أخبار عامة - وكالة أنباء المرأة - اخبار الأدب والفن - وكالة أنباء اليسار - وكالة أنباء العلمانية - وكالة أنباء العمال - وكالة أنباء حقوق الإنسان - اخبار الرياضة - اخبار الاقتصاد - اخبار الطب والعلوم

الصفحة الرئيسية - الادب والفن - خيري حمدان - الرحلة رقم (001) الحلقة الثانية















المزيد.....

الرحلة رقم (001) الحلقة الثانية


خيري حمدان

الحوار المتمدن-العدد: 2789 - 2009 / 10 / 4 - 14:24
المحور: الادب والفن
    


يدخل رجل مسنّ لكنّه ما يزال محافظاً على رشاقته، كان يجرّ بيده عربة قديمة فوقها علبة كبيرة من الكرتون لفّها بحبال حتى لا تسقط، وكان مبتسماً طِوال الوقت. لم يترك عربته لحظة واحدة اتجّه نحو اللائحة السوداء الكبيرة، فرك يديه بحبور وعاد ليجلس ليس بعيداً منّي.
كان عليّ أن أتخلّص من حقيبتي وكان منظرها الخمري الجميل مغرٍ في أجواء هذه الحارة الصغيرة. جررتها خلفي وذهبت لطاقة الاستعلامات أستفسر عن المخزن المؤقت للأمتعة. قالت لي الموظفة بنزق واضح:
الموظفّة رقم 2: هل أنت أعمى يا رجل؟ ألا ترى اللافتة الموضوعة فوق الطاقة المجاورة؟ عليك وضع أمتعتك هناك.
خيري حمدان: شكراً للتوضيح! كنت أرغب بالابتعاد، لكنّي كن متضايقاً من أسلوبها الفجّ. عدت لها وقلت بهدوء متعمّد
خيري حمدان: هل أخبرك الآخرون بأنّني مسافرٌ إلى هناك؟
الموظفّة رقم 2 (نظرت إليّ متفحّصة): أتفعلها يا رجل؟ لماذا الإصرار على الذهاب إلى هناك؟
أعجبتني هذه اللعبة لأنّني أصبحت ربّما محطّ الأنظار. كنت مصرّاً على المضيّ حتى النهاية، وسأفعل. عند منتصف الليل سأمضي مغادرا هذا المكان البائس إلى هناك مهما حدث.
خيري حمدان: هل لك على أيّة حال أن تخبريني ما المانع من ركوب هذا القطار وفي هذا التوقيت بالذات؟ لماذا تخشونه يا سيدتي؟
الموظفة رقم 2: لم ينجُ قطار منذ أن اعتمد هذا الخطّ. أزيلت جميع الأسباب التي كانت تؤدي إلى انحراف القطار عن سكّة الحديد ولكنّه كان ينقلب ويتحطّم في كلّ مرّة! التقنيون والمهندسون يصرّون على أنّه آمن. سيصعد إلى القطار ثلّة من المجانين وأنت منهم. المسؤول الفنّي عنيد للغاية ويرفض التنازل عن هذه الرحلة. إنّها الرحلة المؤدية للجحيم مباشرة. هل يكفي هذا التوضيح.
خيري حمدان: أنا لا أؤمن بهذه الحماقات، اشتريت التذكرة وسأصعد لهذا القطار حتى سدرة المنتهى. هناك حيث تلتقي الشمس والبحر في عرسٍ أبديّ! هناك حيث يرتوي البرتقال من عيون العذارى يا سيدتي.
الموظفة رقم 2: ولكن حقيبتك حمراء يا مجنون! اسمع .. لماذا لا تحرق هذه التذكرة؟ أنت لست بحاجة إليها. بقي أنت وخمسة آخرين. إذا لم تصعدوا اليوم إلى القطار سيضطر الفنيّون لإلغاء الرحلة. وبهذا تنتهي هذه المعاناة التي أقلقتنا زمناً طويلاً. انس تلك الوجهة يا سيدي. لم العودة إلى هناك؟ صدّقني .. الكثير من الحسناوات على استعداد كامل لأن يصبحن جواري طيّعة بين يديك. نحن بحاجة لك ولعطائك. لا شيء هناك سوى النسيان. الطرق نحو الغد مغلقة والقطار يتزحلق بقشرة موز بالرغم من ثقله وأطنانه التي تعبّ الهواء وتسير قدماً نحو الفراغ والهاوية.
خيري حمدان: أولا: حقيبتي ليست حمراء ولكنها خمرية اللون. ثانيا: لماذا تحاولين جاهدة ثنيي عن التوجّه نحو الغد؟ عدا عن كلّ هذا قد ينجو القطار هذه المرّة وتصبح الطريق سالكة إلى هناك!
يبدأ الحضور بالضحك والتصفيق بأقدامهم. يُسْمعُ صوت الكلب في الخارج عاووووووووووووو.
المتسكّع (مبتهجاً): يخرب بيتك شو حمار .. حمار .. حمار .. حمار.
تبدأ الساعة تدقّ مبطئة الوقت على غير عادتها تِــــــــــــــــــك تَــــــــــــــــــك.
الموظفة رقم 2: أعتقد بأنّ الجواب واضح!
لم تكن هناك ضرورة لمواصلة الحديث مع الموظفّة الثانية وانتقلت لمخزن الأمانات لكي ابقي حقيبتي هناك.
خيري حمدان: مساء الخير سيدي .. أريد أن أبقي الحقيبة هنا حتى يحين موعد انطلاق قطار .. قطاري.
كنت على وشك القول قطار منتصف الليل لكنّني أحجمت فلم تكن لديّ رغبة بمواصلة الجدال مع جميع موظّفي هذه المحطّة.
مسح الرجل شاربه الكبير وشدّ سترته الرمادية، لكنّ ملامح وجهه لم تتغيّر
موظّف الأمانات: لديك ما يكفي من الوقت حتى منتصف الليل. بطاقتك الشخصية لو سمحت.
خيري حمدان: ولكن لماذا؟ مجرّد حقيبة أرغب التحرّر منها بعض الوقت!
موظّف الأمانات: بطاقتك الشخصية ويورو بدل خدمات.
كان من المستحيل الاستمرار بالجدل مع هذا الرجل. أخرجت بطاقتي الشخصية وأخذ يملأ بيانات كثيرة أمامه وبعد أن انتهى أعاد لي بطاقتي وطلب منّي التوقيع في أكثر من مكان. وقّعت كما طلب، ناولني بعض القسائم وقبل أن يقبل بحقيبتي خرج من مكانه يحمل بين يديه جهازاً كاشفاً وطلب بتفتيشي.. كانت أنظار الجميع موجّهة إليه هذه المرّة. استغرب الحضور تصرّفه الغريب وأشار إليه رجل الأمن في الطابق العلويّ أن يكفّ عن ذلك.
موظّف الأمانات (همس حانقاً): لكنّه من هناك .. من هناك. ويريد السفر إلى هناك!
مضت الحقيبة الخمرية إلى باطن المخزن واستقرّت في أحد أركان المكان. عُدْتُ ببطء إلى مكاني بالقرب من الرجل المسنّ. هزّ رأسه لي محيّياً وبدأ بفكّ رباط العلبة الكرتونية الكبيرة المحّملة فوق عربة صغيرة. وضع الأربطة الكتّانية على المقعد الكبير إلى جانبه. وبدأ بفتح أبواب عالمه الصغير الكبير. أخرج وريقة صفراء، كانت قصاصة من صحيفة قديمة قد تكون قد انقرضت مع هيئة تحريرها الكاملة. قرأ العنوان الكبير وابتسم. أخرج من جوف العلبة قرناً من الموز، تلمّسه وقبّله ووضعه إلى جانب الأوراق، أخرج كأسين صغيرين من البلاستيك المخفّف الشفّاف. كادتا أن تطيرا حين وضعهما إلى جانب قرن الموز لكنّه كان سريع الحركة وامسك بهما قبل أن يبتعدا عن ناظريه. هذا الرجل غريب الأطوار لكنّه جدير بالاحترام. أعتقد بأنّه ينتمي إلى عالمٍ انقرض منذ أمدٍ بعيد. بعد ذلك أخرج قطعة كبيرة من الخبز، وضعها بعناية فائقة فوق الوريقة، لكنّه سرعان ما عدل عن ذلك. أخرج محرمة من جيبه ووضع الخبز فوقها. بعد ذلك أخرج علبة بلاستيكية تحتوي على سائل بنّي اللون عرفته على الفور، كان مصنوعاً من الطحينة، يخمّر جيّداً ثمّ يضاف إليه بعض النكهات. كنت أمقت هذا الشراب وكان الكثيرون يشربونه خاصّة المرضعات لأنّه حسب ما يقولون يزيد من إدرار الحليب. تأكّد الرجل المسنّ من أنّ العلبة لم ترشح قطرة واحدة، وضعها هي الأخرى إلى جانب مقتنياته على المقعد الذي أخذ يضيق شيئاً فشيئاً. بعد ذلك أخرج علبة أخرى من السائل نفسه، هزّ رأسه آسفاً فقد كانت العلبة قد رشحت وابتّلت. ماذا سيفعل وحيد القرن هذا كنت أتساءل؟ فتح فمه على سعته، ومدّ لساناً طويلاً وأخذ يلحس كلّ ما علق على العلبة من ذلك السائل. تحرّكت معدتي وكنت على وشك التقيّؤ. ولكنّي ضحكت بخفّة، وحيد القرن هذا كان مصرّاً على الاحتفاظ بكامل عالمه مهما كان متواضعاً. وكان هذا درساً لن أنساه مهما حييت. صفّقت له بصمت، كنت أخشى أن ألفت أنظار الآخرين بتصفيقي. لاحظ احتفائي به فازداد حبوره واستمرّ بالتحضير لوجبته الوفيرة تلك. أخرج بعد ذلك قطعة كبيرة من الجبن وبدأ يلتهم بمتعة منقطة النظير الزاد أمامه. قطعة خبز كانت على وشك السقوط إلى الأرض، لكنّه تمكّن بحركة بهلوانية من التقاطها قبل أن تسقط. لم يسارع بالتهامها بعد ذلك، لأنّها كانت مميّزة إذ حاولت الهرب. وضعها فوق علبة الكرتون لوقتٍ لاحق. فتح العلبة التي تحوي السائل إيّاه وجرع نصفها مرّة واحدة. ثمّ أدار لسانه الكبير من حولها وتأكّد من أنّها جافّة تماماً. أغلقها وتركها جانباً. حان وقت قرن الموز. قشّره وبدأ بالتهامه بمتعة متناهية، وبعد أن انتهى اقترب من سلّة المهملات وكانت تقع بيننا، وبحركة بهلوانية رمى القشرة من خلف ظهره. كانت فرحته كبيرة حين أدرك بأنّه أصاب مركز السلّة. نظر إليّ فسارعت بالتصفيق له بصمت لأسباب لم تعد تخفى على أحد. اتّسعت ابتسامته ومضى إلى مكانه حيث ممتلكاته. نظر لقطعة الخبز التي كادت أن تفلت من يده. تناولها بحذرٍ شديد والتهمها. بعد ذلك فتح زجاجة الروم وملأ الكأس البلاستيكية الرقيقة وشربها مرّة واحدة. صرّ عينيه ليستوعب حرقة الكحول الذي دخل جوفه، ملأ الكأس مرّة أخرى وشرب محتواها ثانية. بعد ذلك مدّ لسانه ولعق حواف الزجاجة وقبل أن يغلقها شرب جرعة أخرى ثم أغلقها وضرب على صدره راضياً عن ذاته وبدأ بحرص وبدقة متناهية بإعادة محتويات العلبة الكرتونية. كنت أعتقد بأنّه سيلقي بكأس البلاستيك إلى سلّة المهملات وكان على وشك أن يفعل. لكنّه أحجم أخيراً وأضافها لعالمه الصغير. جاء دور الوريقات الصفراء، طواها بعناية بالغة ووضعها في العلبة ثمّ بدأ بلفّ العلبة بالرباط الكتّاني. انتهى أخيراً من طقوسه. وقف في منتصف الصالة ووضع يديه خلف ظهره ونظر مجدّداً إلى اللوحة ثمّ إلى ساعة الحائط. كانت الساعة تدقّ معلنة التاسعة مساءً. ضحك الرجلّ المسنّ بصوتٍ مرتفع، جرّ عربته نحو الباب الخارجي الثقيل المؤدّي نحو عربات القطار واختفى عن الأنظار.
يتبع







اشترك في قناة ‫«الحوار المتمدن» على اليوتيوب
عصام الخفاجي مناضل واكاديمي وباحث يساري في حوار حول دور وافاق اليسار والديمقراطية في العالم العربي
نادية خلوف كاتبة واديبة وناشطة نسوية من سوريا في حوار حول تجربتها الحياتية ونضالها اليساري والنسوي


كيف تدعم-ين الحوار المتمدن واليسار والعلمانية على الانترنت؟

تابعونا على: الفيسبوك التويتر اليوتيوب RSS الانستغرام لينكدإن تيلكرام بنترست تمبلر بلوكر فليبورد الموبايل



رأيكم مهم للجميع - شارك في الحوار والتعليق على الموضوع
للاطلاع وإضافة التعليقات من خلال الموقع نرجو النقر على - تعليقات الحوار المتمدن -
تعليقات الفيسبوك () تعليقات الحوار المتمدن (0)


| نسخة  قابلة  للطباعة | ارسل هذا الموضوع الى صديق | حفظ - ورد
| حفظ | بحث | إضافة إلى المفضلة | للاتصال بالكاتب-ة
    عدد الموضوعات  المقروءة في الموقع  الى الان : 4,294,967,295
- الرحلة رقم 001
- العرب يحسنون الخسارة
- ملك الغجر
- لا شيء سوى الجنس!
- جدوى خطّة سلام الدكتور أفنان القاسم
- ما بعد الأبديّة بفرسخ
- تلك المرأة
- قلبٌ واحدٌ لا يكفي
- علي والكفّ
- الصحراءُ وأنتِ!
- القلم المكسور
- لا تلبس الأزرق أمام عدسة زنوبيا
- تأملات في مهب الريح
- الكتابة على أوراق النار
- أنا العاشق وحبيبتي غزة
- صومعة على حافة الطريق
- شتاء العمر وربيعك
- لن أكون رئيسا يوما ما
- أسفار
- هُنا بلْ هُناكْ


المزيد.....




- الاختصاصات الجديدة لوزراء حكومة أخنوش في الجريدة الرسمية
- التحقيق يركز على شخصين في مقتل مصورة سينمائية بطلقة من أليك ...
- التحقيق يركز على شخصين في مقتل مصورة سينمائية بطلقة من أليك ...
- التضامن الفلسطيني ونضال السود بأميركا.. تاريخ طويل مشترك
- جنين: افتتاح معرض للفنانة التشكيلية ميسون سباعنة
- زاهي حواس يلتقي نجوم فن عالميين وشخصيات بارزة بينهم أمير سعو ...
- وزيرة زامبية سابقة تحث الجزائر على إنهاء -الصراع المصطنع“ حو ...
- نبيلة منيب تضع مجلس النواب في ورطة سياسية بسبب رفضها جواز ال ...
- المسؤولية الحكومية لأخنوش ترهن اشغال المجلس الجماعي لأكادير ...
- نيوكاسل يونايتد والزيّ العربي.. إدارة النادي الانجليزي تتراج ...


المزيد.....

- كتاب: بيان الفرودس المحتمل / عبد عنبتاوي
- أخْفِ الأجراس في الأعشاش - مئة مِن قصائدي / مبارك وساط
- رواية هدى والتينة: الفاتحة / حسن ميّ النوراني
- في ( المونودراما ) و ما تيسر من تاريخها / فاضل خليل
- مسْرحة دوستويفسكي - المسرح بين السحر والمشهدية / علي ماجد شبو
- عشاق أفنيون - إلزا تريوليه ( النص كاملا ) / سعيد العليمى
- الثورة على العالم / السعيد عبدالغني
- القدال ما مات، عايش مع الثوار... / جابر حسين
- في ( المونودراما ) و ما تيسر من تاريخها ... / فاضل خليل
- علي السوريّ-الحب بالأزرق- / لمى محمد


المزيد.....
الصفحة الرئيسية - الادب والفن - خيري حمدان - الرحلة رقم (001) الحلقة الثانية