فؤاد النمري - الكاتب الماركسي - في حوار مفتوح مع القارئات والقراء حول: دمغتان تميّزان الشيوعي عن غيرالشيوعي.


فؤاد النمري
الحوار المتمدن - العدد: 4608 - 2014 / 10 / 19 - 15:38
المحور: مقابلات و حوارات     


من اجل تنشيط الحوارات الفكرية والثقافية والسياسية بين الكتاب والكاتبات والشخصيات السياسية والاجتماعية والثقافية الأخرى من جهة, وبين قراء وقارئات موقع الحوار المتمدن على الانترنت من جهة أخرى, ومن أجل تعزيز التفاعل الايجابي والحوار اليساري والعلماني والديمقراطي الموضوعي والحضاري البناء, تقوم مؤسسة الحوار المتمدن بأجراء حوارات مفتوحة حول المواضيع الحساسة والمهمة المتعلقة بتطوير مجتمعاتنا وتحديثها وترسيخ ثقافة حقوق الإنسان وحقوق المرأة والعدالة الاجتماعية والتقدم والسلام.
حوارنا -141 - سيكون مع الأستاذ فؤاد النمري - الكاتب الماركسي - في حوار مفتوح مع القارئات والقراء حول: دمغتان تميّزان الشيوعي عن غيرالشيوعي.
 


أما وقد قُدِّر لي أن أعود مرة أخرى إلى "حوارات التمدن" بعد حوالي أربع سنوات، فقد حقّ لي أن أنتهز هذه الفرصة الفريدة لأطرح قضيتي الأولى والأخيرة التي شغلتني طيلة عمري الممتد لثمانين حولاً دون أن أسأم . قضيتي هي قضية الإنسانية قبل أن تكون قضية سائر العمال في العالم، وهي تقضي بتحرير الإنسان من كل عسف واستغلال وخوف على المستقبل حين لا يعود الإتسان، حيثما هو وحيثما يعمل، بحاجة للحرية والديموقراطية والمساوة والعدالة وقد كانت وما زالت من ضروراته الحيوية عبر التاريخ . قضيتي هي الشيوعية التي اكتشفها في مسرى التاريخ رجل لا مثيل لعبقريته بين العبقريات وهو كارل ماركس، وورثها عنه رجال أفذاذ بدءاً برفيقه الأمين فردريك إنجلز ثم فلاديمير لينين وآخرهم يوسف ستالين . من ستالين تحديداً تعرفت البشرية على الشيوعية وقيمتها في مسرى التاريخ . مما لا مشاحة فيه هو أن 99% من شيوعيي عالم اليوم ما كانوا ليكونوا شيوعيين لو لم يحقق ستالين بشارات ماركس وإنجلز ولينين ونظرياتهم كحقائق مذهلة على الأرض . في العام 1922 حلّ ستالين محل لينين بسبب المرض في قيادة الدولة وكان الاتحاد السوفياتي حينذاك قفراً بلقعاً تبيت شعوبه على الطوى بتعبير لينين بسبب الحروب المتواصلة على أرضه التي استمرت لثمان سنوات 1914 ـ 1921، وفي العام 1953 أصبح الاتحاد السوفياتي لدى رحيل ستالين أقوى قوة في الأرض وتعيش شعوبه رغد العيش متجاوزة كل الدمار الهائل الذي لحق بها جراء العدوان النازي، وكان مجمل الانتاج السوفياتي يتجاوز مجمل إنتاج أوروبا الغربية بما فيها بريطانيا وفرنسا وألمانيا ,
ليس لي أن أماري هنا كما يماري الكثيرون غيري من الشيوعيين في أنني ما كنت لأكون شيوعياً منذ العام 1950، أي قبل تأسيس الحزب الشيوعي الأردني عام 1951، لولا النجاحات التي حققها الاتحاد السوفياتي بقيادة ستالين وتخلب الألباب .

الصيحة الغبية التي تملأ فضاء العالم اليوم تطلقها البورجوازية الوضيعة دفاعاً عن قدرها المحتوم تقول بأن التاريخ برهن على أن الشيوعية إنما كانت مجرد انحراف عن مسار التاريخ الصحيح فانهارت إلى غير رجعة ؛ وأن فلول الشيوعيين الذين ما زالوا متمسكين بأفكار عفا عليها الزمن إنما هم أصوليون ماضويون مثلهم مثل المتأسلمين أو هم أناس مصابون بداء النوستالجيا .
لو كانت الشيوعية مجرد انحراف عَبَرَه التاريخ كما يزعم مجندو البورجوازية الوضيعة لكان عالم اليوم، وقد عبر تجربة الشيوعية، يرتع بأمن واستقرار دائمين وفي ازدهار اقنصادي يعود بالرخاء والرفاه على شعوب العالم . لكن ما نراه اليوم بأم العين هو العكس تماماً من كل ذلك ؛ فالعالم اليوم ينفق عشرات الأضعاف عما كان ينفقه في خمسينيات القرن الماضي لتوفير الأمن وعبثاً ينفق، وتراجعه الاقتصادي لم يكن له مثيل عبر التاريخ فبعد أن كان مجموع ديون العالم في العام 1970 هو 70 مليار دولار فقط تزيد اليوم ديونه على 70 ترليون دولار ، أي بزيادة ألف ضعف وهو ما ينذر بانهيار كارثي وشيك للعالم ؛ أضف إلى ذلك الحروب الإثنية في عشرات الدول والمجاعات المنتشرة في أفريقيا وآسيا ونقص الغذاء في العالم ؛ ناهيك عن تجارة المخدرات وغسل الأموال وتجارة الرقيق والإرهاب . طبعاً، منظرو البورجوازية الوضيعة لا يستطيعون تعليل ذلك . التعليل الوحيد الذي يمكن أن يفسر كل هذا الإضطراب بالأمن وهذا القصور في الإنتاج هو حالة هروب العالم من استحقاق الإشتراكية ؛ وفي حالة الخطر الماحق كما هي الاشتراكية بالنسبة إلى البورجوازية فإن الهروب لا بدّ أن يكون هروب المذعور ينسى فيما ينسى أسباب السلامة والحياة . عالم اليوم، عالم ما بعد انهيار الثورة الإشتراكية، هو في حالة هروب المذعور لا يمتلك أسباب السلامة والاستقرار ولم ولن يمتلكهما إلا بعد العودة إلى الإستحقاق الإشتراكي . وهكذا فإن الشيوعية هي استحقاق لا محيد عنه . بعض مجندي البورجوازية الوضيعة ينكرون بفجاجة وقحة التراجع الاقتصادي بادعاء أن الديون مسألة شكلية لا أثر لها على التنمية الإقتصادية . لو كان الأمر كما يرتأيه هؤلاء الجهلة الوقحون لما رأينا الكونجرس الأميركي يعلو صراخه بين شهر وآخر حول رفضه رفع سقف المديونية للولايات المتحدة .

نحن لن نتوقف عند هروب دهاقنة الرأسمالية المذعورين من الاستحقاق الاشتراكي وقرارهم المثير للضحك في رامبوييه 1975 الذي يقول بأن القيمة تكمن بداية في نقودهم وليس في انتاجهم البضاعي، أي أن نقودهم لم تعد من البضاعة، وهو قرار المذعورين، قرار ينسف الأساس الذي يقوم عليه النظام الرأسمالي بل كل نظام للإنتاج، لن نتوقف هنا طالما أن هروب الرأسماليين من الإستحقاق الاشتراكي أمر مفروغ منه . لكن واجبنا كشيوعيين تعلمنا البلشفية على أيدي ستالين وكرسنا حياتنا لحماية أنسنة الإنسانية ومنها إنهاء استغلال الإنسان، واجبنا الذي لا يتقدم عليه أي واجب آخر هو أن نفضح دور "الشيوعيين" البورجوازيين الذين سدوا الطريق أمام تطور الثورة الإشتراكية والوصول إلى أهدافها الأخيرة وهي الحياة الشيوعية ؛ هربوا مذعورين من الاستحقاق الاشتراكي في العام 1953 وتراهم اليوم وقد فقدوا لغة الاشتراكية الماركسية يرطنون اليوم بلغة القومية والوطنية واليساروية ويعلنون توبتهم عن الماركسية التي لم تقم وزناً للدين كما للقومية .
كان من أول شروط الأممية الشيوعية التي شكلها لينين وافتتح أول مؤتمراتها في مارس 1919 هو أن على الحزب الشيوعي أن يقوم بين الفينة والفينة بتطهير نفسه من عتاصر البورجوازية الوضيعة وهو ما طالب به لينين نفسه الحزب في العام 1922 بطرد 100 ألف عضواً غير أن القيادة اكتفت بطرد 20 ألفاً من الحزب، وما قام به الحزب الشيوعي السوفياتي في 1936 ـ 1938 استعداداً لمواجهة العدوان النازي الذي بات مؤكداً وقد تلا ذلك اضطرار الحزب الشيوعي إلى وقف سياسة الصراع الطبقي كيما يتسنى لشعوب الإتحاد السوفياتي بجميع طبقاتها مقاومة العدوان بجبهة وطنية متراصة، ولذلك أًطلق على تلك الحرب، إسم الحرب الوطنية .

لكن الحرب، وككل الحروب وكانت أشدها هولاً ودماراً، تجري دائماً على حساب القوى الطليعية في المجتمع، وفي هذه الحالة كان الشيوعيون هم القوى الطليعية وتحملوا أشد الضربات من نخب القوى النازية العالية التدريب والاختصاص ووقعت فيهم أفدح الخسائر الأمر الذي صبّ آلياً في كفة البورجوازية الوضيعة السوفياتية، فيما خسرت البروليتاريا جملة قواها الطليعية وقد اضطرت دولة البروليتاريا السوفياتية إلى تجنيد 16 مليون عاملاً لصد العدوان النازي ومعه كل قوى النازية في القارة الأوروبية، فقد منهم 9 ملايين جندياً معظمهم من القيادات الشيوعية البروليتارية المدربة . أُستكملت الحرب بحملة إعادة الإعمار دون أن تستعاد كفتا ميزان القوى في المجتمع السوفياتي لحالتهما قبل الحرب . حالما انتهت حملة إعادة الإعمار خطط ستالين لاستعادة البروليتاريا ما فقدته من قوة بسبب الحرب من خلال الخطة الخماسية الخامسة التي كانت تقضي بمضاعفة الانتاج في الصناعات الخفيفة التي تلبي حاجات الشعب وترفع مستوى حياته بحدود ثلاثة أضعاف خلال سنوات 1952 ـ 1956 . وهو ما يتحقق من خلال مضاعفة قوى البروليتاريا وتحول المجتمع إلى أرقى المجتعات تطوراً وأكثرها رفاهية عبر التاريخ .
تحت شعار الاشتراكية لخير الشعب رأى ستالين القائد اللينيني الملهم والأعظم لبروليتاريا العالم أن يعيد ميزان القوى داخل المجتمع السوفياتي بصورة هادئة ودون ضجيج الصراع لصالح البروليتاريا حيث كان ميزان القوى يميل لصالح البورجوازية الوضيعة السوفياتية، فكان اقتراحه بتوجيه الإقتصاد للصناعات الخفيفة كما في الخطة الخمسية الخامسة . يبدو أن البورجوازية الوضيعة السوفياتية، كما تشير وقائع التاريخ، قد تنبهت مبكراً لمخططات ستالين التحتية فكان قرارها بألا تسمح بذلك، الأمر الذي لا سبيل لتحقيقه بغير إغتيال ستالين وإلا فقدت البورجوازية الوضيعة السلطة إلى الأبد، وهو ما نجحت فيه في مساء 28 شباط 1953 وقيام وزير الداخلية لافرنتي بيريا، الذي كانت تحوم حوله الشكوك في مؤامرة الأطباء اليهود في الكرملين، بدس السم (Warfarin) بشراب ستالين وبمشاركة من تلميذ ستالين جيورجي مالنكوف وبمعرفة نيكيتا خروشتشوف ـ كما يرى مولوتوف في مذكراته ـ وهؤلاء الثلاثة هم أعضاء في المكتب السياسي للحزب وقد شاركوا بالإضافة إلى نيقولاي بولغانين ستالين العشاء في تلك الأمسية ـ وأميل إلى الإعتقاد هنا أن ستالين كان قد رتب ذلك العشاء التاريخي لتقصي الشكوك التي تحوم حول خيانة بيريا حيث كان ستالين قد تفوه بما يشي بذلك .
استكملت البورجوازية الوضيعة الإنقلاب على النظام الاشتراكي فقام هؤلاء الثلاثة ومعهم أنستاس ميكويان وأمثاله في المكتب السياسي في اليوم التالي لوفاة ستالين بطرد 12 عضواً جديدا انتخبهم مؤتمر الحزب العام الأخير أعضاء في المكتب السياسي تبعاً لطلب ستالين وكان قد عبّر عن عدم ثقته بأعضاء المكتب السياسي . من المعروف في نظام الحزب أن عضوية المكتب السياسي لا تسقط قبل المؤتمر العام التالي للحزب إلا بقرار من المحكمة بعد تجريم العضو . ثم كيف لأحد عشر عضواً اجتمعوا صباح 6 مارس آذار أن يقرروا إلغاء عضوية 12 عضواً مثيلاً لهم !؟ وفي ايلول أي بعد ستة شهور جمع هذا المكتب السياسي المشبوه اللجنة المركزية لتقرر إلغاء الخطة الخمسية التي كانت ستنقل الاتحاد السوفياتي إلى مستوى حياة لا مثيل لها في التاريخ بجانب توطيدها لسلطات دولة دكتاتورية البروليتاريا ـ اللجنة المركزية تنتخب، كما هو معروف بمختلف النظم والقوانين، لتنفيذ السياسة التي يقرها المؤتمر العام للحزب لكن ليس لتلغيها في أي حال من الأحوال . في خريف 1953 سقطت الاشتراكية وسقطت معها دولة دكتاتورية البروليتاريا وحل محلها دولة دكتاتورية العسكر التي ما زالت قائمة حتى اليوم وذوّبت كل مستقبل البروليتاريا السوفياتية في صهر حديد الأسلحة الخردة المتقادمة اليوم .

لم يطمئن هؤلاء الانقلابيون إلى سلامة موقفهم المعادي للبروليتاريا وعموم الإنسانية فيما شبح ستالين يلاحقهم ويتهددهم حيثما توجهوا في إدارة البلاد ؛ إذاك لم يروا بداً من تعميد انقلابهم في حملة هجوم مسعور على ستالين ذي الهالة اللينينية المعظمة لدى السوفياتيين وباني الاشتراكية دون منازع، ولم يكفهم قتله ؛ فكان تكليف خروشتشوف بهذه المهمة القذرة ـ على كره منه كما أعتقد أحياناً ـ وإلقائه ذلك الخطاب السري من خارج المؤتمر العشرين للحزب، كما لا يعلم الجميع، لأنه يعلم تمام العلم أن أغلبية أعضاء المكتب السياسي، إن لم يكن جميعهم، ستستهجن الخطاب وترفضه كخطاب لا يليق بأي شيوعي أن يخطبه كونه حشواً من الأكاذيب المفضوحة، متهماً ستالين بآخر تهمة يمكن أن تلحق بستالين وهي ممارسة طقوس عبادة الذات في حين أن ستالين كان قد عرف بالقسوة مع الذات كما وصفه تشيرتشل بحق، وشهد رفيق عمره مولوتوف أن ستالين كان يعبد لينين وليس ستالين ويعلق الغطاء الشمعي لوجه لينين مضاء فوق رأسه أينما حلّ ونام . وقبل اغتياله بثلاثة أشهر فقط ورداً على إعلان مولوتوف ومالنكوف أنهما مجرد تلميذين لستالين أمام مندوبي مؤتمر الحزب التاسع عشر وصف ستالين ذلك الإعلان بالهراء وأنه ليس لديه تلاميذ طالما أنه هو نفسه تلميذ للينين .
السؤال الذي لم يسأله الكثيرون ومنهم الشيوعيون العوام وهو .. لماذا فطن الإنقلابيون أعداء الاشتراكية والطبقة العاملة لأن يشنوا حملة شعواء على ستالين بعد إنقضاء ثلاث سنوات على وفاته وبعد أن باتت كل السلطة بأيديهم ؟ ليس ثمة شك في أن أولئك الإنقلابيين أعداء الطبقة العاملة رأوا في تلك الحملة مخاطرة قد تطيح بانقلابهم ولذلك هم قبلوا أن تكون الحملة من خارج أعمال المؤتمر العشرين لكن بلسان الأمين العام للحزب نيكيتا خروشتشوف . ذلك يقطع دون شك في أن الإنقلابيين لم يكن بإمكانهم طي صفحة الإشتراكية من التاريخ السوفياتي دون تحطيم هالة ستالين التي تسطع بقوة على صفحة الإشتراكية . هذا ما يجب ألا ينساه سائر الشيوعيين الذين معظمهم اليوم للأسف الشديد يشارك الانقلابيين في طي صفحة الإشتراكية من التاريخ السوفياتي وسجل تاريخ البروليتاريا العالمية ؛ وتصل الوقاحة بالكثيرين منهم إلى حد التساؤل .. وهل كانت إشتراكية في الاتحاد السوفياتي !!؟
تلك هي الدمغة الأولى التي يفتقدها اليوم عامة الشيوعيين، الدمغة الستالينية .


أما الدمغة الأخرى التي يفتقدها عامة الشيوعيين فذلك بسبب قصورهم في التعرف على النظام الرأسمالي .
في نوفمبر 1952 قرر المؤتمر التاسع عشر للحزب برئاسة ستالين أن النظام الامبريالي سينهار في وقت قريب . تأخر انهياره حتى العام 1972 بسبب انقلاب خروشتشوف على الاشتراكية ووضعه خطاً فاصلاً ما بين الثورة الاشتراكية والثورة الوطنية خلافاً لمبدأ لينين مدعياً أن جمال عبد الناصر مغامر أكثر منه وطني ثوري , في العام 1972 أعلنت الأمم المتحدة إنتهاء الاستعمار في كل أصقاع الأرض، وحل لجنة تصفية الاستعمار التابعة لها والتي كان خروشتشوف نفسه قد طلب تشكيلها في العام 1961 .
إنهيار الإمبريالية يعني مباشرة إنهيار الرأسمالية التي مآلها الإختناق بدون محيطات أو أسواق تحت الاستعمار . لكن عامة الشيوعيين يرفضون هذه الحقيقة بزعم أن الدلالة القاطعة على انهيار الرأسمالية هو قيام الإشتراكية بصورة آلية . الاشتراكية لا تقوم آلياً بل تحتاج إلى اشتراكيين لبنائها وأنتم أيها الشيوعيون العوام لم تعودوا اشتراكيين بعد أن اصطففتم وراء الإنقلابيين أعداء الاشتراكية في الاتحاد السوفياتي من زمرة خروشتشوف ـ بريجينيف ـ أندروبوف ـ غورباشوف . ولكم أن تعلموا أن العالم لم ولن ينتظم منذ انهيار النظام الرأسمالي في السبعينيات في أي نظام مستقر وثابت قبل أن يعبر إلى الإشتراكية سيظل قبل ذلك في فوضى الهروب من الاستحقاق الاشتراكي وهو ما يستملح البعض في تسميته بالاستهلاكية التي بدلالة اسمها ليست نظاماً .
هؤلاء الشيوعيون العوام لم يناقشوا موضوع انهيار الرأسمالية كما يستوجبه علم الإقتصاد وعلوم الماركسية . نقول لهم مراكز الرأسمالية لا تعيش بدون محيطات فيتجاهلون هذه الحقيقة بادعاء أن حركة التحرر الوطني لم تنجز أهدافها .
ونقول لهم أن مراكز الرأسمالية الكلاسيكية لم تعد تصدر منتوجاتها إلى الدول المحيطية القديمة بل العكس هو القائم اليوم حيث مراكز الرأسمالية الكلاسيكية هي التي تستورد البضائع من الدول المحيطية، فإذ بالشيوعيين العوام يدّعون بأن هذا ما يؤيد دعواهم بأن الدول الإمبريالية تنهب ثروات شعوب الدول المحيطية .
ونقول لهم أن الرأسمالية تعني أولاً وأخيراً تحويل قوى العمل المتجددة يومياً في أجساد العمال إلى بضائع قابلة للتبادل والإثراء المتزايد، لكن مراكز الرأسمالية الكلاسيكية تتصدر الآن جدول الدول المدينة في العالم وتحمل أكثر من 80% من ديون العالم، فيصل السقام بالشيوعيين العوام إلى الإدعاء بأن الرأسماليين استعاضوا عن قوى العمال بالأتمتة والروبوتات وأن الديون إنما هي أرقام دفترية لا تغير في الواقع شيئاً .
ونقول للشيوعيين العوام أن إنتاج الدول الرأسمالية سابقاً هو من الخدمات بنسبة تتراوح ما بين 70 و 80 % والخدمات ليست من الإنتاج الرأسمالي حيث لا تخلق ثروة كالإنتاج الرأسمالي بل على العكس فهي تستهلك الثروة، لكن "رفاقنا" الشيوعيين العوام برفضون هذا المنطق جملة وتفصيلا بادعاء أن للخدمة قيمة بل وتتضمن فائض قيمة .
ونقول لهؤلاء "الرفاق" العوام أن قرار أول مؤتمر للخمسة الرأسماليين الأغنياء في رامبوييه 1975 بتثبيت قيمة نقودهم المكشوفة بقرار سياسي من خارج السوق وهو ما يعني أن نقودهم لم تعد من البضاعة تدور دورة البضاعة (نفد ـ بضاعة ـ نقد) ذلك بعني تعطيل دورة الانتاج الرأسمالي وإلغاءها . لكن رفاقنا العوام لا يوافقون على مثل هذا المنطق ولا ينفكون يعمهون في أفكار مضى على اندثارها زهاء نصف قرن . هؤلاء الشيوعيون العوام نسوا دون داع أن المشروع اللينيني اقتضى أول ما اقتضى تفكيك النظام الرأسمالي العالمي وقد أنجز فيما أنجز هذا الاقتضاء .

تُقرأ الماركسية اللينينية بلغة واحدة فقط هي لغة الصراع، صراع المتناقضات في ذات الوحدة الواحدة . بعد انهيار النظام الرأسمالي العالمي في سبعينيات القرن الماضي كنتيجة رئيسية لثورة أكتوبر الإشتراكية لم يعد التناقض الرئيس في النظام الرأسمالي (قوى الانتاج ><علاقات الإنتاج) هو التناقض الفاعل اليوم بالطبع في الحياة العامة حيث حل محله تناقض جديد تشكل خارج علاقات الإنتاج . الأموال التي كان الرأسماليون يراكمونها بنتيجة فائض القيمة لم تعد موجودة اليوم حيث يتم إنفاقها على إنتاج الخدمات والخدمات تستهلك الثروة ولا تنتجها وهي لذلك ليس إنتاجاً رأسمالياً بالإضافة إلى أنها إنتاج فردي . تراكم فائض القيمة الذي كان يؤدي إلى الأزمة الخانقة في النظام الرأسمالي لم يعد موجوداً طالما يتم إنفاقه كاملاً وأكثر منه على إنتاج الخدمات . وتعويل الشيوعيين العوام عليه كمعامل للثورة الاشتراكية أشبه بتجارة جحا بالبيض .
نحن كشيوعيين واجبنا الذي لا نكل عن القيام به مدى الساعة هو أن نترسم الطريق إلى الشيوعية . فائض القيمة لم يعد يغتصبه الرأسماليون من العمال بل أخذت البورجوازية الوضيعة تستنزفه من خارج عملية الإنتاج وتنفقه على إنتاج الخدمات وإلا فمن أين تستجلب البورجوازية الوضيعة النقود لتنفقها على إنتاج الخدمات التي لا تنتج نقودا بمعنى خلق النقود كما الإنتاج البضاعي !؟
تناقض العصر الرئيس يقوم بين البروليتاريا التي تخلق القيمة والبورجوازية الوضيعة التي تستهلك القيمة ولا تخلقها

وهكذا فإن الدمغتين اللتين تميزان الشيوعي عن غير الشيوعي هما ..
الدمغة الأولى وهي التي تعني العودة إلى الإشتراكية فقط من خلال إعادة الألٌق لهالة ستالين البروليتارية الساطعة، فأعداء الاشتراكية لم يستطيعوا طي صفحة الإشتراكية إلا من خلال تسويد هالة ستالين المجيدة ؛ وعليه فإن العودة إلى الإشتراكية ليست ممكنة إلا ن خلال العودة إلى النهج الستاليني .
والدمغة الثانية وهي الاعتراف بحقيقة انهيار النظام الرأسمالي العالمي في سبعينيات القرن الماضي وما يبنى على هذا مقتضاه . أول مقتضياته هو أن يترتب على الشيوعيين ـ الشيوعيين ذوي الدمغتين وأنا منهم ـ أن يكتشفوا الوسائل الخاصة والصعبة لتطوير التناقض الرئيس الجديد ما بين منتجي البضائع، البروليتاريا، ومنتجي الخدمات، البورجوازية الوضيعة . وسائل تطوير هذا التناقض في غاية الصعوبة حيث هو من خارج عملية الإنتاج . الوسيلة الوحيدة التي يمكن الركون إليها حتى الآن هي الانهيار التام والشامل لطبقة البورجوازية الوضيعة في العالم بعد ألا تعود البروليتاريا تستغني عن الحد الأدنى لأجورها .