ما الذي نناضل من أجله؟


بشير الحامدي
الحوار المتمدن - العدد: 8874 - 2026 / 10 / 30 - 00:11
المحور: مواضيع وابحاث سياسية     

يرسم لنا التقدم المذهل في مجالات العلوم والتكنولوجيا ملامح عالمٍ خالٍ من الجوع والفقر والتشرد حيث يُمكن للذكاء الاصطناعي والروبوتات المتقدمة أن تختزل ساعات العمل إلى الحد الذي يصبح فيه العمل خياراً شخصياً لا قيداً. إن تحرير الإنسان من عبودية العمل هو القاعدة المادية الصلبة لبناء مجتمع بلا طبقات وهو هدف بات ممكناً وقريباً من متناول أيدينا، لا مجرد حلم طوباوي. فعالم جديد يولد اليوم بصمت وثبات في أحشاء العالم القديم غايته إرساء نظام عادل تديره حاجة الإنسان لا الربح.
حين سقط الاتحاد السوفياتي قبل ثلاثة عقود ظن فرانسيس فوكوياما أن "تاريخ البشرية" قد بلغ نهايته لكن التاريخ أبى إلا أن يواصل مسيره متجاهلاً أوهام الفكر البرجوازي. وها هي عجلته تدور اليوم دورة كاملة. إن أزمة الرأسمالية الراهنة بتجذرها وطول مدتهم وسيناريوهاتها المتذبذبة تنذر بمرحلة هي الأشد اضطراباً وغلياناً في تاريخ العصر الحديث ولن تكون هادئة أبداً. وفي ظل هذا المخاض لم يعد هناك داعٍ لإقناع القطاعات الواسعة من الشباب بعدالة الفكرة الشيوعية فالشباب اليوم هم شيوعيون بطبيعتهم يبحثون عن راية نقية وأطر تنظيمية تقطع مع إرث البيروقراطية والإصلاحية والانتهازية اليسارية. ومن هنا تكمن مهمتنا الملحة في الوصول إليهم وكسبهم.
إن الواقع برمته يفرض علينا استراتيجية واضحة وبسيطة:
أن ننتظم جميعاً حيثما نكون.
أن تنتظم القطاعات المهنية وربات البيوت والشباب.
أن يتسق تنظيمنا في المدن والأرياف.
إننا ندرك تماماً أن أعدادنا لا تزال صغيرة قياساً بعظيم المهام ولا نخادع أنفسنا في ذلك لكن التاريخ علّمنا أن أظلم الثورات وأعظمها انطلقت من شرارات صغيرة بدت كأنها لا تحصى. غير أن ما يملؤنا بالثقة هو امتلاكنا للأفكار الصحيحة. وكما وصف المفكر الاشتراكي شارل فورييه الشيوعية بأنها البوابة لتحقيق الطاقات القصوى للإنسان فإنها ستفتح -لأول مرة في التاريخ-أبواب الثقافة والفنون (من كتابة وموسيقى ومسرح وسينما) على مصراعيها للجماهير التي حُرمت منها دهراً.
إننا نناضل من أجل عالم جديد يكتسب فيه الوجود الإنساني معناه الحقيقي ويسمو فيه الرجال والنساء معاً في ظل مساواة حقيقية لتباشر البشرية قفزتها الكبرى من "عالم الضرورة" إلى "عالم الحرية". حينها لن يضطر الإنسان إلى تطلع السماء بحثاً عن الخلاص بعد الموت بل سيصنع جنته بيده على هذه الأرض بعد أن يطهرها من كل أشكال الاستغلال والاضطهاد. هذا هو المشروع العظيم الذي نكافح من أجله: وهذه هي"جنتنا التي فوق هذه الأرض".
ـــــــــــــــــــــ


تونس
يوم 29 أكتوبر 2026