أخبار عامة - وكالة أنباء المرأة - اخبار الأدب والفن - وكالة أنباء اليسار - وكالة أنباء العلمانية - وكالة أنباء العمال - وكالة أنباء حقوق الإنسان - اخبار الرياضة - اخبار الاقتصاد - اخبار الطب والعلوم

الصفحة الرئيسية - الادب والفن - دلور ميقري - الجزء الأول من الرواية: الحاء















المزيد.....

الجزء الأول من الرواية: الحاء


دلور ميقري

الحوار المتمدن-العدد: 5336 - 2016 / 11 / 7 - 01:42
المحور: الادب والفن
    


" عني يتقوّل البعضُ، وما أكثر من يصدّقون ذلك، بأنني امرأة ذات نزوات "
قالت لي الأميرة، وهيَ تبعد خصلات شعرها الفاحمة عن عينين لا تقلان قتامة. كانت قد فاجأتني بعودتها وهيَ مرتدية ثوب نوم من حرير أسود، موشىً بعروق فضيّة، وقد أطلقت شعرها ليتهدل على البشرة السمراء لعنقها وكتفيها ومعصميها. فبدت عندئذٍ كتحفة برونزية غابرة، كطلل فينوس مراكشية. قبل قليل، كان أحد الخدم قد قادني من حجرة الطعام إلى هذه الصالة الباذخة، المفروشة بذوقٍ تقليديّ يتّسق مع عمارة البناء ككل. جلست " للّا عفيفة " بمقابلي، مسترخيةً بكامل جسدها على أريكة منجّدة بجلدٍ بنيّ فاخر ومشغولة الخشب بالمعدن والصدف. منضدة كبيرة واطئة، لُبّسَ خشبها بنفس صنعة الأريكة، كانت تفصل بين مجلسينا وقد رُصفَ سطحها بأوانٍ كريستالية متخمة بالفاكهة والحلوى والنقل. زجاجتا نبيذٍ أحمر، أنتصبتا ثمة وقد رقّش على كلّ منهما أحرفٌ عبرية دالّة على مصدرهما المحليّ. من ناحيتي، كنتُ مُكتسٍ بجلابة ذات لونٍ أشهب، زوّدني بها الخادم على أثر خروجي من الحمّام. على ذلك، لم يَفُت إرتباكي على الأميرة، حال دخولها إلى صالة الجناح. سببُ حَرَجي، كوني أعتقدتُ مذ بعض الوقت أنّ الخادم كان بسبيله ليرافقني إلى الحجرة المخصصة لنومي.
" باعثُ تلك الأقاويل، هوَ نمط حياتي المتّسم بالحرية والإنطلاق، المتناقض بطبيعة الحال مع حياة نساء القصور الأخرى "، استأنفت الأميرة كلامها فيما كانت تهمّ بصبّ كأسين لنا. فعلت ذلك ببساطة، مما يدلّ على أنها معتادة على هكذا تصرّف خلال جلساتها الخاصّة. قرعت كأسها بكأسي، محدّقة فيّ من خلال ظلال أهداب عينيها السوداوين، الطويلة والمكحولة. ثمّ عادت لتقول، بعدَ رشفها جرعة هيّنة من الشراب المزّ: " إنني أكره حياة القصور في العاصمة، ولذلك تركتُ زوجي يعيش هناك حيث مقرّ عمله في الديوان. نحن لا نلتقي غالباً إلا بالمناسبات الدينية والرسمية. ولشدّما أكره أيضاً هذه المناسبات، التي تجبرني على تغطية شَعري بالخمار وتمثيل دَور المرأة الصالحة، المخلصة! ". أنهت جملتها بضحكة عصبية، دون أن تكفّ عن التحديق في عينيّ. وددتُ لو أسألها عند ذلك: " هل تجشّمتِ عناء ضيافتي، كي تُسمعينني هذا الكلام؟ ". وكأنها قرأت الفكرة على صفحة سحنتي، فإنها ما عتمت أن سألتني هذه المرة: " أأنتَ على عجلة في موضوع إنجاز اللوحة؟ ألا يسرّك أن نتبادل الحديث؟ "
" بلى، إنني أستمع إليكِ بإنتباه! أساساً، فأنا لا أرسمُ إلا في وضح النهار "، أجبتها وقد تفاقمَ حرجي. هزّت رأسها علامة على الإستحسان، ثم عادت لتطرح سؤالاً آخر: " أنت تستخدم نموذجاً نسائياً في أعمالك الفنية، أليسَ كذلك؟ ". قالتها بلغة إغراء غير خافية، مُتبعة ذلك بالإنقلاب على بطنها بغية إشغال جهاز ستيريو بمتناول يدها. تصاعدت على الأثر موسيقى مغربية شعبية، من النوع المعروف بحظوته خلال مناسبات الفرح. لم تغيّر الأميرة من وضعية ضجعتها، المُبرزة مؤخرتها الرخيّة. بدت منتشية تحت تأثير الألحان المطربة والشراب اللاذع والدفء المتسلل من مكان ما. ولكنها ما أسرعَ أن نهضت، لتمسك يدي بشكل لم أتوقعه. هتفت تدعوني للرقص، مُطلقةً ضحكات ضاجّة بالمرح والعبث: " أنتَ خجول ومتحفّظ، هذا واضح هاهاها.. فسأرقص لوحدي إذاً.. "، كانت تردد مقهقهةً وقد أنقلبت إلى مخلوقة أخرى. وكنتُ قد أنتبهتُ إلى كونها لم تكمل قدحها الأول، علاوة على تصنّع حركاتها: " لعمري فهذه هيَ الحرية، التي تضحّين في سبيلها بسمعتك وزوجك وربما أمومتك! "، خاطبها داخلي ساخراً ومُروَّعاً في آن.
" أكره أن تفكّر بصوت غير مسموع، يا أميري! عليكَ ألا تخشاني، على الرغم مما يُشاع بأنني شريرة وصاحبة نزوات! "، كانت تتفوّه بكلام من هذا القبيل بين حين وآخر فيما بدنها اللدن يهتز على وقع الموسيقى وسطاً وصدراً وكفلاً. ثم ما لبثت أن أرتمت على الأريكة، أين كنتُ جالساً، واضعة رأسها في حجري وهيَ تلهث. عيناها الكبيرتان والمكحولتان، تلألأتا إذاك بوميض الرغبة والغلمة والشبق. إلا أنها ما أسرع أن أرخت عينيها، لتهمد خلال دقيقة كاملة.
" ليتني عرفتك قبل عقد واحد من الأعوام! "، همست كمن يكلّم نفسه. لما ثابت إلى هذه النفس البائسة، بدت كأنّ في حدقتي عينيها أثرُ دمع. ولكن حركتها التالية، أبت إلا أن تكذّب عينيّ: " إنني أرغبُ أن أُرسَمَ كموديل، لا بورتريه. فلا شيء يخلّد جسد المرأة مثل اللوحة الفنية؛ لا الصورة ولا حتى عدسة الفيديو! "، نطفتها بصوت رصين فيما كانت تتناهض ببطء. أتجهت ثانيةً نحو جهاز الستيريو، فأبدلت اللحن الراقص بآخر رومانسيّ يطغى عليه صوتُ الجاز. ألتفتت نحوي بعدئذٍ، لتبدأ بخلع ثيابها قطعة وراء القطعة وهيَ تتمايل على الإيقاع. لما سطع عريُها ليُضاهي مثال التحفة البرونزية، فإنني لحظتُ أنها تملك جسداً لدناً يجعل الرجل يَنتعظ، ولكنه لا يوقظ حاسّته ما لو كان فناناً: كفل، يفتقد الصلابة مع إسراف في السمنة؛ بطنٌ مترهّل العضلات؛ صدرٌ، أبعد من أن يُذكّر بمثيله عندما كانت صاحبته كاعباً.. بدنها كانت رشاقته قد أضمحلت إذاً، مع أنه بقيَ بثير الشهية والشهوة!
صباحاً، أفقتُ على أصوات العصافير المصمّة، المعبّرة عن فرحتها بيومٍ شتويّ مشمس. كنتُ ما أزال مستلقٍ على الأريكة، متدثراً ببطانية وثيرة ينبعث منها طيبُ امرأة. رحتُ أجول بعينيّ، بحثاً عن صاحبة الطيب ولكن عبثاً. فلا بدّ أنها هربت ليلاً إلى حجرة نوم جناحها الخاص، خوفاً من أن يستيقظ رجل الأمس فيرى وجهها بدون مكياجٍ ساترٍ لعيوبه. ثم تنبّهتُ بعد ذلك مُجفلاً، إلى ضرورة تواجدي باكراً في مقر مخدومتي من أجل إستكمال إستعدادات حفل ميلادها. أستعدتُ من ثمّ إفاقتي ليلاً على الأذان، المكرر ثلاثاً ( كما الحال أيام الجُمَع )، والمنبعث حتماً من مصلى في القصر: " ولكن، ما كان كنه تلك الأصوات الغريبة، التي أقلقت أحلامي خلال النوم؟ "، فكّرتُ فيما كنتُ أجتاس ذاكرتي مجدداً. أجل، كان ذلك صدى صرخات؛ كأنها فتاة كان يجري تعذيبها بقسوة، أو لعلها كانت امرأة في مخاض. فضّلتُ أن أدفن هذه الفكرة طيّ أعماقي، طالما أنّ من المحال التيقّن من وساوس مماثلة. لقد كنتُ في مكانٍ لا يمكن فيه للمرء أن يتكلم على سجيّته. بينا أنا كذلك، إذا بأصوات بشرية حقيقية تصدر من خلف نوافذ الصالة. أصختُ السمع، فيما كنتُ أبحث بعينيّ عن ملابسي. كان أحدهم يقول متسائلاً بنبرة يغلب عليها القلق: " هل يمكننا الثقة بأسوار القصر الخارجية، في حال أقتحمَ مهاجمون المدخل الرئيس؟ ". هنا أيضاً، عليّ كان الرجوع لليوم السابق؛ لبداية وصولي مع الأميرة لبوابة القصر، حينَ تحدّث مديرُ أعمالها بكلام ملغز عن أمور مقلقة وضرورة تعزيز أمن القصر.






التسجيل الكامل لحفل فوز الحوار المتمدن بجائزة ابن رشد للفكر الحر 2010 في برلين - ألمانيا
الرأسمالية والصراع الطبقي، وافاق الماركسية في العالم العربي حوار مع المفكر الماركسي د.هشام غصيب


كيف تدعم-ين الحوار المتمدن واليسار والعلمانية على الانترنت؟

تابعونا على: الفيسبوك التويتر اليوتيوب RSS الانستغرام لينكدإن تيلكرام بنترست تمبلر بلوكر فليبورد الموبايل



رأيكم مهم للجميع - شارك في الحوار والتعليق على الموضوع
للاطلاع وإضافة التعليقات من خلال الموقع نرجو النقر على - تعليقات الحوار المتمدن -
تعليقات الفيسبوك () تعليقات الحوار المتمدن (0)


| نسخة  قابلة  للطباعة | ارسل هذا الموضوع الى صديق | حفظ - ورد
| حفظ | بحث | إضافة إلى المفضلة | للاتصال بالكاتب-ة
    عدد الموضوعات  المقروءة في الموقع  الى الان : 4,294,967,295
- الجزء الأول من الرواية: زاء 3
- الجزء الأول من الرواية: زاء 2
- الجزء الأول من الرواية: زاء
- الجزء الأول من الرواية: واو 3
- الجزء الأول من الرواية: واو 2
- الجزء الأول من الرواية: واو
- الجزء الأول من الرواية: هاء 3
- الجزء الأول من الرواية: هاء 2
- الجزء الأول من الرواية: هاء
- الجزء الأول من الرواية: دال 3
- الجزء الأول من الرواية: دال 2
- الجزء الأول من الرواية: دال
- الجزء الأول من الرواية: ج / 3
- الجزء الأول من الرواية: ج / 2
- الجزء الأول من الرواية: ج / 1
- الجزء الأول من الرواية: ب / 3
- الجزء الأول من الرواية: ب / 2
- الجزء الأول من الرواية: ب / 1
- الجزء الأول من الرواية: أ / 3
- الجزء الأول من الرواية: أ / 2


المزيد.....




- بيع لوحة للفنان كلود مونيه بأكثر من 48 مليون دولار في مزاد أ ...
- اللوبي الجزائري باسبانيا يؤلف قصص خرق حقوق الانسان بالأقاليم ...
- روسيا تختار فريق عمل لتصوير فيلم في محطة الفضاء الدولية
- بحوث علمية عراقية
- بحوث لمؤسسات علمية عراقية
- بحوث أكاديمية لمؤسسات علمية عراقية
- قربلة في دورة ماي لجماعة عامر القروية بسلا
- الإمبراطورية الرومانية -غير البيضاء-.. هل كانت روما مدينة شر ...
- متحف الأدب الروسي يقيم معرضا بمناسبة الذكرى الـ200 لميلاد دو ...
- ديوان -طيور القدس- للشاعر الأردني والكاتب الروائي أيمن العتو ...


المزيد.....

- مجموعة نصوص خريف يذرف أوراق التوت / جاكلين سلام
- القصة المايكرو / محمد نجيب السعد
- رجل من الشمال وقصص أخرى / مراد سليمان علو
- مدونة الصمت / أحمد الشطري
- رواية القاهرة تولوز / محمد الفقي
- كما رواه شاهد عيان: الباب السابع / دلور ميقري
- الأعمال الشعرية / محمد رشو
- ديوان شعر 22 ( صلاة العاشق ) / منصور الريكان
- هل يسأم النهب من نفسه؟ / محمد الحنفي
- في رثاء عامودا / عبداللطيف الحسيني


المزيد.....
الصفحة الرئيسية - الادب والفن - دلور ميقري - الجزء الأول من الرواية: الحاء