أخبار عامة - وكالة أنباء المرأة - اخبار الأدب والفن - وكالة أنباء اليسار - وكالة أنباء العلمانية - وكالة أنباء العمال - وكالة أنباء حقوق الإنسان - اخبار الرياضة - اخبار الاقتصاد - اخبار الطب والعلوم

الصفحة الرئيسية - الادب والفن - خيري حمدان - نقاط وفواصل 4














المزيد.....

نقاط وفواصل 4


خيري حمدان

الحوار المتمدن-العدد: 2890 - 2010 / 1 / 16 - 12:47
المحور: الادب والفن
    


كاتب
صبّ روحه في نصٍّ طويل في عدد صفحاته، قصير في الطريق نحو قمّة الإبداع الإنسانيّ، وكان يتمنّى من كلّ قلبه أن يلقى كتابه مصيرًا شبيهًا بمصير رباعيات الخيّام، حتى وإن أدّى ذلك إلى اختفاء عمله في غياهب النسيان دهرًا من الزمن!

كتب بشهد الروح وكانت النقاط تتوالى تترى، والفواصل كشظايا القذائف ملأت نهاره المُثْقَلْ بهموم الإنسانيّة. كتابٌ أمضى في إنشائه ووضعه العمر كلّه، وكان يحمل عنوان ((تلك الحكاية)).

تمكّن أخيرًا من نشره، وكان يتوقّع نجاحًا ساحقًا وقراءة منقطعة النظير، وبعد مضيّ شهرٍ من عمر الأبديّة، ذهب ليتفحّص مستوى المبيعات، وتفاجأ حين أخبروه بأنّ مجمل المبيعات تجاوز خمسة نسخ! بعد ذلك ازدادت دهشته لتتحوّل إلى صدمة كادت تودي بحياته، ولولا رحمة الله لأصبح عبئًا على أهله وعائلته. اضطرّ بعد ذلك إلى خفض ثمن الكتاب حتّى النصف بل وأكثر، ليستردّ على الأقل رأس ماله، وفي نهاية المطاف بيع الكتابُ لمحلات الفلافل، واستفاد منه الكثيرون في لفّ الفلافل ومسح المؤخّرات العربية القارئة للطالع وأخبار النجوم في المراحيض! أمّا هو فقد تمكّن من فتح دكّان صغير لبيع الفلافل، وساعد بدوره زملائه الكتّاب، إذ اشترى مئات الكتب وأخذ يمزّق صفحاتها بدوره للفّ الفلافل والقضامة والترمس!

مستشرق
حضر إلى منطقة الشرق الأوسط، وكان يسعى للاستفادة من عطاءه وكرمه. كان قد تعلّم العربية لدى أساتذة متخصّصين، وكان هذا الشاب واعدًا وطموحًا. سرعان ما اندسّ بين الجموع ولم يتردّد لحظة واحدة في تبادل الآراء وزيارة أصدقاءه الجدد. وكان ذات الوقت يزور الجامعة، ويتابع المحاضرات ويتّبع نصائح أساتذته وزملاءه. دعاه صديقٌ عربيّ لزيارة مكتبة لبيع الكتب، قرأ هناك الكثير من العناوين البرّاقة، لكنّ صاحبنا كان يبحث عن شيءٍ آخر، كان يبحث عن عنوانٍ ساحر مختلف، ولم تعجبه الأعمال التي بدت في عناوينها مشابهة للأدب العالمي المعاصر، فالقتل والعشق والعربات السريعة وحياة البذخ لا تجذبه ولا تشبع فضوله. تعب صاحب المكتبة من هذا الزبون ثقيل الظلّ، وعرض عليه أخيرًا بعض الكتب الرخيصة، بل والرخيصة جدًّا. عرض عليه علبة كبيرة تحتوي على ثلاثين كتابًا لا يتجاوز ثمنها عشرة دنانير فقط! فرح المستشرق بهذا الصيد الثمين واشتراه على الفور، ولو طلب البائع مائة دينار لدفعها دون تردّد. ذهب إلى بيته الصغير في أحد أحياء المدينة الفقيرة، وأخذ يطالع الكتب بشغف، أخيرًا وقعت عينيه على كتابٍ يحمل عنوان ((تلك الحكاية))، قرأ الصفحات الأولى منه، وسرعان ما غرق في القراءة، ولم يترك الكتاب حتى أنهى الصفحة الأخيرة.

كانت الدموع تملأ عينيه، هزّ الكتابُ كيانَه، وأثّر به إلى حدٍّ بعيد. عندها أمسك المستشرق قلمه وبدأ يخطّ كتابًا أهداه إلى زميله، الأديب الذي كان يبيع الفلافل ليس بعيدًا عن مكان إقامته، نشر المستشرق مؤلّفه بعد عام في وطنه، وتمكن من بيع ما يقارب نصف مليون نسخة خلال العام الأوّل، وأخذت الصحف تتحدث عن مؤلفه وأجرت معه أحاديث مطوّلة. لم ينسَ المستشرق بالطبع ذلك الكتاب الذي لم يتجاوز ثمنه ملاليم معدودة، وبقي وفيًّا حتى الثمالة لزميله الشرقيّ.

سبق صحفيّ
بعد سنوات، قرأ صحفيّ جريء الإهداء الغريب الذي زيّن الصفحة الأولى من كتاب صديقه. اتّصل به ورجاه أن يخبره شيئًا عن الكاتب الشرقيّ، لكنّ المعلومات المتوفّرة لم تتجاوز اسم الكاتب وعنوان كتابه بالعربية ((تلك الحكاية)). شدّ الصحفي الرحال إلى بلاد المشرق، وبدأ يسأل ويستفسر عن الكاتب المغمور الذي كان السبب في ثراء وشهرة صديقه، ولكن دون جدوى.

صدفة كان يجلس في محلّ لبيع الفلافل في قاع المدينة، وكان قد حفظ عنوان الكتاب عن ظهر قلب بالعربية، نظر الصحفيّ إلى الفلافليّ وقال ضاحكًا "تلك الحكاية!" كان قد أصيب باليأس، وكان على وشك أن يغادر المشرق لاعنًا حظّه، فقد كلّفته الرحلة الكثير من المال دون أن يحقّق غايته. أجاب الفلافليّ بآلية "نعم .. تلك الحكاية!"

لجمت الدهشة لسان الصحفيّ، وهمس على الفور اسمَ الكاتب، بعد لحظات أجابه الفلافليّ: ومن يهمّه أمر فلافليّ؟ أجاب الصحفيّ: أنا .. أنا. كاد أن يقول له الفلافليّ بأنّ صاحب كتاب "تلك الحكاية" قد مات منذ زمنٍ بعيد! أراد أن يقول له بأنّ الكتّاب يحتضرون في الشرق، لكنّ كرامته شفعت له في تلك اللحظة.

ذاك الكاتب، صاحب "تلك الحكاية" كان محظوظًا حين اهتدى الغرباء إلى عمله، على عكس مئات الأعمال للكتّاب والمبدعين العرب، التي ذوت كالورود دون أن يتمكّن أحد من شمّ عبيرها ورحيقها.










اشترك في قناة ‫«الحوار المتمدن» على اليوتيوب
أحمد عصيد كاتب وباحث في حوار حول الدين و الاسلام السياسي والانتقال الديمقراطي والقضية الأمازيغية
فهد سليمان نائب الامين العام للجبهة الديمقراطية في حوار حول القضية الفلسطينية وافاق و دور اليسار


كيف تدعم-ين الحوار المتمدن واليسار والعلمانية على الانترنت؟

تابعونا على: الفيسبوك التويتر اليوتيوب RSS الانستغرام لينكدإن تيلكرام بنترست تمبلر بلوكر فليبورد الموبايل



رأيكم مهم للجميع - شارك في الحوار والتعليق على الموضوع
للاطلاع وإضافة التعليقات من خلال الموقع نرجو النقر على - تعليقات الحوار المتمدن -
تعليقات الفيسبوك () تعليقات الحوار المتمدن (0)


| نسخة  قابلة  للطباعة | ارسل هذا الموضوع الى صديق | حفظ - ورد
| حفظ | بحث | إضافة إلى المفضلة | للاتصال بالكاتب-ة
    عدد الموضوعات  المقروءة في الموقع  الى الان : 4,294,967,295
- نقاط وفواصل 3
- نقاط وفواصل 2
- نقاط وفواصل 1
- بصحبة زوربا
- عودي يقتلني إبداعك (1)
- كلّ هذا من أجل رجل!
- الأزواج الأربعة وأنسنة المجتمع
- من قال بأن الغول مات!
- الزنابق والأعناق المكسورة
- أحلامٌ في مهبّ الريح
- كلوشار
- صفعات
- الشاعر البلغاري بيتكو براتينوف
- مائدة في رابعة الزمان
- ليس من عادتي البكاء
- رشاد أبو شاور – عاشق مسافر
- الرحلة رقم (001) الحلقة الثانية
- الرحلة رقم 001
- العرب يحسنون الخسارة
- ملك الغجر


المزيد.....




- وزارة الثقافة التركية تصدر بيانا حول كتاب للطهي ألفته زوجة أ ...
- بيع شريط كاسيت بمبلغ 58 ألف دولار.. ما قصته؟ 
- تحالف رباعي يقود التجمعي الطاهر اليوسفي لرئاسة مقاطعة الحي ا ...
- تركيا.. اكتشاف أقدم فسيفساء في منطقة البحر المتوسط
- انتخاب سعيد الناصري عن حزب البام رئيس مجلس عمالة الدار البيض ...
- إصابة الفنان محمود قابيل بفيروس كورونا
- الذكاء الاصطناعي يصف لوحة روبنز من متحف لندن بأنها مزيفة
- مستشارة ترامب: -بوتين اصطحب مترجمة حسناء كي يشتت انتباه رئيس ...
- -لا وقت للموت-.. بدء عرض أحدث أفلام جيمس بوند بعد تأجيله بسب ...
- إنتخاب الإستقلالي حمزة ادموسى رئيسا للمجلس الإقليمي للحوز


المزيد.....

- كتاب: بيان الفرودس المحتمل / عبد عنبتاوي
- أخْفِ الأجراس في الأعشاش - مئة مِن قصائدي / مبارك وساط
- رواية هدى والتينة: الفاتحة / حسن ميّ النوراني
- في ( المونودراما ) و ما تيسر من تاريخها / فاضل خليل
- مسْرحة دوستويفسكي - المسرح بين السحر والمشهدية / علي ماجد شبو
- عشاق أفنيون - إلزا تريوليه ( النص كاملا ) / سعيد العليمى
- الثورة على العالم / السعيد عبدالغني
- القدال ما مات، عايش مع الثوار... / جابر حسين
- في ( المونودراما ) و ما تيسر من تاريخها ... / فاضل خليل
- علي السوريّ-الحب بالأزرق- / لمى محمد


المزيد.....
الصفحة الرئيسية - الادب والفن - خيري حمدان - نقاط وفواصل 4