أخبار عامة - وكالة أنباء المرأة - اخبار الأدب والفن - وكالة أنباء اليسار - وكالة أنباء العلمانية - وكالة أنباء العمال - وكالة أنباء حقوق الإنسان - اخبار الرياضة - اخبار الاقتصاد - اخبار الطب والعلوم

الصفحة الرئيسية - مواضيع وابحاث سياسية - لمى الأتاسي - الثورة و سوريا و حالة الانفصام العام















المزيد.....

الثورة و سوريا و حالة الانفصام العام


لمى الأتاسي

الحوار المتمدن-العدد: 4567 - 2014 / 9 / 7 - 00:44
المحور: مواضيع وابحاث سياسية
    


ان بحثنا عن السر الكامن وراء هذا الكم الهائل من الجهل و النفاق و الفساد الذي أوصلنا إلى الكارثة السورية، نجد ان هناك شيء ما نمى في مجتمعنا دون ان نعيره انتباه كبير و تواجد بتفاوت على جميع مستويات و مخابئ الدولة و المجتمع السوري : انها الازدواجية - مرض انفصام شخصية ادى الى ما نحن فيه.
الانفصام للمجتمع بدأ بصداقة المجتمع مع الجلاد : بشار الاسد و الجيل الثاني من ابناء المسؤلين و الضباط في سوريا الجيل الذي ورث السلطة عن ابيه، اختلط بالبرجوازية السورية و تغلغل فيها و تربى مع ابنائها فأثر بهم و أثروا فيه.
حالة الأنفصام ايضا حادة لدى الجندي المسكين الفقير المظلوم الغير متعلم الذي اتا في الستينات من قرية لم تصلها الكهرباء و دخل السلك العسكري و حضر للانقلاب البعثي و انتظر انقلاب حافظ اسد ليصبح فجأة فاسد و متحكم بمفاصل البلد دون اي رؤية سياسية أو اجتماعية .. أود توضيح فكرة تاريخية و هي أن الأرسوزي أحد مفكري البعث كتب مؤكدا على ضرورة تسليم المسؤلية في الجيش السوري لضباط و جنود غير متعلمين من أفقر الطبقات. لم يكن العيب بالفقر بل بكيف فكر رجل متعلم مثل الأرسوزي أن تقاد سوريا الى الهاوية من قبل جهلة .

الوزير أو المسؤل حتى المتعلم يعيش حالة انفصام حقيقية بين ما هو ملزم به نظريا تجاه وطنه و بين ما هو مضطر ان يلبيه من اوامر تسيئ للمصلحة العامة، و لكن الاصعب هو حالة الازدواجية التي يعيشها الضابط الامني الكبير الذي قرر مع غيره سياسيا بأن العنف و التعذيب الجسدي و الترهيب لكل من يعارض النظام هو الحل للبقاء في السلطة، الحالة المرضية ذاتها تمس ابنائه رفاق بشار الاسد الذين يترددون مع ابناء الطبقة البرجوازية السورية على نفس المدارس و يعيشون بينهم حياة منفصمة تماما عن واقع الأباء الاجرامي.. غازي كنعان احد المسؤلين عن جرائم مدينة حماة مثلا كان يجلس ابا لطيفا مع ابنائه بعد نهار قضاه يمارس دور المجرم الذي يضرب و يقتل و يوجه الاهانات لكثير من البشر.. و كان يدعى بحفاوة لحفلات و أعراس أقارب من قتل !
عملية الحفاظ على المكتسبات لطبقة جديدة كانت ممكن ان تتم بطريقة انسانية اقل شراسة و عنف و تدمير لامجتمع .
مسألة محاسبة الضمير الإنساني لدى ممارسي التعذيب و العنف الجسدي و الغير جسدي مسألة تؤرق ليس فقط الجلاد اي هذه الطبقة الحاكمة لسوريا بل كل المجتمع الذي فقد سلم معايره و فقد صوابه و توجه تدريجيا نحو اللامعقول.. نحو التناقض الانفصامي .. الذي كشفته الثورة ، فكانت الثورة السورية حالة مرضية لا تصحيحية لا تشبه الثورة التونسية مثلا و لا حتى المصرية.
يعيش الفرد السوري عموما باكرا حالة انفصام شخصية تتفاوت تدريجيا .. يشفى منها قليلا من يرحل للغرب و يهاجر باكرا .. بعضهم يقرر هناك تغيير اسمه و اغلاق صفحة الماضي مع سوريا المريضة لكي يتلائم مع ذاته و يعيش حياة طبيعية يرضى ضميره عنه فيها.
نعم سوريا مريضة نفسيا و تعيش حالة انفصام مزمنة ادت بنا الى هنا.
الثورة هي تفاقم الحالة الانفصامية للمجتمع السوري برمته تقريبا:
لكم بعض الامثلة عن الانفصام:
هناك تعليمات و افكار معترف بها تمثل قاعدة اجتماعية مثل اهمية التعليم و ضرورة تعليم الفتاة و حتى حثها على العمل في الطبقات الوسطى و البرجوازية. هذه القاعدة تطبق عموما فاغلب البنات السوريات كانت تتعلم و تحصل الشهادات الجامعية .. التناقض كان في تطلعات تلك المرأة او الفتاة . فالهدف الاجتماعي للعائلة يبقى تزويجها بالتالي فهناك تناقض بين مطالبتها بان تتعلم و بأن تحصل على شهادة جامعية و مطالبتها بان تكون زوجة باكرا. و ان تتوقف عن العمل في حال طالبها زوجها بهذا .. بل نلاحظ انها في 60 بالمئة من الأحوال تتعلم و تحصل على شهادة لا لتعمل بل لتتزوج اذ بهذا تنفي عن نفسها تهمة الجهل.
تناقض اخر انفصامي : سلك التعليم السوري و الجامعة السورية تتكلف بتعليم مجاني على حساب الدولة لكادرات كثيرة سطرت شهاداتها في المطبخ.
التناقض الاكبر كان ياتي من قيمة الشهادة الجامعية ذاتها فشهادة التجارة او الهندسة او الادب تؤهل للتوظيف و لكن المعاشات لا تكفي لدفع اجار بيت و تكاليف حياة شخصين او حتى شخص واحد .. كنا نسمع كثيرا في بعض الطبقات ان ثوب السهرة الذي تلبسه فتاة من طبقة غنية كان يتجاوز المعاش الشهري بعشرات المرات لاستاذ الابتدائي او حتى الجامعي. استاذ الجامعة كان يعمل بعد الظهر سائق تاكسي!
و لكن لنعترف بتناقض أخطر يخص مضمون الشهادات الجامعية التي يحملها أغلب السوريين فهو انحدر تدريجيا نتيجة الاهمال لقطاع التعليم ، فالشهادة الجامعية السورية لا توازي بمضمونها ما يتعلمه الطلاب قي الدول المتحضرة. حامل شهادة ادب فرنسي لا يتكلم فرنسي، حامل شهادة الهندسة التي دفعت له الحكومة ثمن تعليمه فيها خمس اعوام لا تؤهله لان يوازي علمه خريج معهد اوروبي بعامين بدون بكالوريا. الجامعة السورية في بداياتها خرجت اجيال فعلا متعلمة و لكن مناهج التعليم لم تتطور في مجالات كثيرة لان هذا مكلف جدا و يحتاج كادرات غير متوفرة. و لا يوجد كادر اداري للدولة له الحق بمواجهة القائمين على الدولة بضرورة التحديث و الاصلاح .
طالب الهندسة في الغرب يتمتع بمعدل استاذ لكل خمس طلاب و بالكثير عشرين في الحصص العملية، اما جامعاتنا فهي للتدجين فقط كما هي المدارس الابتدائية الغير خاصة تعمل على محو الامية فقط و تعليم فن البصم لا التفكير.
طبعا كان يعترض الكثير من المثقفين على هذا الوضع الكارثي و لكن سرعان ما اعتبر النظام الاعتراضات نقد سياسي ممنوع.
لاحظنا كلنا كيف دخل المجتمع كله في لعبة سباق الاستهلاك و المظاهر الكاذبة خلال الثلاث عقودًالماضية ، تم هذا كردة فعل جماعية بعد مأساة الثمانينات لكي ينسى المجتمع ألمه و يرفه عن نفسه فجرى لكسب المال السريع و الغير قانوني بمعية السلطة، سرعان ما فقد التعليم قيمته الحقيقية الثقافية ، سرعان ما توقفت اجيال التسعينات و الالفين عن القراءة و المتابعة و تقوقعت النخبة على ذاتها فهرمت و لم تعد تواكب العصر حتى بقرائاتها و ما يمكن ان تتطلع عليه من ثقافة العالم الدائم التطور.
لنا ان نعترف بأن العالم العربي في المشرق غير منتج فكريا و بان الكتب و الابحاث المعاصرة تصدر بلغات اجنبية و قلما تترجم و كذلك جيل البعث هو جيل لا يتقن اللغات الاجنبية بل يركز على اللغة العربية فقط. السوري المثقف لغته العربية جيدة جدا عموما و لكنه بعكس المغربي او التونسي مثلا لا يقرا بلغات اجنبية الا نادرا، رؤساء الاحزاب التاريخية اغلبهم لا يطالعوا مقالات خارج الصحافة العربية الا ما يترجم لهم.
النخبة الثقافية السياسية تم سجنها و تعذيبها و ابعادها عن العمل الوطني بالشان العام لانها كانت تنتقد الحكم و تشير الى المخاطر التي وصلت لها سوريا. لكنها دخلت فيما بعد بدورها بحالة الانفصام العام و كانت تعيش و تحلق في عالم لوحدها هي أيضا منفصمة عن الواقع أو منفية .. كما يصفها الشيخ امام في اغنيته الشهيرة "يعيش المثقف" ...
الوئام مع الذات الوئام ضمن المجموعة هو ما يتيح لاي مجتمع بأن يتطور بدونه لا يوجد توازن و استقرار و بالتالي لا يوجد مناخ لتطوير اي قطاع من قطاعات الدولة و المجتمع.
هذا الوئام هو الحلقة المفقودة من راس الهرم لارض القاعدة في المجتمع السوري بكافة مكوناته.
الثورة رفعت الغطاء لتكشف عن أمراض إجتماعية مزمنة كثير منها اخلاقية و تصل لحد الشذوذ.
ليس بامكاننا فصل مجتمع النظام او الطبقة الحاكمة عن بقية الشعب كما صورت لنا الثورة ، الحالة الاسلامية هي حالة تعبير ، تعبرعن بحث عن وئام مع الذات .. انها تعبر عن حاجة انسانية لايجاد التوازن المفقود.
الرجوع الى الله و الكف عن البحث عن الاستهلاك الاعمى و البذخ كان مسكن قد يريح من التفاوت الطبقي الذي اوجدته حالة ال frustration لدى المواطن بالعربي الشعور بالأحباط نتيجة الحرمان فالحاجة الغير ملباة تشكل عقدة.
الحقيقة ان هذه المسايقة نحو الاستهلاك لم تكن علاج للمجتمع بل فتحت الباب لتناقضات جديدة و خلقت شرخ أخر في المجتمع السوري.
التدين و الاسلام السياسي الاجتماعي لم يمنع المجتمع المعتاد على الاستهلاك الاعمى و البذخ الاعمى و المال السهل بدون عمل و بدون ضوابط قانونية و اخلاقية من الاستمرار بهذا ، بل الثورة وجدت أبواب رزق جديد لقياديي الاسلام و كثرت الفتاوى التي تسمح لهم بتوظيف مال الاغاثة و استثماره لحاجاتهم الخاصة، معتبرين ان هذا "معاش" و حق بمستوى احتياجاتهم الكثيرة. الثورة اظهرت تعلق الطبقة الاسلامية البرجوازية او الوسطى بالشهادات العلمية الكاذبة .. دورات السلك الديبلوماسي السريعة و العلوم السياسية انتشرت بشكل كبير من قبل القائمين على الثورة ، ممولة ببذخ لتخرج بشهر او اثنين و احيانا دون دوام عبر النت حاملي شهادات لا تؤهل لشيءالا للتفاخر.. بالنالي لا يكفي الاسلام ليحل أزمة الإنفصام التي يعيشها المجتمع السوري و التي تتفاقم معه منذ عقود لتصل لذروتها في الثورة .لا يكفي الاسلام السياسي الحالي لايجاد حالة الوئام التي تعيد التوازن للمجتمع و للفرد.
علماء و مشايخ الاسلام المعاصر هم انفسهم ينتمون لعالم الانفصام الجماعي ..
كيف نوازن ما بين ضميرنا الانساني و الحياة الاجتماعية التي يفرضها الواقع السوري على جميع الاصعدة بما فيها المواقف السياسية و ذلك في صف النظام او قي صف المعارضة على السواء، علما أن الحالة المرضية ذاتها و لا يختلفوا قط ..
كيف الوصول للوئام العام ؟ هذا هو السؤال الذي يقتضي أن نجيب عليه كسوريين و نعمل عليه قانونيا علميا و تقنيا و انسانيا.
لمى الأتاسي






الرأسمالية والصراع الطبقي، وافاق الماركسية في العالم العربي حوار مع المفكر الماركسي د.هشام غصيب
حوار مع الكاتب و المفكر الماركسي د.جلبير الأشقر حول مكانة وافاق اليسار و الماركسية في العالم العربي


كيف تدعم-ين الحوار المتمدن واليسار والعلمانية على الانترنت؟

تابعونا على: الفيسبوك التويتر اليوتيوب RSS الانستغرام لينكدإن تيلكرام بنترست تمبلر بلوكر فليبورد الموبايل



رأيكم مهم للجميع - شارك في الحوار والتعليق على الموضوع
للاطلاع وإضافة التعليقات من خلال الموقع نرجو النقر على - تعليقات الحوار المتمدن -
تعليقات الفيسبوك () تعليقات الحوار المتمدن (0)


| نسخة  قابلة  للطباعة | ارسل هذا الموضوع الى صديق | حفظ - ورد
| حفظ | بحث | إضافة إلى المفضلة | للاتصال بالكاتب-ة
    عدد الموضوعات  المقروءة في الموقع  الى الان : 4,294,967,295
- السيادة السورية شاردة قانونية في مأزق أميركي..
- -الأمة السورية- و علم الوطن
- الأمن القومي الأميركي و ذاكرة الرمال
- قراءات لواقع حزين يتسع للبغدادي كبطل
- رياح الشرق الأوسط الجديد
- ظاهرة المستقلين من تناقضات ثورة الديمقراطية
- تحفظات على مفاهيم لا ثورية
- على الارض السورية ما يستحق الحياة
- سوريا -على قيد الحياة-
- سوريا ضحية صراعات لا اخلاقية
- الحر يموت في سوريا : لنرفع الراية البيضاء على الجبهتين
- لمن يرفض جنيف 2 : بأي سيف تضربون ؟
- الفتوحات الإنسانية السورية
- بين ديكتاتورية الأسد و ثورة اللاديمقراطية نختار حق -اللاختيا ...
- من الرعاعية الى المواطنة الثورة السورية الممنوعة
- الضربة العسكرية لا تكفي
- القطب الواحد
- إلى من باعوا الثورة و إلى من اشتروها منهم


المزيد.....




- إليكم كل ما تحتاجون لمعرفته حول موافقة إدارة الغذاء والدواء ...
- وزير خارجية السعودية: نرفض خطط وإجراءات إسرائيل بإخلاء منازل ...
- شاهد.. آثار تبادل إطلاق الصواريخ بين غزة وإسرائيل
- البرازيل توقف استخدام لقاح -أسترازينيكا- للحوامل بعد رصد حال ...
- تضرر مدارس جراء القصف الإسرائيلي المتواصل على غزة
- المبعوث الأممي إلى اليمن يغادر منصبه قريبا
- الحكومة الروسية: الأسلحة القائمة على المبادئ الفيزيائية الجد ...
- منظمة التعاون الإسلامي تدين هجمات إسرائيل ضد الفلسطينيين
- إرث أسطورة الريغي بوب مارلي لا يزال حياً رغم مرور 40 عاماً ع ...
- إرث أسطورة الريغي بوب مارلي لا يزال حياً رغم مرور 40 عاماً ع ...


المزيد.....

- التحليل الماركسي للعرق وتقاطعه مع الطبقة / زهير الصباغ
- البحث عن موسى في ظل فرويد / عيسى بن ضيف الله حداد
- »الحرية هي دوما حرية أصحاب الفكر المختلف« عن الثورة والحزب و ... / روزا لوكسمبورغ
- مخاطر الإستراتيجية الأمريكية بآسيا - الجزء الثاني من ثلاثة أ ... / الطاهر المعز
- في مواجهة المجهول .. الوباء والنظام العالمي / اغناسيو رامونيت / ترجمة رشيد غويلب
- سيمون فايل بين تحليل الاضطهاد وتحرير المجتمع / زهير الخويلدي
- سوريا: مستودع التناقضات الإقليمية والعالمية / سمير حسن
- إقتراح بحزمة من الحوافز الدولية لدفع عملية السلام الإسرائيلى ... / عبدالجواد سيد
- مقالات ودراسات ومحاضرات في الفكر والسياسة والاقتصاد والمجتمع ... / غازي الصوراني
- استفحال الأزمة في تونس/ جائحة كورونا وجائحة التّرويكا / الطايع الهراغي


المزيد.....
الصفحة الرئيسية - مواضيع وابحاث سياسية - لمى الأتاسي - الثورة و سوريا و حالة الانفصام العام