أخبار عامة - وكالة أنباء المرأة - اخبار الأدب والفن - وكالة أنباء اليسار - وكالة أنباء العلمانية - وكالة أنباء العمال - وكالة أنباء حقوق الإنسان - اخبار الرياضة - اخبار الاقتصاد - اخبار الطب والعلوم

الصفحة الرئيسية - العلمانية، الدين السياسي ونقد الفكر الديني - سعيد الوجاني - الحركة الاسلامية في لبنان ( 4 )















المزيد.....



الحركة الاسلامية في لبنان ( 4 )


سعيد الوجاني
كاتب ، محلل سياسي ، شاعر

(Oujjani Said)


الحوار المتمدن-العدد: 3935 - 2012 / 12 / 8 - 20:21
المحور: العلمانية، الدين السياسي ونقد الفكر الديني
    



يشكل بروز الحركات السلفية في لبنان ظاهرة ملفتة بسبب حداثة عهدها بين مثيلاتها في الاقطار العربية والدول الاسلامية المجاورة . ولئن ظهرت هذه الحركات في لبنان بالتزامن مع اخرى مثيلة في بلدان كمصر وسورية والعراق والأردن ، او باحتضان منها ، فهي بقيت هامشية حتى السنوات الاخيرة ما قبل الحرب الاهلية . فقد تميز لبنان تاريخيا بين دول الشرق الاوسط ، بعمق علمانيته و تغريبه الثقافي ، وشهد من ناحية ثانية ، بدءا من منتصف السبعينات ، تجربة خاصة من الحرب الاهلية ، بدا لفترة انها فتحت آفاقا واسعة -- على الرغم من خصوصيتها ( وجهها الطائفي الذي تلبس محتواها القومي والطبقي ) -- امام نضال ذي قيادة علمانية ( وهذا ما بدا وان خجولا في برنامج الحركة الوطنية الاصلاحي لعام 1975 ) في المعسكر المعادي للرجعية المارونية . اما اليوم وفي هذا المعسكر بالذات ينمو الطرح السلفي الاسلامي على حساب القوى ذات الطبيعة العلمانية اساسا ، وفي الصراع معها وأبرزها ( الحزب الشيوعي اللبناني ) الذي دخل النفق المسدود ايديولوجيا وتنظيميا بعد انقلابه على الثوابت التي دافع عنها طيلة مدة الحرب الاهلية وبعدها ، وهو ما جعل من الحزب الذي فقد زخمه الستاليني في سبعينات القرن الماضي ، يتحول الى واجهة من واجهة الارتداد المنفذ بمسميات الاصلاح الفارغ المضمون .
فلا بد اذن من البحث في الشروط التي هيأت لنمو هذه الظاهرة لوضعها في حجمها الحقيقي ، وهي شروط تتعلق اساسا بما افرزته الحرب الاهلية اللبنانية على مستويات مختلفة ، سياسيا واجتماعيا واقتصاديا ، والذي يتميز عموما بأقصى درجات الانحطاط والتأزم . فقد تمخضت الحرب ، بعد ما يزيد من احد عشر عاما ، عن انهيار اقتصادي شامل ، تمثل على الصعيد الاجتماعي ، بتعميق الفروقات الطبقية من خلال افقار ’متسارع للشرائح المتوسطة والكادحة ، بلغ حد التهافت ، مقابل اثراء فاحش لبعض الشرائح البرجوازية ، ولا سيما منها البرجوازية الرثة والطفيلية . إلا ان هذا المسار الاجتماعي ترافق مع نتائج سياسية ’مفارقة ، تمثلت من ناحية بتعميق ازمة البرجوازية ، والفشل المتتالي لمختلف تشكيلاتها ، بانقسامها المتزايد على نفسها كنتاج طبيعي لتصدع تسوياتها الطائفية السابقة ، ودخولها مرحلة الصراع العنيف بين اجنحتها المختلفة في اطار انشداد طبيعي للحفاظ على المصالح العامة للطبقة .ولم يكن هذا الانشداد لينجح في ’مبتغاه لو لم تفصح التشكيلات اليسارية ، ولا سيما الحزب الشيوعي اللبناني ، عن عجز كامل في تأطير التجذر الجماهيري في مراحل مختلفة من الحرب ، وهذا العامل الاخير يشكل الوجه الاخر للنتائج المذكورة آنفا .
في هذا الاطار يمكن فهم بروز الحركات الاسلامية ، التي نمت في مستنقع يأس الشرائح الوسيطة ، والمفقرة ، والمهمشة ، وإحباطها ازاء القطبين الرئيسيين : القيادات البرجوازية من جهة ، والحركة اليسارية الفاشلة والمتأزمة من جهة اخرى . وهذا الاتجاه بدأ يتضح في لبنان مع تفاقم الازمة لدى طرفي المعادلة السياسية ، علما بأنه في الوقت الذي استطاع فيه ممثلو البرجوازية الحفاظ على مواقعهم ، لا بل توسيعها وتدعيمها ، فان حصيلة نشاط اليسار اللبناني بشقيه القومي البرجوازي الصغير ، والشيوعي الاصلاحي ، كانت افلاسا ذريعا ، وتقهقرا كبيرا ، وهذا ما يشكل بدون شك احدى اهم النتائج السياسية السلبية للحرب ، والسبب الاساسي في انتعاش الحركات الاسلامية كبديل يجيب عن التساؤلات العامة التي ارهقت الشارع اللبناني ، وعلى رأسها كيفية ابتكار حلول الازمة الاجتماعية والسياسية والاقتصادية التي تعيش فيها الطبقات المسحوقة ، وبخاصة وضع البرجوازية الصغيرة الذي تقهقر الى ادنى مستوى القصوية والحدّية .
1 ) ولادة الحركة الاسلامية في لبنان في رحم الايديولوجية الطائفية : ان لمن المعلوم ان الايديولوجية الطائفية ، تشكل الركيزة المحورية لسيطرة البرجوازية اللبنانية منذ ظهورها على مسرح الاقتصاد والسياسة ، وهي التي على اساسها بنيت الدولة اللبنانية دستورا ومؤسسات يخدم الاقلية الطائفية ، وليس الاغلبية الشعبية . وإذا كان الشرط التاريخي لسيادة هذه الايديولوجية واستمرارها في لبنان ، هو تخلف البنية الاجتماعية ، بفعل ارتباطها بالمراكز الامبريالية ، مع ما يستتبع ذلك من بقاء لبعض البنى ، والمفاهيم الايديولوجية ، والاجتماعية البالية السابقة لعصر الرأسمالية تاريخيا ، فان تلك البنية شهدت منذ اواخر الستينات سلسلة تحولات سياسية واجتماعية ، ناجمة عن عوامل طارئة عليها ( ظهور المقاومة الوطنية الفلسطينية في لبنان ، وانعكاسات الصراع العربي – الاسرائيلي في الاقطار العربية ) ، كما عن عوامل داخلية ( تجذر سياسي واجتماعي ناتج عن ظروف اقتصادية ومتأثرة بالعامل الاول ، لدى جزء واسع من الطبقات المضطهدة ) . ان هذه العوامل التي ادت الى تفجير الوضع عسكريا في منتصف السبعينات ، شكلت فرصة مميزة لوقف سيرورة اعادة انتاج التركيبة الطائفية المستمرة منذ عام 1943 ( عام وضع " الميثاق الوطني " ، ميثاق تقاسم السلطة والحكم بين الطوائف البرجوازية ) ، كانت الفرصة مفتوحة تحديدا امام القوى الوطنية ، لتصحيح المسار والوضع المختل – وخاصة التي تنتمي الى الماركسية – ،إلا انها عجزت عن تجسيد طموحات اغلبية الجماهير على ارض الواقع مكتفية بالنضال بواسطة البيانات والبلاغات والشعارات التي كانت تفوق مردديها الذين كانوا ’مراقبين و’ملاحظين من قبل القوى المعادية ،سواء تلك المتاجرة بالإسلام او تلك المدافعة عن الكنيسة .
واذا كانت هذه المرحلة لم تنتج ’مقومات بناء بديل عن البنية البالية السابقة ، فان هذه الاخيرة استمرت بالتفتت والانهيار ، وبإفراز كل مقوماتها بمادتها الرئيسية والأساس ( العصبية الطائفية ) . وقد استطاعت البرجوازية على امتداد الحرب الاهلية ، انتاج بدائلها الخاصة ، والتي تمثلت بنمو التشكيلات الجماهيرية الطائفية ، ولا سيما حركة امل الشيعية ( لا بد من الاشارة هنا لمن لا يزال يخلط في الامر ، بان حركة امل ليست حركة سلفية ، بل هي حركة برجوازية طائفية على غرار مثيلاتها الاخرى في لبنان . فأمل لا تدعو الى اقامة " جمهورية اسلامية " او ما شابه تلك الخرافات الرجعية ، بل انها تدافع عن حصة البرجوازية الشيعية في اطار تقاسم مؤسسات الدولة بين التكتلات الطائفية البرجوازية اللبنانية ) والكتائب والحزب التقدمي الاشتراكي الجنبلاطي . واذا كان هذا الوضع مفهوما عند المحللين القارئين بين السطور ، فان عمق الازمة الاجتماعية والسياسية ما فتئ ’يخل باستقرار هذه التشكيلات ، وينحو نحو تجذير متنام للجماهير الاكثر فقرا ويأسا ، يصعب على البرجوازية السيطرة عليه .
و يلاحظ ان هذه الازمة تترافق -- في المناطق ذات الغلبة السكانية الاسلامية خاصة تلك التي تنتمي الى المذهب الشيعي ، وهي التي تعنينا في هذه الدراسة -- ، مع غياب مشروع وطني علماني تقدمي حقيقي ، ومع تراجع كامل للأحزاب اليسارية وبالأخص الماركسية عن الفعل السياسي المؤثر ، ولا سيما إثر الاجتياح الصهيوني للبنان ، وما نتج عنه من اخراج العامل الفلسطيني من دائرة الصراع الداخلي بعد ان كان يشكل موضوعيا عنصرا تقدميا في طبيعة هذا الصراع -- على الرغم من السياسة الانتهازية ازاء البرجوازية الطائفية ، وسياسة استغلال النزعات الطائفية لدى الجماهير اللبنانية اللتين مارستهما قيادة منظمة التحرير الفلسطينية . هذا بالإضافة الى تفتيت طائفي ومذهبي عملت الدولة الصهيونية على تسعيره ورعايته ، وفضلا عن الخلل الذي احدثه الاجتياح لصالح القوى البرجوازية المسيحية والاسلامية ، بما فيها تلك المعارضة للرجعية المارونية ، وذلك عبر تعمّده تجريد القوى اليسارية من سلاحها دون سواها . فعلى ارضية هذا الواقع الجديد – وفي السنوات الاربع الاخيرة التي تلت الاجتياح – بدأت الحركة السلفية من سنية وشيعية بالنمو على حساب القوى البرجوازية ، وبالاستناد الى قاعدتها الطائفية ، كما على حساب القوى اليسارية ، وتحديدا الشيوعية الاصلاحية التي كانت اصلا قد خسرت الجزء الواسع من قاعدتها – وخاصة الشيعية – لصالح القوى الطائفية .
2 ) المسؤولية التاريخية لقوى اليسار اللبناني والمقاومة الفلسطينية : ان المسؤولية الرئيسية لقوى اليسار اللبناني تقع على عاتق التنظيمات او الاحزاب الماركسية التي كانت تتمتع بثقل جماهيري مميز حتى في المناطق الشيعية ، ذلك انها القوى التي وحدها كان يتوقف عليها تأطير الحركة الجماهيرية ، وقيادتها في اطار برنامج يستجيب لمصالحها العامة ، وبالتالي التأثير في الحركات الوطنية الاخرى للبرجوازية الصغيرة وضمها الى موقع الكادحين من عمال وفلاحين وطلاب ومثقفين ثوريين في اطار جبهوي ، مع التزام المواقف الطبقية الصارمة في ما يخص العلاقة بالقوى البرجوازية المعارضة .
وهذا التحليل لا يقف عند حدود الالتزامات المبدئية والصحة النظرية ، بل ان واقع الصراع اللبناني -- الذي عشناه نحن في المغرب كطلبة في اطار الاتحاد الوطني لطلبة المغرب – منذ انفجار الحرب الاهلية ، كما الوثيرة التي نما فيها الوعي الجماهيري القومي والطبقي منذ آخر الستينات ، كانا اكثر من سانحين لتثمير تلك السياسة المبدئية فيما لو التزمتها الحركة الشيوعية الستالينية المحلية بزعامة الفقيد جورج حاوي .
بيد ان الحزب الشيوعي اللبناني ، اختار منذ بداية الحرب الاهلية ، الاصطفاف وراء البرجوازية الاسلامية المعارضة للبرجوازية المارونية ، ولا سيما من خلال تحالفه الذّيلي مع احد اقطاب البرجوازية الاسلامية ، الزعيم الدرزي الاقطاعي البرجوازي الاصلاحي كمال جنبلاط ، ومن بعده ابنه وليد المعروف بشطحاته وتقلباته السياسية ( ينام على حال ، ويصبح على اخر ) . ان هذا التحالف بذيليته المفرطة ، حتّم على الحزب الشيوعي اللبناني ، الالتزام بحدود مشاريع المعارضة البرجوازية الطائفية ، و بالتالي التكيف الدائم مع مناوراتها السياسية ضمن لعبة الصراع البرجوازي الطائفي الذي تخوضه .
وسوف يتجسد هذا الخط السياسي الانتهازي ازاء البرجوازية ، ابان المعارك التي شنتها حركة امل ضد الحزب الشيوعي والمقاومة الفلسطينية منذ عام 1979 بالأخص . فقد نمت امل في اوساط الطائفة الشيعية على قاعدة تعبئتها الشوفينية المعادية للفلسطينيين ، والرجعية المعادية للحزب الشيوعي و الشيوعيين . وقد خاض الحزب الشيوعي اللبناني معاركه بسياسة ملتبسة جدا ازاء قيادة الحركة ، حيث لم يمارس دعاوى مضادة لدعوتها الرجعية ، بل دعا الى الوحدة الدائمة معها في اطار " الصف الوطني الواحد " ، وقد خاض الحزب قتاله العسكري ضد امل ملتزما بحدود دفاعية ضيقة ، وبعقلية الصمود حتى وقْف " القتال " وليس بالعزم على الانتصار ، حتى عندما كان النصر ممكنا في مراحل القتال الاولى ، قبل ان يميل ميزان القوى تدريجيا لصالح الحركة الطائفية الشيعية والمارونية .
اما قيادة منظمة التحرير الفلسطينية ، فبعد ان لقيت ابان دخولها الى لبنان تعاطفا واسعا في اوساط الجماهير الشيعية في الجنوب ، فإنها ما لبثت ان خسرت تدريجيا هذا العطف ، نتيجة السلوك البيروقراطي القمعي ، والطفيلي لشتى اجهزة التنظيمات الفلسطينية ، حتى تحول الشعور الجماهيري الغالب نحوها ، الى عداء كان حافزا رئيسيا لنمو الحركة الطائفية الممثلة بأمل . فضلا عن ذلك فان قيادة منظمة التحرير الفلسطينية بانتهازية ومكيافيلية ،مقيتة لم تسْع يوما الى معاونة القوى اليسارية في التصدي للتيار الطائفي الشيعي ، بسبب لعبها على التناقضات البرجوازية الطائفية في تعزيز موقعها ، لا ، بل انه من سخريات " القدر " ان نمو حركة امل في سنواتها الاولى ، جرى تحت ’جنح حركة فتح ، وبفضل دعمها العسكري والمالي والسياسي . وقد بقيت علاقة امل بقيادة فتح علاقة متميزة حتى الاجتياح الصهيوني عام 1982 . ان قيادة حركة فتح بزعامة الرئيس المقتول ياسر عرفات ، كانت صاحبة تراث عريق في فن حفر القبور لقواعدها ، اضافة الى دورها في تصفية عدة كوادر شقت الطاعة عنها مثل اغتيال الرسام الكاريكاتوري ناجي العلي في لشبونة بأمر من الرئيس عرفات شخصيا ، ومحاولة اغتيال احمد جبريل مؤسس الجبهة الشعبية القيادة العامة ، اضافة الى تواطؤها مع مخابرات صدام بقتل ابو نضال في مسكنه ببغداد .
ضمن هذه الشروط الجماهيرية والسياسية ، حصل الاجتياح المذكور ، فكانت النتيجة المباشرة ، خروج منظمة التحرير والمقاومة الفلسطينية من الساحة اللبنانية ، وبالتالي من معادلة الصراع الداخلي . اما النتيجة الابعد مدى ، والتي استكملت اثناء شهور الاحتلال ، فكانت تحول الصراع الداخلي الى صراع طائفي بحث في كانتونات متقابلة جرى تعزيزها الطائفي تدريجيا . وتعرضت القوى اليسارية ( منظمة العمل الشيوعي برئاسة محسن ابراهيم الذي اختفى من الساحة كليا ، والحزب الشيوعي ) لضربة قاسية شلت الى حد بعيد قدرتهما على التأثير السياسي ، فيما هي استمرت اساسا بسياستها اللاحقة بركاب البرجوازية الطائفية ، الامر الذي لم يمنعها من التعرض لهجمات تصفوية متلاحقة من قبل الطائفية المارونية والشيعية ، كان ابرزها معارك طرابلس مع سعيد شعبان السلفي الرجعي ، والمعارك مع حركة امل ، والتصفيات اللاحقة لقياديين شيوعيين كان على رأسهم مهدي عامل على يد السلفية الفاشية .
اذن ، كان لا بد ان يتمخض الاجتياح الاسرائيلي بفعل عمليته الجراحية الاستئصالية في الجسد اللبناني ، وفي ظل غياب كلي لمشروع سياسي مضاد للمشاريع الطائفية المتداولة ، عن سيطرة القوى الطائفية على المستوى الجماهيري ، وإحياء القوى السلفية الرجعية المتزمتة الفاشية على القاعدة نفسها ، وبالإفادة من حالات التجذر الخاصة في قواعد الحركات الطائفية بالمناطق الفقيرة والمهمّشة .
3 ) عوامل راهنة اسهمت في تعزيز الحركات الاسلامية من سنية وشيعية : لقد اسهمت شروط داخلية وخارجية عديدة في النمو المتسارع للحركات السلفية في لبنان بعد عام 1982 . ان اهم هذه الشروط هي التالية :
ا – وصول كافة مشاريع الحلول لحالة الحرب بين اطراف البرجوازية اللبنانية الى طريق مسدود ، واصطدام مساعي البرجوازية المسلمة في الغالب بتصلب اليمين المسيحي الرجعي المرتهن لأجندة فرنسية امريكية وصهيونية ، وهو الامر الذي سهل دعاوى الحركات السلفية ، التي تتميز برفضها للتسويات الداخلية على قاعدة معاداتها للمعسكر المسيحي كاملا من منطلقات الدينية ، الامر الذي اهّلها كذلك للّعب على المشاعر الطائفية للجماهير المسلمة ازاء التصلب الطائفي المسيحي .
ب – الانهيار الاقتصادي الحاد ، والذي بلغ اسفل درك له في السنوات التي اعقبت خروج منظمة التحرير الفلسطينية من لبنان ،ثم النهب البرجوازي الجشع الذي حصل في غمرة هذا الانهيار ، وما انتجته هذه الحالة من افقار متزايد للشرائح الوسطى وصغار المنتجين في البلد ، ناهيكم بالمأجورين . لقد حصل كل هذا في ظل غياب اي افق لحل برجوازي على المستوى الاجتماعي ( وبالأحرى غياب اي همّ لإيجاده ) ، كما وفي غياب اي مشروع حل نقيض لممثلي الطبقات الكادحة . وقد شكلت هذه العوامل ، بالإضافة الى الازمة السياسية ، منفذا للحركات السلفية الرجعية الفاشية لتتلقّف العناصر الانهزامية ، و المتساقطة طبقيا وسياسيا ( تحول جزء من ذوي الدخل المحدود عن الاحزاب والزعامات البرجوازية ويأسها المتزايد ، كما عدم ثقتها بالقوى اليسارية وارتماءها في حضن التيارات الاسلاموية من سنية وشيعية ) .
ج – استمرار الاحتلال الاسرائيلي لجزء من الاراضي اللبنانية مع وجود عملاء الامبريالية وأعوان الصهيونية في السلطة ، وداخل المعسكر المسيحي الرجعي . وقد شكل هذان الواقعان مادة هامة في دعاوى القوى الاسلامية ، كما في نشاطها ، حيث اسهمت في مقاومة الاحتلال الاسرائيلي الصهيوني عبر عمليات عسكرية مميزة وموجعة ، واعتمدت على رجال الدين – بما يشكلونه من قدرة على التأثير الشعبي – في التحريض والتعبئة ضد الاحتلال على قاعدة اطروحات جذرية في عداءها له ، ومن موقع ديني بالطبع ( العداء لليهود ) ( الاسلام ضد اليهودية ) . وتمثلت هذه المواقف برفض اي اتفاقات او ترتيبات مع دولة اسرائيل ، والدعوة لطرد جيشها من لبنان ، ومقاتلتها حتى تحرير فلسطين والقدس ، في مقابل اطروحات البرجوازية الطائفية المسيحية المارونية وجزء من السنة ، الساعية بكافة فئاتها وراء حل سلمي على الحدود مع الدولة العبرية .
هذا وانطلاقا من الخلفية الدينية نفسها ، اتخذت الحركة السلفية دائما مواقف متصلبة ضد الحكم الكتائبي ، والحوارات المفتوحة معه ومع الرجعية المسيحية عامة ، فكان فشل هذه الحوارات يشكل دعما لطروحاتها ويحفز قدرتها على الاستقطاب .
د – اعتماد الحركة على الدعم الايراني من ناحية ، وعلى استخدام نموذج " الثورة الاسلامية " في ايران ، مثالا حيا امام الجماهير التي تعمل على كسبها ، والحال ان التأثر بالثورة الايرانية بدأ يظهر في صفوف الطائفة الشيعية منذ انتصارها في عام 1979 ، وقد انعكس ضمن حركة امل بالذات ، حيث ترعرع التيار السلفي الشيعي في البداية ، قبل ان ينشق قسم منه عن الحركة سنة 1982 ، وقبل ان يتبلور مجمل التيار بشكل مستقل عن الحركة في اطار " حزب الله " لاحقا . هذا ولا يزال للتيار السلفي نفوذ واسع داخل حركة امل ، وبشكل اكثر قوة عددا وعدة وتنظيما داخل حزب الله .
4 ) ابرز الحركات السلفية في لبنان : بدأت الحركات السلفية بالبروز على ساحة الاعلام السياسي اثناء الاجتياح الاسرائيلي ، عندما حصل اول انشقاق داخل حركة امل اثر قرار قيادتها بالمشاركة في هيئة الانقاذ الوطني بشخص نبيه بري البارون . وقد ضمت الهيئة الى جانب البارون نبيه بري ، وليد جنبلاط رئيس الحركة الوطنية آنذاك ، وبشير الجميل قائد القوات اللبنانية ، وذلك برعاية رئيس الجمهورية اليأس سركيس . وهذه الهيئة مثلت بالفعل تواطؤا مع الامبريالية الامريكية الجاهدة لإخراج المقاومة الفلسطينية من بيروت ، فانشق جناح من امل بزعامة حسين الموسوي ، نائب رئيس الحركة ، وبدعم واضح من ايران التي اعتبرت والجناح المنشق ، ان الهيئة امريكية تخدم اجندات اسرائيل . واستقر المنشقون في البقاع معلنين تشكيل " حركة امل الاسلامية " التي ستستمر على اوثق الصلات بالجمهورية الاسلامية في ايران ، كما ستكون قاعدة لنشوء " حزب الله " الذي سيشهد تطورا مشهودا في السنوات الاربع اللاحقة .
أ – حزب الله : هو التيار الاقوى والأكبر عددا بين تنظيمات التيارات الاسلامية . يجد قاعدته الاساسية حصرا في اوساط الطائفة الشيعية المتواجدة ببيروت وجنوب لبنان ، ويتزعمه رجال دين شيعة تتلمذوا على ايدي ائمة الشيعة في العراق وإيران التي خصّت عملهم منذ نشأته برعايتها المباشرة . ان من الاسماء الابرز في هذا الحزب هناك الشيخ عباس موسوي الذي قتله العقيد معمر القدافي في ليبيا ، وهناك السيد محمد حسين فضل الله المتوفى ، وكان يعد بحق الاب الروحي للحزب ، رغم انه كان يحرص دائما على تأكيد عدم علاقته بالحزب ، وهناك امينه العام المعروف بشدة الخطاب السيد حسن نصر الله ، وهناك اخرون كثيرون يعملون في الظلام ومن وراء الستار . ان من المطالب الاساسية لحزب الله رغم انه يخفيها ، اقامة جمهورية اسلامية على الطريقة الايرانية بلبنان ، ولئن اعتمد تكتيكا مرنا نسبيا في التعاطي مع هذا الطرح ، وهو تكتيك مرحلي ، اذا جاز التعبير ، فانه يعتبر ان تخطي الطائفية في لبنان هو شرط اساسي لتحقيق الجمهورية الاسلامية ، غير ان ذلك يندرج في اطار الخطاب الديماغوجي الصرف ، و’يفيد الحزب في مناوراته السياسية ، خاصة مع النظام السوري الذي رغم توجسه من النظام الايراني ، فانه لا يتردد في استعماله لتصفية حسابات اقليمية ، او ممارسة تهديدات عربية خاصة ضد السعودية ، او في تعزيز اوراق التحالفات ، ورسم القوى والتكتيكات الداخلية . وللإشارة فان حزب الله رغم اصطفافه وراء النظام السوري في مواجهة الانقلاب الذي يخوضه ضده جماعة الاخوان المسلمين ، فانه من المعروف ان النظام السوري هو اقرب في تحالفه مع منظمة امل التي كان يستخدمها في دك مخيمات الفلسطينيين وحلفاءهم ، من قربه من حزب الله المقرب استراتيجيا من ايران ومن شيعة العراق خاصة تيار مقتضى الصدر .
تطور حزب الله بشكل اساسي على حساب حركة امل التي كانت قد اصبحت حركة مهيمنة بالكامل داخل الطائفة الشيعية بعد الاجتياح الاسرائيلي في سنة 1982 ، ويلاحظ ان اهم عامل في تطوره هو الخط السياسي العام لقيادة حركة امل البرجوازية ، وعجزها الطبيعي عن تقديم حلول ملموسة للواقع الاقتصادي الذي تعيشه جماهير الطائفة الشيعية ، التي تتشكل بغالبيتها من افقر الجماهير اللبنانية . فقد سقطت كل مشاريع الحلول الوفاقية التي سعت وراءها قيادة امل تحت شعار الغاء الطائفية السياسية ، اي تأمين تمثيل اوسع للطائفة الشيعية في الادارة والدولة عامة ، بفعل التصلب اليميني المسيحي ، كما اسهم استمرار الحرب في تفاقم الوضع المعيشي للجماهير الشيعية الكادحة . هذا عدا فشل الحلول الدبلوماسية في ايجاد تسوية مع دولة اسرائيل تنسحب بموجبها من الاراضي اللبنانية .
هذا وقد تغذّى حزب الله من ضرباته للشيوعيين ، والماركسيين ، والقوميين ، والبعثيين الموالين لبغداد ، على قاعدة استناده لتخلف الوعي الجماهيري من ناحية ، وتراجع تأثير الحزب الشيوعي العام بين الجماهير الشيعية من ناحية اخرى . وقد قام حزب الله في اطار عداءه العميق للشيوعية ، باغتيال عضوين بارزين من اللجنة المركزية ، الى جانب استفزازات دائمة من شتى الانواع ترهق حزبا متخاذلا عن مواجهتا بصرامة .
ب : حركة التوحيد الاسلامي : نشأت حركة التوحيد الاسلامي عام 1982 بائتلاف ثلاثة اطراف في طرابلس شمال لبنان ( المقاومة الشعبية وحركة لبنان العربي وجند الله ) . وقد شنت الحركة منذ نشوؤها حملة لتصفية اعداءها السياسيين في المدينة بدءا بحزب البعث التابع للعراق وانتهاء بالحزب الشيوعي اللبناني ومنظمة العمل الشيوعي .
وقد تزعم الحركة الفاشي الشيخ سعيد شعبان ، وهو شيخ سلفي من الطائفة السنية التي تنتمي اليها غالبية سكان مدينة طرابلس ، التي تتحارب اليوم مع الطائفة العلوية بنفس المدينة ، بخصوص تحديد الموقف من الاشكالية السورية . استند الشيخ شعبان الى قوة الاطراف التي ضمتها الحركة ، والى الدعم المادي والعسكري الذي تلقاه من تيار ياسر عرفات في حركة فتح . فهذا الاخير سعى الى تحويل طرابلس بعد خروجه من بيروت الى قاعدة في معركته ضد النظام السوري وضد حركة الانتفاضة داخل فتح بزعامة ابي موسى ، بل ووصل به الامر الى حد مشاركة حركة سعيد شعبان في هجومها الدموي على الشيوعيين حلفاء سورية لإخراجهم من المدينة ؟
وفي نظرة سريعة الى الائتلاف الذي تشكلت منه الحركة ، تبرز " المقاومة الشعبية " كأكبر تنظيم داخلها وأكثرها نفوذا ، وكان يتزعم المقاومة خليل مكاوي ، وهو من حي باب التبانة الفقير حيث تتركز قوته الشعبية ، وقد اغتيل السيد مكاوي من قبل اجهزة الامن السورية العسكرية . هذا وتستحق اصول هذه الحركة الاخيرة التوقف عندها ، بسبب حداثة انتماءها الى التيار السلفي ، وتمايزها عنه في مواقف محددة ، بما فيها عدم الرضى عن مقاتلة الشيوعيين والماركسيين والبعثيين الموالين للعراق ، وتأمين الحماية لمن بقي منهم في المدينة .
فقد نشأت " المقاومة الشعبية " كوريثة لحركة " غضب " التي كان قد اسسها علي مكاوي ، شقيق خليل مكاوي ، قبل بدايات الحرب الاهلية اللبنانية . وكانت حركة شعبوية خارجة على القانون ، اصطدم قائدها بالسلطة اللبنانية في اوائل السبعينات ، و’اصيب اصابة بليغة استشهد على اثرها في السجن ، فتأثر اخوه به وانشأ منظمة " المقاومة الشعبية " بمساعدة بعض الماويين المنتمين لفتح ، و بالاستناد الى القاعدة الشعبية لحركة " غضب " ، وهي الجماهير البرجوازية الصغيرة المفقرة في باب التبانة . وفي اوائل الثمانينات ، بدا مكاوي بالتحول نحو الاسلام بسبب الهشاشة النظرية لحركته اساسا ،ولتأثره الشعبوي الشديد بانتصار " الثورة الاسلامية " في ايران ( هذا التحول يندرج في السياق الذي ادى بمنظر فتح الماوي بامتياز منير شفيق العضو السابق المسيحي الاصل في الحزب الشيوعي الاردني ، الى اشهار اسلامه ) . على اي حال ، فقد انفصل مكاوي عام 1984 عن " حركة التوحيد الاسلامي " وأسس " لجان المساجد والأحياء " ، ولكنه استمر في صراعه مع الاطراف المدعومة من النظام السوري ( الطائفة العلوية ) حتى جرت تصفيته بعد اقتحام القوات السورية لطرابلس في عام 1985 ، وبالتحالف مع الاحزاب التي سبق طردها من المدينة ، ولا سيما الحزب الشيوعي اللبناني .
ويمكن القول ان تأثير " حركة التوحيد الاسلامي " بشكل عام قد تراجع تراجعا كبيرا ، ليس لأنها قد ’هزمت عسكريا وحسب ، بل ايضا لاستياء قطاعات واسعة من جماهير طرابلس من الدكتاتورية الظلامية التوتاليتارية التي ارستها الحركة في المدينة خلال هيمنتها عليها ، فضلا عن اقتران الدمار الواسع الذي لحق بطرابلس من جراء المعارك ولا سيما القصف السوري ، في نظر الجماهير بمسؤولية حركة التوحيد التي اتخذت المدينة بسكانها رهائن لها .
هذا وتجدر الاشارة الى ان الدخول السوري الى طرابلس حصل اثر معارك ضارية ، توّجتها مساومة استسلامية قبلت بها حركة التوحيد مضطرة ، غير انها مساومة انقدتها من السحق الكامل ويرجع فضلها الى وساطة ايران . والحال ان سعيد شعبان ، بعد خروج عرفات ورجاله من مدينته في اواخر عام 1983 ، وتوجه الاخير ( عرفات ) الى لقاء مبارك في القاهرة ، ارتأى بانتهازية قصوى ، نقل ولاءه من عرفات الى الخميني ، وتحول فجأة الى ’مندّد بخيانة الاول وانحرافه عن الصراط المستقيم . واليوم تستند الجركة الى ايران التي يسرها ان ترى فيهم موالين لها في صفوف الاسلام السني ، وهم بالتالي ينسقون مع عملاء ايران الاخرين في حزب الله الشيعي .
اما المجموعات السلفية الاخرى في لبنان فتتواجد في جنوب لبنان وهي غير ذات تأثير كبير ، تستند بشكل اساسي الى قوة حزب الله الذي يمثل بيضة القبان بالنسبة للحركة ككل . ويمكن ذكر مجموعتين اساسيتين منها :
--- الجماعة الاسلامية : نشأت هذه في طرابلس اصلا ، حيث لا زالت تتواجد . ويقول احد قيادييها انها بدأت العمل في لبنان في الخمسينات باسم " عباد الرحمن " ، وهي جمعية خيرية اسلامية سنية ، انفصلت مجموعة عنها في الستينات لتشكل " الجماعة " تعبيرا عن تحولها للعمل السياسي . وتتواجد اليوم بشكل اساسي في مدينة صيدا ( جنوب لبنان ) . ان هذه الجماعة بالرغم من تعبئتها الدينية الاسلامية ، وعلاقاتها الطيبة مع الحركات السلفية الرئيسية ، تحمل اطروحات تتماثل مع اطروحات الاطراف البرجوازية الطائفية ، اذ هي تعتبر ان لبنان غير مؤهل اليوم لقيام دولة اسلامية ، علما بان هذا المطلب يبقى في نظرها طموحا لأي عمل اسلامي .
--- تجمع علماء المسلمين : وهو يضم رموزا دينية من الطائفتين الشيعية والسنية ، ويعتمد بشكل اساسي على التأثير الشعبي لهذه الرموز ، لكنه لا يملك قاعدة جماهيرية خاصة به . وقد تأسس خلال حصار بيروت عام 1982 ، وهو قريب من الحركات السلفية ، وله علاقة طيبة مع ايران .
5 ) آفاق الحركات السلفية وحدودها : لقد حاولنا ان نوجز في هذه الدراسة اهم ظروف نشأة الحركة السلفية والعوامل التي غدّتها ، والتي لا تزال قائمة حتى اليوم ، ومرشحة للاستمرار في ظل الغياب شبه الكامل لأفق اي حل تقدمي جذري للازمة اللبنانية المستديمة ، إلا ان هذا الحركات عينها تعاني من ازماتها الخاصة ، ان على مستوى برنامجها القصوي وحدود قدرته على التعبئة الجماهيرية ، او على مستوى علاقتها بالساحة اللبنانية الداخلية المفتّتة طائفيا ، هذا عدا عوامل ثانوية خارجية كعلاقاتها المتوترة بالنظام السوري الذي تحول الى حليف براغماتي وغير عضوي مهدد بالسقوط ، او تأثرها بالتطورات السياسية الخاصة بإيران .
فمن جهة اولى ، وعلى الرغم من الانهيار الاقتصادي الحاد وأثره على التيئيس المتزايد لشرائح تتسع باستمرار من البرجوازية الصغيرة المفقرة ، مما يفترض به ان يشكل قاعدة سانحة لتوسع هذا الحركات ، فان الخيار القصوي الذي تطرحه السلفية كحل ناجز وشامل ( قيام الجمهورية الاسلامية ) لا يبدو سهلا في الاقناع ، ويفترض علاوة على " الايمان " حدودا قصوى من الاحباط واليأس لدى معتنقيه ، والقناعة التامة بانعدام اي فرص ملموسة لتامين اكتفاء معيشي ، وضمانة اجتماعية ولو محدودين . والواقع ان ما حصل حتى اليوم ، هو التفاف اجزاء من الشبيبة ( التي لا تزال تتمتع بالنشاطية ) الى هذه الحركات ، تلك الاجزاء التي اصبحت سبل ترقيتها الاجتماعية ، شبه مسدودة في الداخل كما في الخارج ( عبر الهجرة ) .
من جهة ثانية ، فان الاحباطات المتتالية التي عانتها الجماهير اللبنانية ، بفعل الازمات المتنوعة والمتتالية ، قد وضعت غالبيتها في حالة اقرب الى التشكيك العام ، وانعدام اي ايمان بحلول سياسية ايا كانت . فيما الحركات السلفية ، وان تغدّت من الاحباط الجماهيري ، فإنها تفترض روح " الجهاد " لدى اعضاءها ، بحكم اطروحاتها الجذرية من ناحية ( اسقاط السلطة ، دحر الاحتلال ) ، وحرصها الدائم على ممارسة شعاراتها ، تأكيدا على صدقها وتمايزها عن الدجل الخاص بالأحزاب السياسية .
من ناحية ثالثة وأخيرة ، فان اسناد هذه الحركات الى " الثورة الايرانية " ، ودعمها السياسي والمادي ، يجعل ان اي ظروف مستجدة لغير صالح السلطة السلفية القائمة في ايران ، ستكون لها انعكاساتها السلبية على حلفاءها في لبنان .
والحال ان النظام السوري من موقع تحالفه الحالي مع السلطة الايرانية ، قد اكتسب مساندة حلفائها في لبنان ( حزب الله وحركة امل والجماعات الاسلامية المرتبطة بها ) ، فهو لا زال يهادن حلفاء ايران في لبنان بالرغم من ان دعاوى الحركات الاسلامية تتعارض كليا مع سياسته التوفيقية على الساحة اللبنانية كما تلتقي مع عدوته ، الحركة السلفية الاخوانية داخل سورية بالذات . ان اي تغيير للنظام السوري ، ومجيء الاخوان المسلمين الى الحكم ، سيترتب عليه تغيير في الوضع الاستراتيجي لحلفاء النظام السوري بلبنان ، وهو الامر الذي سيغير لا محالة من طبيعة القوى التي ستلعب الدور الاساس في العراك اللبناني .
يبقى ان الحضور الراهن للحركات الاسلامية في لبنان ونفوذها الهام نسبيا ، يشكلان خطرا اساسيا على الحركة الجماهيرية التقدمية ، فلا بد اذن من ابطال ودحض الاوهام القاتلة التي بثها الشيوعيون الستالينيون الإصلاحيون ، في نهجهم التوفيقي ازاء التيار السلفي الذي يصفون رموزه كوطنيين تقدميين ( وهي تسمية يرفضها الاخرون رفضا باتا وجازما ) من اجل ادانتهم في واقعهم كتيار يسعى لتحريف النضال الوطني الحقيقي ، عن مضمونه التقدمي ، لتكريس التشنجات الدينية التي طالما جهدت الصهيونية لتسريعها ، تيار ليس من شأن دعواته " الاسلامية " سوى تدعيم التفاف الجماهير المسيحية ، حتى افقرها ، حول القوى الفاشية داخل مناطقها ، تيار ظلامي توتاليتاري يهدد بدحر القليل الباقي من المكاسب الديمقراطية في لبنان ، بما في ذلك هامش التحرر الضيق اصلا للنساء ، من اجل استكمال التقهقر التاريخي للمجتمع اللبناني والعربي ( انقلاب محمد مورسي وحزب الاخوان والسلفية على مبادئ الجمهورية المصرية ورغبتهم تأسيس نظام فاشي دكتاتوري ، وانقلاب حزب النهضة على المبادئ العامة للجمهورية التونسية ومحاولته بناء دولة النهضة وليس دولة التونسيين ) . ان حربا ايديولوجية بلا هوادة ولا مهادنة ضد التيار السلفي ، لهي احد اهم الشروط الرئيسية لاستنهاض الحركة الجماهيرية التقدمية في لبنان والعالم العربي ، حربا ايديولوجية تترافق مع الاستعداد الدائم للتصدي بكل حزم لتحرشات ذاك التيار استنادا الى مبدأ " رد الصاع صاعين " قبل فوات الاوان . مع الحرص الدائم على تبيان مسؤولية التيار السلفي في تفجير اي صدام معه ، اي الحرص على تحميله مسؤوليته الحقيقية في تفجير الاقتتال ضد قوى تقف في طليعة التصدي العسكري للصهيونية والرجعية المسيحية اللتين يدعي التيار الاسلامي انه ملتزم بالقتال ضدهما .
ان هذا الحرص لضروري حيث ان الحركة الاسلامية تمارس نفوذها على قسم من المرشحين بامتياز ، ليكونوا في صفوف النضال التقدمي الجذري . فهؤلاء الذين جذبهم في التيار السلفي ، رفعه لواء القتال ضد اسرائيل ، والكتائب ومن لف لفهما ، لا بد من سلخهم عن التيار المذكور بإقناعهم بان هذا القتال على اساس ديني حضاري يقود الى طريق مسدود تاريخيا ، ويروج لعصبية تحول دون الفعالية في مواجهة الاعداء المشتركين للجماهير اللبنانية من برجوازية مارونية وبرجوازية اسلاموية وهما بحكم اصلهما تعتبران برجوازيتين طائفتين وعنصريتين . فهو على عكس ما يدعي ليس قوة " توحيد " ، بل هو قوة تفرقة في صفوف الجماهير المرشحة لخوض المعارك الوطنية .
وطبعا ، فان مثل هذا النهج الذي يجب تبنيه في وجه التيار السلفي الرجعي بشقيه الشيعي والسني ، لن يكون له زخم حقيقي ، بمعزل عن نهج اشمل يقنع الجماهير المسحوقة ، بان دعاة الوطنية والديمقراطية ، هم اصدق المدافعين عن مصالح الكادحين السياسية والاجتماعية ، والأكثر اصرارا على القتال العنيد حتى انتصارها . اما دون ذلك ، فان تضليل الاخوانيين والسلفيين والاسلامويين لجماهير واسعة بظهورهم كأكثر القوى " جذرية " مرشح على الاستمرار ، بل مرشح على التفاقم .
ان ما يصبو اليه التيار الاسلامي الشيعي او السني الرجعي المرتبط به ، حيث الارتباط بإيران هو تأسيس دولة شيعية شبيهة بالجمهورية الاسلامية الايرانية . ان دعوة حزب الله وحركة امل والتنظيمات الاسلامية السنية المرتبطة بهما ، بإلغاء النظام الطائفي الذي يعتمد العمل السياسي على اساس النسبية التي تضمن وجود الجميع ، بدل الاغلبية التي تركز الحكم في ايدي طائفة تكون اكثرية بعينها كالطائفة الشيعية ممثلة في حزب الله ، يبقى الوسيلة الناجعة للوصول الى دولة الجمهورية الاسلامية التي تذوب جميع الطوائف ضمن فضائها الثيوقراطي ، وهو الامر الذي يبشر بإحلال دكتاتورية الطائفة الشيعية على الطوائف الاخرى التي يتكون منها المجتمع . والسؤال هنا : هل سينجح حزب الله الذي تكون طائفته الاكثرية السيطرة على الدولة من خلال اعتماد الاغلبية وإبعاد النسبية ، وهو المخرج الذي لا يمكن الوصول اليه بدون الغاء نظام الطائفة الذي يحفظ لكل طائفة محاصصتها الخاصة في دواليب الدولة .
ثم هل الطوائف التي تشكل اقلية والمرتبطة بدول اجنبية مثل ارتباط المارونيين بفرنسا وأمريكا ، وارتباط سنة الحريري بدول البترودولار مثل السعودية وقطر ، سيسمحون ، اي هذه الدول الاجنبية ، بإقامة جمهورية اسلامية على الطريقة الايرانية ؟
ان المراهنة على هلال شيعي تصادمي مع السعودية بسبب المنافسة في من يمثل المقدسات الاسلامية ، اضحى من قبيل المستحيلات في حالة سقوط النظام البعثي ، وتولي الحركة الاخوانية الحكم في سورية ، وهو ما يعني ان مشروع الامتداد الايراني العراقي الشيعي والعلوي السوري وحزب الله لن يكون له مفعول بسبب اختلاط الاوراق بالمنطقة ، عند سقوط نظام البعث بسورية . كما ان الظروف الصعبة التي تمر بها ايران اليوم ، حيث ان التحليلات السياسية كلها تجمع باستفحال الازمة السياسية الايرانية ، مما سيخلق ربيعا ارانيا ثانيا بعد الربيع الاول الذي تم اجهاضه مباشرة بعد اعادة انتخاب احمد نجاد لرئاسة الجمهورية ، سيكون حاسما في تغيير وجه الجمهورية الايرانية راديكاليا باتجاه القضاء على نظام الملالي وولاية الفقيه التي تشكل اكبر دكتاتورية فاشية مستبدة تتحكم في الدولة رغم اجراء انتخابات الرئاسة وتصويت الشعب في صناديق الاقتراع والانتخابات .
ان هذا المعطى المنتظر سواء بالنسبة لنظام البعث في سورية ، او ما ينتظر ايران من تغييرات سياسية جذرية ضد ولاية الفقيه المستبد والفاشي ، سينزل بثقله على الاوضاع في لبنان ، خاصة بالنسبة لحلفاء طهران ودمشق ، من جماعة حزب الله وحركة امل ، والجماعات السنية المرتبطة بهما . وهنا فان سيف الامم المتحدة ، خاصة القرارات التي اتخذها مجلس الامن في موضوع نزع سلاح حزب الله ، تبقى سهلة للتطبيق بواسطة اسرائيل التي لن تتردد في اختلاق ذريعة بمهاجمة لبنان ، بغية تحريك مجلس الامن الذي سيكون مؤهلا باتخاذ قرارات ملزمة ، وربما تحت سقف البند السابع ، ما دام ان الهدف هو حماية اسرائيل .






قناة الحوار المتمدن على اليوتيوب
نحو يسار عربي جديد حوار مع الباحث الماركسي اللبناني د. محمد علي مقلد
واقع ومستقبل اليسار العالمي والعربي حوار مع المفكر الماركسي الفلسطيني غازي الصوراني


كيف تدعم-ين الحوار المتمدن واليسار والعلمانية على الانترنت؟

تابعونا على: الفيسبوك التويتر اليوتيوب RSS الانستغرام لينكدإن تيلكرام بنترست تمبلر بلوكر فليبورد الموبايل



رأيكم مهم للجميع - شارك في الحوار والتعليق على الموضوع
للاطلاع وإضافة التعليقات من خلال الموقع نرجو النقر على - تعليقات الحوار المتمدن -
تعليقات الفيسبوك () تعليقات الحوار المتمدن (0)

الكاتب-ة لايسمح بالتعليق على هذا الموضوع


| نسخة  قابلة  للطباعة | ارسل هذا الموضوع الى صديق | حفظ - ورد
| حفظ | بحث | إضافة إلى المفضلة | للاتصال بالكاتب-ة
    عدد الموضوعات  المقروءة في الموقع  الى الان : 4,294,967,295
- الصراع بين حزب البعث والسلفية الاخوانية في سورية ( 3 )
- التيار السلفي في مصر ( 2 )
- ملف عن السلفية الاسلاموية ( 1 )
- النخبة وزمن التّيه السياسي
- الثورة آتية لا ريب فيها
- عودة كريستوفر رووس الى المنطقة
- في الثقافة الوطنية القومية الاصيلة
- الماركسية والتراث والموقف من الدين
- تسعة واربعين سنة مرت على حرب اكتوبر . ماذا بعد ؟
- الموقع الطبقي لحركة الضباط الاحرار
- لبنان وسورية في فوهة البركان الصهيوني
- عالم آخر ممكن
- اتجاه العنف في الاستراتيجية الامبريالية الامريكية
- البنك العالمي للانشاء والتعمير في خدمة الادارة الامريكية
- ( الدولة اليهودية ) ومفهوم الحدود الآمنة
- حركة التحرر العربية : ازمة عارضة او بنيوية ؟ الربيع ( العربي ...
- الصهيونية العالمية والنازية وجهان للصهيونية الاخوانية
- ميكانيزمات التحكم في القرار السياسي بالبلاد العربية
- في بناء الحزب العمالي الثوري (منظمة الى الامام) ( وجهة نظر )
- الطائفية الورم الخبيث بالوطن العربي


المزيد.....




- خالدة جرار.. أسيرة فلسطينية تخوض الانتخابات من سجن إسرائيلي ...
- الاتحاد العالمي لعلماء المسلمين يؤكد إصابة الشيخ القرضاوي بك ...
- إصابة الشيخ يوسف القرضاوي بفيروس كورونا
- إصابة الشيخ يوسف القرضاوي بفيروس كورونا وإعلان تفاصيل وضع حا ...
- إصابة يوسف القرضاوي بفيروس كورونا.. وصفحته على تويتر تؤكد: ب ...
- ريبورتاج 4/4: مفكر إسلامي يتخلى عن الدعوة ويتفرغ للتدريس بسب ...
- تقرير: الصندوق القومي اليهودي وشركات وهمية أذرع للاحتلال للس ...
- إصابة يوسف القرضاوي بفيروس كورونا والكشف عن وضعه الصحي
- إصابة يوسف القرضاوي بفيروس كورونا والكشف عن وضعه الصحي
- توجبهات قائد الثورة الاسلامية الى قوات الجيش الايراني


المزيد.....

- الطاعون قراءة في فكر الإرهاب المتأسلم / طارق حجي
-  عصر التنوير – العقل والتقدم / غازي الصوراني
- صفحات من التاريخ الديني والسياسي للتشيع / علي شريعتي
- أوهام أسلمة الغرب عند المسلمين / هوازن خداج
- جدل الدنيوية العقلانية والعلمانية الإلحادية / مصعب قاسم عزاوي
- كتاب النصر ( الكتاب كاملا ) / أحمد صبحى منصور
- الماركسية والدين / ميكائيل لووي
- الجيتو الاسلامى والخروج للنهار / هشام حتاته
- الكتاب كاملا :( مسلسل الحُمق في ذرية : علىّ بن أبى طالب ) / أحمد صبحى منصور
- خَلْق الكون في مقاربته القرآنية! / جواد البشيتي


المزيد.....


الصفحة الرئيسية - العلمانية، الدين السياسي ونقد الفكر الديني - سعيد الوجاني - الحركة الاسلامية في لبنان ( 4 )