكشية. يكفي أنّ سترتي القاتمة، المضفية عليّ مظهراً رصيناً وأنيقاً، يمكن أن تشهدَ بمكارم " سوسن خانم ". إلا أنها بقيت على صفتها، كمخدومة، فلم أكن لديها أكثر من موظف ذي حظوة بدالّة مُلغزة؛ صورة جميلة، أوموهبة أدبية، أو خلفية مشتركة، أو مجرّد إحسان لمواطنها..؟ من ناحية ثانية، لعلّني كنت آنذاك قد قدّرتُ حرصَ الخانم على حضور حفل تكريم " فريدريك بوول "، من منطلق تشجيعي وبث الأمل في نفسي ككاتب مبتدئ وَجَدَ نفسه في بلد غريب. إنها عبّرت صراحةً، في مقابل ذلك، عن عدم إعجابها بكتابات الأديب الضيف. ولكنها مواضيع قصصه، العنيفة والجافة، من لم تستسغها بحَسَب ما أستدركت هيَ وأوضحته. فأقول مجدداً، أنني أتفهّم وجهة نظرها بعدما سنحت لي الفرصة لقراءة بعض أعمال " بوول ": إنه من الصعب، على سبيل المثال، أن تُقنع إمرأةً بأنّ أفلام المافيا ( كالعرّاب مثلاً ) هيَ على درجة كبيرة من المتعة والروعة. هذا بسبب بسيط، وجوهريّ في آن، متحدد بكون النساء لا يحببن مواضيع العنف والقسوة سواء أكانت مجانيّة أو مبررة. ما لم أكن لأتوقعه، وأنا أسير منتشٍ عندئذٍ بالذكرى الآفلة تواً، أنّ صاحبنا العراقيّ سيظهر في طريقي على غرّة. كان متأنقاً بمعطفٍ من الجلد الطبيعيّ، المبطّن بالفراء. اللون البنيّ للجلد والفراء، كان متّسقاً مع لون شعر الرجل، المَصبوغ؛ فكأنه الحيوانُ المسلوخ، بُعِثَ حياً! يبدو أنّ " رفيق " كان بحاجة لصُحبتي، كما هيَ الحاجة للنوم مَن تدفع أشجار الليمون المزهرة، الحارسة جانبيّ شارع محمد الخامس، إلى النظر ملياً في سحنة السماء مؤملةً بظهور ملائكة النعاس. إلتقينا تحت ظلال شجرة تين كئيبة، متطامنة برأسها من وراء أسوار مقبرة المدينة القديمة، المشرفة على الشارع الملكيّ. خاطبني مبتهجاً، آنَ تمييزه شخصي: " لم أرَكَ منذ حفل ميلاد سوسن خانم، فهل كنتَ مسافراً؟ ". وعلى مألوف العادة، رحتُ أقرأ ما بين سطور العبارة وبصرف النظر عن ملامح صاحبها، المفصحة عن سروره بمصادفتي: " إنكَ في الحقيقة على فضولٍ لمعرفة، ما إذا كانت شيرين مسافرة مع خطيبها! "، أجبته في سرّي. وكان في الأثناء يهمّ بالإستطراد، كما لو أنه يودّ تأكيد سوء ظنّي: " ما جعلني أقلق عليكم، كون أنوار شقتكم مطفأة طوال الأسبوع المنصرم.. " " كنتُ أقضي جلّ وقتي مساءً بالرسم، هناك في أتيليه خاص ضمن جناح الخانم " " آه، حسناً! فأنت تقوم برسم سوسن خانم..؟ " " لا، الأمرُ ليسَ كذلك. بل إن الرسم يدخل ضمن خدمتي "، أجبته بشيءٍ من الضيق. ثمّ أردفتُ محوّلاً إتجاه الحديث: " وأنتَ أيضاً، أراكَ هذا المساء في مكانٍ لا تحبذه؟ ". حرّك رأسه، وقد لاحت إبتسامة مهزوزة على شفتيه الرقيقتين: " إننا أصدقاء، فلا أريدك أن تشيرَ ثانيةً إلى تلك الحادثة.. ". حدّقتُ بعينيه متفكّراً بقوله الغريب، قبل أن أفهم مراده: " لا، أنا لم أقصد ذلك بحال. كنتُ فقط أعني إيثارك البقاء في غيليز، ثمة أين الملاهي المفضلة لديك " " نعم، أنا آسف.. لننسَ هذا! "، قالها مُبتسماً بتعبيرٍ أكثر إلفة. ثم ما لبثَ أن تنكّب ساعدي، موجّهاً إيايَ إلى الخلف، مواصلاً القول: " فلنعُد إذاً إلى أمكنة اللهو، فإنها في إنتظارنا! ".
#دلور_ميقري (هاشتاغ)
ترجم الموضوع
إلى لغات أخرى - Translate the topic into other
languages
الحوار المتمدن مشروع
تطوعي مستقل يسعى لنشر قيم الحرية، العدالة الاجتماعية، والمساواة في العالم
العربي. ولضمان استمراره واستقلاليته، يعتمد بشكل كامل على دعمكم.
ساهم/ي معنا! بدعمكم بمبلغ 10 دولارات سنويًا أو أكثر حسب إمكانياتكم، تساهمون في
استمرار هذا المنبر الحر والمستقل، ليبقى صوتًا قويًا للفكر اليساري والتقدمي،
انقر هنا للاطلاع على معلومات التحويل والمشاركة
في دعم هذا المشروع.
كيف تدعم-ين الحوار المتمدن واليسار والعلمانية
على الانترنت؟
رأيكم مهم للجميع
- شارك في الحوار
والتعليق على الموضوع
للاطلاع وإضافة
التعليقات من خلال
الموقع نرجو النقر
على - تعليقات الحوار
المتمدن -
|
|
|
|
نسخة قابلة للطباعة
|
ارسل هذا الموضوع الى صديق
|
حفظ - ورد
|
حفظ
|
بحث
|
إضافة إلى المفضلة
|
للاتصال بالكاتب-ة
عدد الموضوعات المقروءة في الموقع الى الان : 4,294,967,295
|
-
الفردوسُ الخلفيّ: الكاف 3
-
الفردوسُ الخلفيّ: الكاف 2
-
الفردوسُ الخلفيّ: الكاف
-
الفردوسُ الخلفيّ: الياء 3
-
الفردوسُ الخلفيّ: الياء 2
-
الفردوسُ الخلفيّ: الياء
-
الجزء الأول من الرواية: الطاء 3
-
الجزء الأول من الرواية: الطاء 2
-
الجزء الأول من الرواية: الطاء
-
الجزء الأول من الرواية: الحاء 3
-
الجزء الأول من الرواية: الحاء 2
-
الجزء الأول من الرواية: الحاء
-
الجزء الأول من الرواية: زاء 3
-
الجزء الأول من الرواية: زاء 2
-
الجزء الأول من الرواية: زاء
-
الجزء الأول من الرواية: واو 3
-
الجزء الأول من الرواية: واو 2
-
الجزء الأول من الرواية: واو
-
الجزء الأول من الرواية: هاء 3
-
الجزء الأول من الرواية: هاء 2
المزيد.....
-
ما وراء شباك التذاكر.. كيف كسرت الصين هيمنة هوليود وأعادت تع
...
-
من بينهم درّة زروق وتامر عاشور.. فنانون يؤدون مناسك الحج هذا
...
-
فيلم -أسد- لمحمد رمضان يثير الجدل في مصر.. لماذا؟
-
الممثل البريطاني ريز أحمد: أجهزة الأمن حاولت تجنيدي 3 مرات
-
الأدب المقارن بين التأصيل النظري وتعدد القراءات الثقافية في
...
-
أكاديميون ينتقدون -إلسيفير-ستانفورد-.. مؤشرات علمية أم أدوات
...
-
المغنية والممثلة مايلي سايروس تحصل على نجمة المشاهير في ممشى
...
-
هل تخشى أن تصبح مثلهم؟.. 5 أفلام تكشف الوجه الآخر للأبوة في
...
-
مهرجان كان : السعفة الذهبية لفيلم -فيورد- للمخرج الروماني كر
...
-
الفنان المصري إدوارد يحتفل بزفاف نجله ماركو
المزيد.....
-
يونان أو قهر النبوّة
/ كمال التاغوتي
-
إلى أن يُزهر الصّبّار || دراسة للدكتور جبار البهادلي
/ ريتا عودة
-
طوفان النفط . . رواية سياسية ساخرة
/ احمد صالح سلوم
-
حارس الكنوز: الانسان والحيوان الالهي
/ نايف سلوم
-
احلام الفراشة مجموعة قصصية
/ أمين أحمد ثابت
-
رواية هروب بين المضيقين
/ أمين أحمد ثابت
-
احلام الفراشة مجموعة قصصية
/ أمين أحمد ثابت
-
اعترافات السيد حافظ والأصدقاء ما وراء الكواليس الجزء الثا
...
/ السيد حافظ
-
تمارين أرذل العمر
/ مروة مروان أبو سمعان
-
اترجمة السيرة الذاتية لاجاثا كريستي للعربية
/ أجاثا كريستي ترجمة محمود الفرعوني
المزيد.....
|