أخبار عامة - وكالة أنباء المرأة - اخبار الأدب والفن - وكالة أنباء اليسار - وكالة أنباء العلمانية - وكالة أنباء العمال - وكالة أنباء حقوق الإنسان - اخبار الرياضة - اخبار الاقتصاد - اخبار الطب والعلوم

الصفحة الرئيسية - دراسات وابحاث في التاريخ والتراث واللغات - نافذ الشاعر - الدروز في القرآن















المزيد.....


الدروز في القرآن


نافذ الشاعر

الحوار المتمدن-العدد: 3967 - 2013 / 1 / 9 - 17:29
المحور: دراسات وابحاث في التاريخ والتراث واللغات
    


نشأة الدروز:
من الأمور المحيرة حقا أن فرقة الدروز لم ترد في كتاب "الملل والنحل" للشهرستاني، الذي أدرك النصف الأول من القرن السادس الهجري. كما أنها لم ترد في كتاب "الفرق بين الفرق" للبغدادي، الذي توفي في القرن الخامس الهجري عام 429هـ، في حين أن الحاكم بأمر الله توفي في مطلع القرن الخامس الهجري عام 411هـ، كما لم يرد اسم الحاكم بأمر الله في كلا الكتابين أيضا، وهذا شيء محير حقا؟

والحاكم بأمر الله هو الشخصية التاريخية الأولى التي شعر الدروز معها بالتماهي والاتحاد، فقد كان شخصية شاذة ومتناقضة بكل المقاييس، هي أقرب إلى شخصية العقيد معمر القذافي إن طلبنا لها نظيرا ومقياسا في العصر الحديث..
ولقد بدأ المنافقون يظهرون في جماعات صغيرة لتختفي وتحل مكانها جماعة أكبر وبمسميات أخرى، إلى أن جاءت الفرقة الإسماعيلية الباطنية التي ظهرت في القرن الثالث الهجري، والتي انبثقت نحلة الدروز منها، حتى وصل الأمر إلى زمن الحاكم بأمر الله الذي ظهر الدروز في عصره فاحتضنهم وتولى رعايتهم، وكان هو مصدر قوتهم ونشاطهم..

ويعتبر (حمزة بن علي) هو كاتب رسائل الحكمة ومهندس النحلة الدرزية، وهو فارسي الأصل قدم مصر سنة 405هـ، وكان على درجة عالية من الفلسفة والعلم وتقرب من بلاط الحاكم بأمر الله، حتى قربه منه وبدأ يكتب الرسائل ويفلسف الأفعال غير المنطقية والشاذة للحاكم بأمر الله، فأعجب به الحاكم وقربه منه وأغدق عليه الأموال وبدأ يزداد نشاطه في الدعوة وفي كتابة رسائل الحكمة الدرزية.

واجتمع مع (حمزة بن علي) في هذه الأثناء شخص آخر هو محمد بن إسماعيل المشهور بنشتكين الدرزي، الذي سرعان ما قربه إليه الحاكم بأمر الله، ووصل إلى أعلى المراتب، وأغدق عليه الأموال وجعل في يده كثيرا من الصلاحيات، لكنه لم يكن ضليعا في الفلسفة والكتابة والتأليف مثل (حمزة بن علي)، وكان نشتكين صديق حمزة واتفقا فيما بينهما على إعلان عقيدة تأليه الحاكم بأمر الله، بعد الانتهاء النهائي من هندستها ووضع اللبنات الأخيرة لها، وأخذ حمزة يقيم هذا البناء بتؤدة وذكاء شديد، إلا أن نشتكين تسرع في الإعلان عن هذه العقيدة قبل أن يأذن له حمزة، وأعلن عن النحلة الجديدة القائلة بتأليه الحاكم بأمر الله، مما أدى إلى خلاف شديد بينهما، فانقطعت الصلة بينهما وتحولت الصداقة إلى حرب وعداوة، وأصبح (حمزة بن على) لا يذكر اسم (نشتكين) في كتبه إلا ألحق به لقب "درزي" حتى لصق به، حيث لم يكن معروفا به قبل، وعندما ذهب إلى الشام ودعا إلى هذه النحلة أصبح يعرف أتباعه بالدروز..

ولم يكن نشتكين على قسط كبير من العلم والفلسفة والتأليف مثل "حمزة بن علي"، فلم يعرف عنه أي مؤلفات أو شروحات للعقيدة الدرزية إنما كان نبوغه في التطبيق العملي للتعاليم الدرزية التي حفظها عن حمزة بن علي، وكان له قدرة على مخاطبة الجماهير والتأثير بهم، والعجيب انه بالرغم من قلة درايته بالكتابة والتأليف، وضآلة حظه من العلم والفلسفة فإنه يرجع إليه الفضل في نشر المذهب الدرزي في الشام، ولولاه لما انتشر المذهب الدرزي في وادي تيم وغيره، حيث هرب إلى هناك ومكث يدعو إلى هذه النحلة الجديدة حتى هلك..
وكان من أهم الأسباب وراء اختفاء اسمه الحقيقي قصر باعه في الكتابة والتأليف حيث لم يعرف عنه أي أثر كتابي يذكر فيه اسمه الحقيقي، إنما عرفنا اسمه من خصومه الذين كانوا يبغضونه ويلقبونه بالدرزي نكاية به وسخرية منه.

اسم الدروز:
أما سبب تسميتهم دروز فهو ليس محل اتفاق بين المؤرخين، فقد قيل أنهم ينتسبون إلى محمد بن إسماعيل الدرزي، المعروف بنشتكين، الذي كان مع حمزة في تأسيس العقيدة الدرزية، فلما تسرع في إعلان إلوهية الحاكم بأمر الله، ثار الناس ضده ففر إلى الشام، وهناك دعا إلى مذهبه، وظهرت الفرقة الدرزية التي ارتبطت باسمه بالرغم من أن الدروز يلعنونه؛ لا لشيء إلا لأن "حمزة بن علي" يلعنه في أكثر من موضع من رسائله.
وقد التصقت كلمة درزي بمحمد بن إسماعيل كمذمة يُذم بها، وهذا ما تكشفه المعاجم العربية لهذه الكلمة، فقد جاء في لسان العرب:
(الدَّرْزُ واحد دُرُوز الثوب، ويقال للقمل والصِّئْبان بنات الدُّرُوز. وبنو دَرْزٍ: الخياطون والحاكَةُ. وأَولادُ دَرْزَةَ: الغَوْغاءُ. ويقال للدَّعِيِّ هو ابن دَرْزَةَ، إِذا كان ابن أَمَةٍ تُساعي فجاءت به من المُساعاة ولا يعرف له أَب، ويقال للسَّفِلَة: أَولادُ دَرْزَة كما قال الشاعر يخاطب زيد بن علي: (أَولادُ دَرْزَة أَسْلَموكَ وطارُوا) [1]
وعلى هذا فإن كلمة "درزي" لحقت محمد بن إسماعيل، كمذمة يُذم بها؛ لأن كلمة (خياط وحائك) تطلق على من يلفق الأمور وينسج الأكاذيب ويحيك المؤامرات على منوال ما ينسج الحاكة الثياب؛ وهذه الصفة هي التي وصف (حمزة بن علي) بها محمد بن إسماعيل، حيث كان يقول: (وغطريس هو نشتكين الدرزي الذي تغطرس على الكشف بلا علم ولا يقين..)[2]
كما أن كلمة "درزي" تطلق على الغوغاء والسفلة والأدعياء.. وهذا ما أطلقه المسلمون على هذه الفرقة التي ادعت إلوهية الحاكم بأمر الله، ولذلك فإن الدروز يكرهون هذا الاسم ويسمون أنفسهم "موحدون" أو "بني معروف"، ولكن اسم "دروز" لصق بهم؛ لأن مصنفي الفرق الإسلامية يطلقون على خصومهم، نكاية بهم، أشد ما يكرهون من الأسماء.
ونحن إلى غاية اليوم في أحاديثنا اليومية إذا أردنا أن نشتم شخصا أو نصفه بالخسة والنذالة قلنا عنه "إنه درزي"؟

الحاكم بأمر الله:
ربما لم يشهد تاريخ الإسلام حاكما أثار الجدل وأحاطه الغموض كما شهد تاريخ الحاكم بأمر الله، حيث يقول عنه الذهبي: (كان جواداً سمحاً، خبيثاً ماكراً، رديء الاعتقاد، سفاكاً للدماء، قتل عدداً كبير من كُبراء دولته صبراً. وكان عجيب السيرة، يخترع كل وقت أموراً وأحكاماً يحمل الرعية عليها. فأمر بكتب سب الصحابة على أبواب المساجد والشوارع، وأمر بقتل الكلاب، ونهى عن أكل المُلوخيا والسمك الذي لا قشر له. ونهى عن بيع الرطب، ومنع بيع العنب. وأمر النصارى بأن يحملوا في أعناقهم الصُلبان، وأن يكون طول الصليب ذراعاً، ووزنه خمسة أرطال. وأمر اليهود أن يحملوا في أعناقهم قرامي الخشب، وأمر بهدم جميع كنائس مصر، وبعد مدة أمر ببناء ما كان أمر بهدمه من الكنائس، ومنع النساء من الخروج في الطرق ليلاً ونهاراً، ونهى عن عمل الأحذية لهن.. وكان يحب العزلة، ويركب على بهيمةٍ وحده في الأسواق، ويُقيم الحسبة بنفسه. وكان خبيث الاعتقاد، مضطرب العقل..)[3].

وكما أثار الحاكم بأمر الله الجدل في حياته أثاره كذلك بعد موته، فقد اختفى في ظروف غامضة ولم يعرف له أثر، حيث وجدت ثيابه مزررة لم تحل، ولم يوجد فيها جسده، وقيل أن أخته دست إليه من يقتله، يقول المقريزي: (خرج ليلة فطاف ليلته كلها، ثم توجه إلى شرقي حلوان. وبقي الناس يخرجون يلتمسون رجوعه، ثم خرج خواص من بطانته فأمعنوا في الدخول في الجبل؛ فبينما هم كذلك إذ بصروا بالحمار الذي كان راكبه وقد ضربت قوائمه بسيف وعليه سرجه ولجامه. فلم يزالوا يقصون حتى انتهوا إلى البركة التي في شرقي حلوان، فنزل فيها رجل فوجد فيها ثيابه وهي سبع جباب، ووجدت مزررة فيها آثار السكاكين. وكانت ولايته خمسا وعشرين سنة وشهرا. وكسفت الشمس يوم موته. وكان جوادا بالمال سفاكا للدماء وكانت سيرته من أعجب السير..)[4]

علاقة الدروز بالحاكم بأمر الله:
ومن شدة إعجاب الدروز بالحاكم بأمر الله الفاطمي جعلوا له في عقائدهم نصيبا من القداسة والتبجيل، فجعلوه إلها تجسد على الأرض لنصرتهم ومعونتهم. لكن هذه القداسة، لم تكن شيئا أساسيا يخص الحاكم بأمر الله، إنما هي قداسة جديرة بأن تعطى لكل شخص يقوم بما قام به الحاكم بأمر الله، بدليل أنه بموت الحاكم بأمر الله انقطعت صلتهم به كشخص، ولم تفرد له كتبهم شيئا يذكر من القداسة والتبجيل. كما لم تتمحور عقائدهم على شخص الحاكم بأمر الله كما تمحورت عقائد المسيحيين مثلا حول شخصية المسيح، أو كما تمحورت عقائد الشيعة حول شخصية الحسين..
والدروز جعلت للحاكم بأمر الله هذا التبجيل من باب الزلفى والنفاق؛ وبسبب أنه تولاهم برعايته وأغدق عليهم من حمايته بما لم يكن لهم في الحسبان. وهذا التبجيل جديرا بان يعطوه لكل من أعطاهم مثل أعطى الحاكم بأمر الله.. وكل من مد لهم يد العون والسند أفردوا له في عقيدتهم شيئا من القداسة والتبجيل، كما يتضح في الحدود الخمسة لديهم:
1-العقل الكلي، وهو علة العلل الإمام الأعظم حمزة بن علي، قائم الزمان وهادي المستجيبين.
2-النفس الكلية، الذي يمتص العلم من حمزة بن علي، وهو صهره إسماعيل بن حامد التميمي.
3-الكلمة، وهو سفير القدرة، وفخر الموحدين، أبو عبدالله محمد بن وهب القرشي.
4-الجناح الأيمن، أو السابق عز الموحدين أبو الخير سلامة بن عبد الوهاب السامري.
5-الجناح الأيسر، أو التالي، الشيخ المقتنى لسان المؤمنين.

فالحاكم بأمر الله في العقيدة الدرزية هو أي حاكم قوي ذي سلطان يتبنى أفكارهم ويساندهم. وهذه النزعة النفسية لدى الدروز هي التي جعلت الدروز في فلسطين يسارعون للانخراط في الجيش الإسرائيلي ويحاربون معه جنبا إلى جنب، ويظهرون من الشجاعة والاستبسال ما لا يظهره الجيش الإسرائيلي نفسه.
وهذا مرجعه إلى النزعة المتأصلة في نفوسهم في تبجيل كل منتصر، يقوم بإعطائهم مساحة واسعة في ممارسة عقائدهم، دون فرض أي قيود على شعائرهم.

عقائد الدروز:
إذا نظرنا في عقائد الدروز وجدناها كلها تدور حول النفاق حيث أنها عقائد مرنة مطاطة تصلح لكل الظروف، وتحتمل كل الوجوه تحسبا لأي طارئ، وهذا مثل من عقائدهم:
- التوحيد:
لا يقصد بالتوحيد الدرزي نفس المقصود في التوحيد الإسلامي، فالتوحيد في الدين الإسلامي هو: "إعطاء العبادة لله وحده دون شريك"، أما التوحيد الدرزي فهو: "إعطاء العبادة للحاكم بأمر الله وحده"، وهم عندما يذكرون الحاكم بأمر الله، فإنهم يذكرون كلمة "الحاكم" فقط، أو مولانا، لأن هذه الكلمات تطلق على الله، وبالتالي يجعلوها محتملة لأي معنى، فيقول علي بن احمد السموقي: (الصلاة هي صلة قلوبكم بتوحيد مولانا، على يد خمسة حدود، والزكاة توحيد مولانا جل ذكره، وتزكية قلوبكم وتطهيرها، والصوم صيانة قلوبكم بتوحيد مولانا جل ذكره، والحج هو توحيد مولانا جل ذكره، ورب البيت هو مولانا جل ذكره في كل عصر وفي كل زمان، والجهاد الحقيقي هو الطلبة والجهد في توحيد مولانا جل ذكره ومعرفته..) [5]
(والحاكم بأمر الله هو الصورة الناسوتية للإلوهية، الأحد، الفرد، الصمد، المنزه عن الأزواج والعدد. والموحد (الدرزي) لا يعرف شيئا غير طاعة مولانا الحاكم جل ذكره، والطاعة هي العبادة، وأنه لا يشرك في عبادته أحدا مضى أو حضر، أو ينتظر،.. ومن اقر أنه ليس له في السماء إله معبود، ولا في الأرض إمام موجود، إلا مولانا الحاكم، كان من الموحدين الفائزين)[6]

فإذا كان التوحيد الدرزي هو تمجيد أفعال الحاكم بأمر الله والاقتداء بها في السر والعلن، لأن إليه المنتهى ومنه الابتداء في جميع الأمور، فإن مولانا الحاكم، له سنين كثيرة ما صلى بالناس ولا صلى على جنازة، ولا نحر في العيد، فلما تركه مولانا جل ذكره، علمنا بأنه قد نقض الحالتين جميعًا الصلاة والنحر، وقد أبطل صلاة العيد وصلاة يوم الجمعة بالجامع الأزهر، وهو أول جامع بني في القاهرة، فهذا ظاهر الصلاة ونقضها..
وكذلك هدم الصوم بكامله مدة سنين كثيرة، وأمرنا بالإِفطار في ذلك اليوم الذي يعتقد المسلمون كلهم بأنه خاتم الصوم، ولا يكون في نقض الصوم أعظم من هذا ولا أبين منه لمن نظر وتفكر وتدبر. أما الحج الذي هو المجيء إلى مكة والوقوف بعرفات وإقامة شروطه، وجميع ما يعملون به من شروط الحج؛ فهو ضرب من ضروب الجنون، من كشف الرؤوس وتعرية الأبدان، ورمي الجمار، والتلبية...
ومولانا جل ذكره قد قطع الحج سنين كثيرة، وقطع عن الكعبة كسوتها، وقطع كسوة الشيء كشفه وهتكه، ليبين للعالم بأن المراد في غيرها، وليس فيها منفعة..)[7]
وعلى هذا، فالتوحيد الدرزي معناه التوحد مع أفعال الحاكم بأمر الله، مهما كانت شاذة أو متناقضة أو غير مقبولة، ومن ثم اعتبارها تهدف إلى غاية واحدة، هي هدم الأديان جميعا وإسقاط الشرائع وتعاليم الأنبياء, وإظهار الدروز على جميع العالم..
وهذا هو هدف التوحيد الدرزي في العصر الحديث الذي يسعى لهذه الغاية الواحدة والوحيدة في هدم كل الديانات وإسقاط كافة الشرائع..

- التقمص:
يعتقد الدروز بالتقمص، الذي هو انتقال النفس بعد موتها من جسم بشري إلى جسم بشري آخر، لأن النفس لا تموت، بل يموت قميصها، ويصيبه البلي، فتنتقل النفس إلى قميص آخر.
والتقمص خلاف التناسخ الذي لا ينحصر – كالتقمص- في انتقال النفس من جسم بشري إلى جسم بشري، إنما تنتقل روح الإنسان في التناسخ إلى الحيوانات أيضا. والدروز لا يعتقدون بالتناسخ إنما يعتقدون بالتقمص فقط.

- التستر:
ويقصد به أن تكون مسلما مع المسلمين ونصرانيا مع النصارى ويهوديا مع اليهود وشيعيا مع الشيعة. وأن تصلي وتقيم الفرائض في عباداتهم، وتعترف بنبوة أنبيائهم.. فهو كمن يرتدي ثوبا أبيض أم أصفر أم أحمر أم أخضر، فجسمه هو هو إن كان صحيحا أو مبتليا، فلا يقدّم ولا يؤخر معه ذلك الثوب، ولا يغير من جسمه إلا شكله الخارجي. فالأديان تشبه الثوب ودينكم يشبه الجسد، فابقوا في قلوبكم والبسوا ما يلائم لبسه، وتظاهروا بذلك الدين غاية المظاهرة على قدر راحتكم..
تقول المستشرقة "بول هنري بوردو": (لقد أعجبت بتساهل الشعب الدرزي وإرساله صغاره إلى المدارس المارونية، وصلاته في الكنائس والجوامع على السواء، حتى يلتبس على فلاحي لبنان الإِجابة لو سئلوا: هل الدروز نصارى أم مسلمون؟!)[8]

- جهل الأنبياء:
ينكر الدروز جميع الأنبياء وينسبونهم إلى الجهل، لأن الأنبياء كانوا يشيرون إلى توحيد العدم، وما عرفوا المولى، أي الحاكم. فيجب محاربة جميع الأنبياء، أصحاب الشرائع الظاهرة آدم ونوح وإبراهيم وموسى وعيسى ومحمد.. كما يجب البراءة من شرائعهم وعقائدهم الفاسدة وأديانهم المضللة، إذ هي النار والهاوية. ولذلك فهم يقذفون الأنبياء بأسماء وألفاظ فاحشة، ولا يتركون مجلسًا إلا أكثروا فيه من التشنيع عليهم، وأكثر كراهيتهم متجهة نحو المسلمين.
أما آدم، فإنهم لا يعتبرونه أول الخلق وأبو البشر، بل هناك أكثر من آدم، ولهذا فهم ينكرون أن آدم بلا أب أو أم، أو أن آدم وباقي البشر قد خلقوا من تراب.. أما حواء، فهي ليست زوجته، وإنما هي حجته وأحد دعاته ولقبت بحواء لأنها احتوت على جميع المؤمنين.
وهناك عقائد أخرى ضربنا عنها صفحا خوف الإطالة، وما ذكرنا هنا من العقائد كافيا للدلالة على ما ذهبنا إليه في الدوافع التي تختفي وراءها عقائد الدروز..

الدروز والتكيف:
إننا لو أردنا كلمة جامعة تلخص عقيدة الدروز فلن نجد كلمة أدق من (التكيف) تلخص هذه العقيدة، فالتكيف هو المحور الأساسي الذي تدور حوله عقيدة الدروز.
فمثلا يظهر (التكيف) في عقيدتهم في الأنبياء والأئمة، حيث أن الأنبياء والأئمة هم شخص واحد ظهر في صور متعددة، متكيفا مع الزمان الذي ظهر فيه؛ فآدم، ونوح، وإبراهيم، وعيسى، ومحمد.. ظهروا في هذه الصور الآدمية المختلفة وفي عصور متفاوتة، مناسبا للعصر الذي ظهر فيه، ولكنهم جميعًا شخص واحد.
ويبدو التكيف في اعتقادهم بتقمص الأرواح، حيث تتقمص روح الإنسان عند موته جسد إنسان آخر؛ لأن الروح بعد أن بلى جسدها ولم يعد قادرا على حملها، ذهبت فتقمصت جسدا آخرا بمثابة قميص، وكلما بلي قميص انتقلت إلى قميص آخر..
وكما تنبذ النفس جسدها الضعيف وتفارقه إلى جسد آخر مولود حديثا، كذلك هم ينبذون الحكومات الضعيفة وينضوون تحت لواء الحكومات القوية. وهذا هو سلوكهم الشهير عبر التاريخ، حيث أنهم يوالون كل قوي، وسرعان ما ينبذون الحكومة الضعيفة المنهزمة التي كانوا خاضعين لها، وينضوون تحت لواء الحكومة الجديدة القوية التي بدأت تحل مكانها. فقد والى الدروز عبر تاريخهم كل من الصليبين والمغول والمماليك والعرب والعثمانيين والانجليز والقوميين واليهود..
وهذا يدل على أنهم نماذج بشرية متلونة تسعى دوما للتكيف مع الأوضاع الاجتماعية المتغيرة.
فالدروز ليست لديهم ثوابت ودينهم دين متحول ومتبدل حسب المناسبات، وعندما انفصلوا عن المسلمين فقد كان أبرز شيء في هذا الانفصال هو التخلي عن الثوابت التي كانت بمثابة عوائق وسدود تحول دون تأقلمهم مع أي وضع مهما كان، فقد تخلوا عن الصلاة والمساجد والكعبة والأنبياء وكافة التشريعات إلا ما يتماشى مع مذهبهم، وأحيانا إذا اقتضى الأمر أقاموا المساجد وصلوا بها وحفظوا القرآن لو كان في ذلك حفظا لكيانهم، كما فعل الأمير السيد جمال الدين عبد الله التنوخي، الذي جوّد القرآن وتلاه غيبا، وأمر بعمارة المساجد وتجديد الجوامع وإنشاء الأوقاف، وأقام الخطب أيام الجمعات في كل قرية.. وفي نفس الوقت قام بشروحات سرية لرسائل الحكمة يحذر الاطلاع عليها إلا لشيوخ الطائفة..

فهم يعتبون أن شعائر الديانات الأخرى بمثابة هيئات خارجية يلبسها الشخص على جسده حسب الظروف؛ كما يلبس الثوب الملون في المناسبات المختلفة، لأن هذه الأثواب لا تؤثر في حقيقة الجسد، إنما هي فقط مظاهر وأشكال خارجية، فلا مانع من لبسها وخلعها حسبما تقتضي أحوال الشخص والضرورة المحيطة به.

الدروز والنفاق:
تحدث القرآن عن النفاق والمنافقين فيما يربو على ثلاثين موضعا، وكنت دوما أعجب عندما أقرأ القرآن الكريم وأجده يستفيض في ذكر أوصاف المنافقين، وكنت لا أرتاح لتعريف النفاق الكلاسيكي الذي يقول: إن المنافق هو من يظهر الإيمان ويبطن الكفر، أو هو من يظهر خلاف ما يبطن..
كنت على يقين بأن المنافقين جماعة لابد وأن تكون معروفة ويعيشون بيننا، ومع ذلك لا أحد يجزم بأنهم هم المعنيون بآيات النفاق في القرآن الكريم. كما كنت أعتقد أن القرآن الكريم، لا يقصد من حديثه عن المنافقين شخصيات أمثال (عبدالله بن أبي ابن سلول) وغيره، الذين عرفوا حين نزول الوحي وكفى، ثم يغلق الباب وينتهي الأمر في جماعة المنافقين.. كنت أعتقد أنه لابد أن يكون للمنافقين شأن أكبر من ذلك بكثير..
وكلما قرأت القرآن الكريم ومررت بآية من الآيات التي تتحدث عن النفاق أحاول أن أطبق هذه الآية في الواقع من حولي، فلا أجد الفئة التي أرتاح لها؛ فأجزم أنها الفئة التي وسمها القرآن الكريم بالنفاق..
اعتقدت أحيانا بأن المنافقين هم (الفنانون) ثم تخليت عن هذا الاعتقاد؛ وإن كان في (الفنانين) خصلة من خصال المنافقين.. ثم اعتقدت بأنهم الدبلوماسيين لكي تخليت عن هذا الاعتقاد لاحقا، وإن كنت أعتقد أن في الدبلوماسية والدبلوماسيين خصلة من خصال المنافقين..
وبقيت على هذه الحيرة سنين إلى أن راجعت نحلة الدروز مرة أخرى بعد أن درستها في مرحلة سابقة تربو على ست عشرة عاما، فلم أفهمها حق الفهم حينذاك، فلما عدت لدراستها من جديد، تبين لي، بما لا يدع مجالا للشك، بأنهم المعنيون بالمنافقين في القرآن الكريم في العصر الحديث، وأنه لا توجد نحلة من النحل أو جماعة من الجماعات جمعت في طياتها خصال المنافقين بحذافيرها كما جمعتها نحلة الدروز.

هذا مع العلم بأن النفاق تتصف به نماذج بشرية موجودة بيننا منذ بدء الخليقة، وهذا النموذج من البشر لازال يتكرر في كل العصور والأزمان.
أما في العصر المدني من البعثة النبوية فقد بدأت تنبت بذور النفاق ووجدت أرضا خصبة لها. لكن بسبب قوة شوكة الإسلام، بدأ نبت النفاق ينمو تحت التربة شيئا فشيئا ويستوي على سوقه، وأصبح تطبيقه العملي موكولا للشخص نفسه، يتصرف فيه بوحي شخصيته وطبيعته وغريزته، دون الرجوع إلى دساتير ومواثيق مكتوبة ومدروسة، حتى تم صياغته كنحلة لها شعائر وطقوس على يد "حمزة بن علي" ونشتكين الدرزي، فعرفت فيما بعد بالديانة الدرزية.
ثم وضحت نزعة النفاق وتبلورت في الدروز، مع مرور الزمن، على يد بعض المفكرين والكتاب والساسة الدروز الذين ظهروا على مدار التاريخ، وجعلوا يكتبون شروحا وتفسيرات جديدة تلائم الواقع السياسي المتغير، من أمثال السيد جمال الدين عبد الله التنوخي، وكمال جنبلاط، وسامي مكارم وغيرهم..

والدروز أول فرقة تجعل من النفاق (نحلة) لها شعائر وعبادات وأوراد وأذكار، كما أنها قامت بتأييد عبادة الأصنام التي كانت في الجاهلية، من خلال جدل فلسفي طويل، مستعينة في ذلك بكل ما لدى التراث الإنساني من فلسفة وحكمة..
وعبادة الأصنام في العصر الجاهلي جاءت لدى الدروز بثوب جديد، حيث أنها قامت بتأليه الحاكم بأمر الله، وأقرت مبدأ جديدا اسمه مبدأ (التجلي) والذي يعني: تجلي الله في صورة الإنسان لان العالم الروحاني يستحيل الإيمان به إن لم يدل عليه العالم المحسوس؛ فكان من عدل الله أن يترك الله عرشه وسماءه السابعة ويتقرب من عباده.
فالتجلي بهذا المفهوم عبارة عن تجسيد الله أمام الإنسان في صورة محسوسة كي يعبد الله على يقين؟
وهذا هو مبدأ الجاهلية الأولى التي كانوا يقولون عن عبادة الأصنام، ما نعبدهم إلا ليقربونا إلى الله زلفى، وهذه بذور فلسفة الجاهلية التي لم تكن قد نضجت بعد أيام البعثة المحمدية، إلى أن جاء الدروز وجعلوا منها فلسفة وشعائر وطقوس ذات بناء فلسفي عميق.

ولا يحسبن أحد أن النفاق يقتصر على النحلة الدرزية فقط، إنما ينطبق على كل من حذا حذوهم وإن لم يكن درزيا أو ينتسب إلى الملة الدرزية نفسها، كما يقول جنبلاط: (الدرزي ليس اسما موقوفا على من نسميهم الدروز، أو على النحلة الموجودة في لبنان، أو في جبل العرب بسوريا، أو في إسرائيل، أو تركيا أو حتى شمال باكستان.. بل الدرزي هو كل توحيدي، وقد يكون الدروز منتشرين تحت مسميات أخرى في كافة أديان العالم، يمثلون بالتالي أكثر من ربع البشرية..)[9]

----------------------------
حواشي:
[1] لسان العرب مادة درز
[2]رسالة الغاية والنصحية
 معنى القتل صبرا القتل بالسيف من غير عراك بل تضرب عنقه مكتوفا.
[3]تاريخ الإسلام للذهبي ج28/ 283
[4] المقريزي: اتعاظ الحنفاء بأخبار الأئمة الفاطميين الخلفاء ج1/132
[5] رسالة التحذير والتنبيه، ص 45
[6] رسالة "ميثاق ولي الزمان"
[7] النقض الخفي، ص 13
[8] بول هنري بورد : أميرة بابلية لدى الدروز ، ص 74.
[9] كمال جنبلاط: هذه وصيتي، 54-55






قناة الحوار المتمدن على اليوتيوب
واقع ومستقبل اليسار العالمي والعربي حوار مع المفكر الماركسي الفلسطيني غازي الصوراني
حول آفاق ومكانة اليسار ، حوار مع الرفيق تاج السر عثمان عضو المكتب السياسي - الحزب الشيوعي السوداني


كيف تدعم-ين الحوار المتمدن واليسار والعلمانية على الانترنت؟

تابعونا على: الفيسبوك التويتر اليوتيوب RSS الانستغرام لينكدإن تيلكرام بنترست تمبلر بلوكر فليبورد الموبايل



رأيكم مهم للجميع - شارك في الحوار والتعليق على الموضوع
للاطلاع وإضافة التعليقات من خلال الموقع نرجو النقر على - تعليقات الحوار المتمدن -
تعليقات الفيسبوك () تعليقات الحوار المتمدن (0)


| نسخة  قابلة  للطباعة | ارسل هذا الموضوع الى صديق | حفظ - ورد
| حفظ | بحث | إضافة إلى المفضلة | للاتصال بالكاتب-ة
    عدد الموضوعات  المقروءة في الموقع  الى الان : 4,294,967,295
- التشابه بين الثورات القديمة والمعاصرة (2)
- التشابه بين الثورات القديمة والمعاصرة (1)
- العلاقة بين الترجمة والتمثيل
- مفهوم الميثاق في سورة المائدة
- مفهوم الفتح في سورة الفتح
- التعرّف لا التعارف
- دوافع التطرف في العصر الحديث
- البهائية ونشأت العقائد الدينية
- كيف تنشأ العقائد الدينية (الشيعة نموذجا)
- خلق لكم من أنفسكم أزواجا
- في الجنة زواج لا نكاح
- الفرق بين النكاح والزواج في القرآن
- مثنى وثلاث ورباع..
- التشات والمسنجر والفيسبوك
- ميرزا غلام أحمد (1)
- في بلاد الحرمين (4)
- في بلاد الحرمين (3)
- مفهوم النسخ في القرآن
- في بلاد الحرمين (2)
- في بلاد الحرمين (1)


المزيد.....




- مصدران: السودان يرسل أول وفد رسمي إلى إسرائيل الأسبوع المقبل ...
- قائد عسكري عراقي يعلق على أنباء استهداف مركز للموساد شمالي ا ...
- واشنطن تنضم لعدد من الولايات في تعليق لقاح -جونسون آند جونسو ...
- شاهد: لليلة الثانية على التوالي.. مواجهات مع الشرطة في مينيا ...
- مرضى الأيدز في اليمن.. مأساة تتفاقم بسبب الكورونا والحرب
- أول حكمة في الدوري الألماني تتزوج صديقها حكم الدوري الإنجليز ...
- إيران: نتوقع تخصيب اليورانيوم إلى مستوى 60% الأسبوع القادم
- فرنسا: ننسق مع الدول الكبرى للرد على إيران بعد رفعها مستوى ت ...
- تقرير: غالبية مرضى -كوفيد 19- بالرعاية المركزة في البرازيل م ...
- سوريا .. إصابة 6 أطفال بانفجار -جسم غريب- أثناء لعبهم في ريف ...


المزيد.....

- تشكُّل العربية وحركات الإعراب / محمد علي عبد الجليل
- (ما لا تقوله كتب الاقتصاد) تحرير: د.غادة موسى، أستاذ العلوم ... / محمد عادل زكى
- حقيقة بنات النبى محمد / هشام حتاته
- كيف ومتى ظهرت العربية بصورتها الحالية / عزيزو عبد الرحمان
- الحلقة المفرغة لتداول السلطة في بلدان الوطن العربي و العالم ... / محمد عبد الشفيع عيسى
- دور الزمن في تكوين القيمة / محمد عادل زكى
- مستقبل اللغات / صلاح الدين محسن
- ألدكتور إميل توما وتاريخ الشعوب العربية -توطيد العلاقات الاج ... / سعيد مضيه
- نقد الاقتصاد السياسي، الطبعة السادسة / محمد عادل زكى
- التاريخ المقارن / محسن ريري


المزيد.....

الصفحة الرئيسية - دراسات وابحاث في التاريخ والتراث واللغات - نافذ الشاعر - الدروز في القرآن