كيف تُدير أوروبا تناقضَها بين محاربة الإسلام التكفيري والتعايش مع صانعيه..مع نسخة ساخرة


احمد صالح سلوم
الحوار المتمدن - العدد: 8869 - 2026 / 10 / 25 - 19:39
المحور: العلمانية، الدين السياسي ونقد الفكر الديني     

حين يعود السؤال القديم بثوبٍ أمنيّ

في أحد أعرق أحياء بروكسل، وعلى مقربة من مقرات الاتحاد الأوروبي، يقف "المسجد الكبير" شاهدًا صامتًا على تاريخٍ لم تُرد أوروبا أن تكتبه. لم يكن هذا المسجد مجرد مكان للعبادة، بل كان لعقودٍ جسرًا خفيًا يربط بين غرف القرار في بروكسل ومكاتب التمويل في الرياض. وفي السنوات الأخيرة، عاد سؤال قديم إلى واجهة النقاش الأوروبي، لكنه هذه المرة لم يعد نظريًا: هل يمكن فصل الأمن الداخلي عن السياسة الخارجية؟

التحقيقات البرلمانية البلجيكية التي تلت هجمات مارس/آذار 2016 لم تكتفِ بإثبات وجود نفوذ أجنبي في أحد أهم المؤسسات الدينية في البلاد، بل كشفت عن بنية أوسع: هندسة سياسية-دينية صُممت في زمن الحرب الباردة، لخدمة أغراضٍ تتجاوز الدين إلى ما هو أبعد بكثير. فالمسجد الذي وُقّعت اتفاقية إيجاره لمدة 99 عامًا في يونيو/حزيران 1969، كان يدار من قِبل "المركز الإسلامي والثقافي" التابع لرابطة العالم الإسلامي، المنظمة التي تأسست عام 1962 بتمويل سعودي مباشر وبأمر من المخابرات المركزية الأمريكية ، والتي خلصت اللجنة البرلمانية إلى أنها تروّج لإسلام "سلفي وهابي" يمكن أن "يلعب دورًا كبيرًا جدًا في التطرف العنيف".

هنا، يصبح السؤال أكثر إلحاحًا: إذا كانت أوروبا اليوم تعلن مراقبة شبكات الإسلام السياسي، وتوصي بإنهاء "الوصاية السعودية والقطرية والخليحبة" ومن لف لفها على مساجدها، فلماذا تتجاهل البنية التي أنتجتها تاريخيًا؟ ولماذا لا تُمسّ العلاقات مع محميات الخليج الصهيو أمريكية التي لعبت دورًا محوريًا في تمويل هذا المشروع؟



محميات الخليج: دولٌ أم أدواتُ نفوذ؟

من منظور تاريخي، يصعب النظر إلى الكيانات الخليجية الحديثة بوصفها دولًا قومية نشأت بصورة طبيعية. باستثناء عُمان، تشكّلت معظم هذه الكيانات بين عامي 1820 و1971 كمحميات بريطانية، حيث كانت لندن تعيّن الحاكم أو تثبّته، وتدير الأمن والحدود، وتتحكم في التجارة والموانئ، وتصوغ السياسة الخارجية نيابة عن الكيان. وقد امتدت فترة الحماية البريطانية على الكويت والبحرين وقطر والإمارات وعُمان طوال هذه الفترة، عبر سلسلة من المعاهدات التي جعلت من بريطانيا "الوصي" الفعلي على الخليج.

بعد انسحاب بريطانيا من شرق السويس في عام 1971، ورثت الولايات المتحدة هذا الدور عبر شبكات معقدة من النفوذ تشمل البنتاغون، ووكالة الاستخبارات المركزية، وشركات النفط الكبرى، وصناديق الاستثمار الدولية. وبهذا المعنى، فإن السياسة الخارجية لمحميات الخليج لم تكن يومًا تعبيرًا عن مصالح شعوبها، بل عن مصالح القوى التي صنعتها. وهو ما يفسّر لماذا بقيت هذه الكيانات جزءًا من هندسة استعمارية صهيونية سياسية دولية، لا من نظام عربي مستقل.

وقد لعب هذا التشكيل التاريخي دورًا حاسمًا في الحرب الباردة. ففي ستينيات القرن الماضي، وبينما كانت حركة عدم الانحياز تبحث عن طريق ثالث بين واشنطن وموسكو، وبينما كان المدّ القومي الناصري يهدد أنظمة الخليج التقليدية، وجدت القوى الغربية في "الإسلام التكفيري الارهابي لابن تيمية ومحمد عبد الوهاب" أداةً مثالية لاحتواء هذا المدّ. وهنا تبرز المفارقة الكبرى: فالدول التي لم تكن دولًا بالمعنى الكامل، هي التي مُنحت الشرعية لتصنع الدين وتصدّره.



الإسلام الوظيفي: صناعة سياسية لا دينية

التحقيقات البلجيكية حول مسجد بروكسل أعادت فتح ملف أكبر: صناعة الإسلام الوظيفي. فالرابطة التي أدارت المسجد لعقود لم تكن مؤسسة دينية خالصة، بل جزءًا من مشروع استعمارية غربي سياسي هدفه مواجهة الناصرية، وضرب اليسار العربي، وإضعاف حركة عدم الانحياز، وخلق خطاب ديني فتنوي ينسجم مع مصالح قوى سلطة رأس المال الغربي الحاكم لسياسته المعروفة " فرق تسد ".

وتكشف الوثائق التاريخية أن رابطة العالم الإسلامي تأسست في عام 1962 عقب مؤتمر إسلامي دولي عقده ولي العهد السعودي آنذاك الأمير فيصل في مكة. وكانت الرابطة ترسل "ممثلين ودعاية مطبوعة" وتمول بناء المساجد والجمعيات الإسلامية في شتى أنحاء الأرض. والأهم من ذلك، أن كثيرين من أوائل من عُيّنوا فيها كانوا من عصابة الإخوان المسلمين الإرهابية الصهيو بريطانية الذين وجدوا لهم ملاذًا في السعودية بعد أن طاردهم عبد الناصر في الخمسينيات. وشمل أعضاء الرابطة المؤسسون مفتي القدس الأكبر أمين الحسيني، وسعيد رمضان (المنظّم الرئيسي لتنظيم الإخوان المسلمين الدولي الذي كتب دستور الرابطة)، وعبد الأعلى المودودي مؤسس الجماعة الإسلامية الباكستانية ، والعميل الرسمي للسي اي ايه ، التي عالجته على حسابها في نيويورك .

وتصف موسوعة أكسفورد الرابطة بأنها تأسست لـ"مناقشة شؤون الأمة الإسلامية في ضوء التهديدات التي يشكلها الشيوعية واللادينية على العالم المسلم" اي الخطاب الاستعمار الصهيوني نفسه بمحاربة البديل الوحيد للشعوب الا و هو الشيوعية ، والتي يرى العالم معجزاتها اليوم بتحويل الصين من أفقر بلد في العالم ، إلى اغنى بلد في العالم على يد حزب شيوعي صيني، وأنها هذه المنظمة الاستعمارية الإسلامية "عملت كمنبر للحكومة السعودية التي تمولها". ويُقدّر أن السعودية دعمت الرابطة بنحو 90 مليار دولار منذ منتصف السبعينيات.

هذا المشروع لم يكن دينيًا، بل سياسيًا استخباراتيًا، استخدم الدين كأداة في سياق الحرب الباردة. ومع مرور الزمن، تحوّل إلى شبكة نفوذ عابرة للحدود، امتدت إلى أوروبا نفسها. فالمسجد الكبير في بروكسل، الذي وُلد من رحم هذه الهندسة، لم يكن سوى حلقة في سلسلة طويلة من المؤسسات التي أُنشئت لإدارة الجاليات المسلمة في أوروبا عبر خطاب ديني تكفيري فتنوي لتدميرها وتدمير مجتمعاتها الأصلية ، لا عبر مؤسسات مستقلة.


مسجد بروكسل: نموذج مصغّر لشبكة النفوذ

التحقيقات البلجيكية حول مسجد بروكسل لم تكشف فقط عن نفوذ الرابطة، بل عن تواطؤ صامت استمر لعقود. فالأجهزة البلجيكية كانت تعلم بطبيعة النفوذ، لكنها لم تتحرك إلا بعد هجمات بروكسل وباريس، حين تغيّر المزاج السياسي الأوروبي ، اي ان البنية الأمنية لحلف الناتو الأمريكي في غرب أوروبا ، هي من كانت تمنع اغلاق السفارات السعودية والقطرية والخليحبة لأنها وأموالها وجمعياتها واعلامها ، من داعمي الإرهاب الدولي.

وفي تقرير صادر عن هيئة تنسيق وتحليل التهديد البلجيكية (OCAM) في مايو/أيار 2018، تم تحذير لجنة المتابعة البرلمانية من أن المكتبة الموجودة في المركز الإسلامي والثقافي في بروكسل تحتوي على كتب "مستوحاة من السلفية، كُتبت معظمها بين 1980 و2000، تحث المؤمنين على الانخراط في الجهاد المسلح، وعلى اضطهاد المثليين، وتصف اليهود وليس الصهاينة بشكل مهين". وأشار التقرير إلى أن "عدة أشخاص تلقوا تدريبًا في المسجد الكبير، معظمهم من الأئمة، تلقوا تعليمًا باستخدام هذه الكتب".

وقد أوصت اللجنة البرلمانية، التي تشكلت غداة اعتداءي 22 مارس/آذار 2016 (الذين تبناهما تنظيم داعش وأسفرا عن سقوط 32 قتيلًا)، بإنهاء "الوصاية السعودية" على المسجد الكبير. وفي مارس/آذار 2018، أعلنت الحكومة البلجيكية إلغاء اتفاقية الإيجار المبرمة قبل نحو نصف قرن، ومنحت المركز فترة سنة لإخلاء المبنى.

لكن السؤال الذي لم تُجب عنه التحقيقات هو: لماذا انتظرت بلجيكا كل هذه العقود لتتحرك؟ والإجابة، كما تكشف بنية المصالح الأوروبية، لا علاقة لها بالمبادئ، بل بحسابات أضيق.



التناقض الأوروبي: محاربة الإسلام السياسي… والتعايش مع صانعيه

اليوم، يعلن الاتحاد الأوروبي مراقبة شبكات الإسلام السياسي، ويصوّت على قرارات غير ملزمة تتعلق بعصابات الإخوان المسلمين أو الجماعات المتطرفة الممولة من محميات الخليج وتركيا الأطلسية . لكن في الوقت نفسه، لا تُمسّ العلاقات مع محميات الخليج وتركيا أردوغان التي فتحت حدودها لإرهاب وهابي اخوانجي عابر للحدود ضد الشعب السوري التي لعبت دورًا محوريًا في تمويل هذه الشبكات تاريخيًا. هذا التناقض ليس صدفة، بل جزء من بنية المصالح الاستعمارية الأوروبية.

أولًا: النفط والغاز. بعد فقدان أوروبا لخطوط الغاز الروسية، بات الاعتماد على الغاز المسال القطري والنفط السعودي والإماراتي ركيزة أساسية لحماية أمن الطاقة الأوروبي. وتستقبل أوروبا ما بين 12% إلى 14% من احتياجاتها من الغاز الطبيعي المسال من قطر، بينما تستورد نحو 6.8% من نفطها من السعودية. هذه الأرقام، وإن بدت متواضعة، إلا أنها تكتسب أهمية استراتيجية في ظل الهشاشة الحالية لسلاسل الإمداد العالمية.

ثانيًا: الاستثمارات الخليجية. صناديق الخليج تملك حصصًا في شركات أوروبية كبرى، وموانئ، وبنوك، وعقارات. فشركة "موانئ دبي العالمية" (DP World) الإماراتية، على سبيل المثال، تدير وتستثمر في موانئ كبرى في المملكة المتحدة وهولندا، بينما استحوذت "كيوتيرمنالز" القطرية على محطة حاويات في ميناء روتردام. هذه الاستثمارات لا تقتصر على الجانب الاقتصادي، بل تمنح محميات الخليج الإرهابية الفاسدة نفوذًا سياسيًا في مراكز القرار الأوروبي.

ثالثًا: النفوذ الأميركي. أوروبا لا تستطيع كسر الخط الاستراتيجي الأميركي الذي يعتبر الخليج "حليفًا رئيسيًا". وقد أدركت محميات الخليج، في السنوات الأخيرة، أن واشنطن لم تعد الضامن الأمني الموثوق الذي كانت عليه، فبدأت تنتهج استراتيجية "التحالفات المتعددة" مع شركاء من أوروبا وتركيا وآسيا، لكنها في الوقت نفسه ما زالت مرتبطة بالبنية الأمنية الاستعمارية الأميركية. وأوروبا، بدورها، لا تستطيع أن تكون طرفًا في كسر هذه البنية، لأن أمنها الخاص مُدمج فيها.

رابعًا: صفقات السلاح. السعودية والإمارات من أكبر المشترين للسلاح الأوروبي. فرنسا، على سبيل المثال، أبرمت صفقة تاريخية بقيمة 18.5 مليار دولار لبيع 80 طائرة رافال للإمارات، بينما باعت إيطاليا أنظمة قتال بحرية للكويت بقيمة 320 مليون يورو، وطائرات دورية بحرية للسعودية. هذه الصفقات ليست مجرد تجارة، بل أدوات لضمان النفوذ السياسي.

خامسًا: مكافحة الإرهاب. التعاون الأمني بين أوروبا و محميات الخليج جزء من منظومة توزيع ادوار أميركية أكبر. فالأجهزة الأمنية الأوروبية تعتمد على نظيراتها الخليجية في تبادل المعلومات الاستخباراتية حول الشبكات التكفيرية ، التي تعيش عضويا على الفكر الوهابي السعودي القطري الرسمي ، رغم أن بعض هذه الشبكات وُلدت من رحم الخطاب الذي موّلته تلك الدول نفسها.

بهذا المعنى، فإن أوروبا تحارب الإسلام السياسي داخل حدودها، لكنها تتعايش مع المحميات الوظيفية التي ساهمت في إنتاجه خارج حدودها. وتراقب المساجد، لكنها لا تغلق السفارات. وتدين التطرف، لكنها لا تمسّ البنية التي صنعته.



النيوليبرالية الغربية وشبكات النفوذ الأمنية

التحليل لا يكتمل دون النظر إلى البنية السياسية داخل أوروبا نفسها. فالنيوليبرالية الغربية ليست مجرد سياسة اقتصادية، بل شبكة نفوذ مالية-سياسية مرتبطة بالبنوك الكبرى، وصناديق الاستثمار، وشركات الطاقة، وشبكات الأمن القومي الأميركي. وكثير من الشخصيات السياسية الغربية لها علاقات وثيقة بالأجهزة الأميركية، ليس بوصفها "عملاء"، بل بوصفها جزءًا من منظومة نفوذ دولية.

هذه المنظومة هي التي تفسّر لماذا تظل التحقيقات البرلمانية الأوروبية، مهما بلغت دقتها، محدودة الأثر. فالتوصية بإنهاء "الوصاية السعودية" على مسجد بروكسل نُفّذت، لكن العلاقات مع الرياض لم تُمسّ. والتوصية بمراقبة "الإسلام السياسي" صدرت، لكن صفقات السلاح استمرت. والسبب أن الأمن الأوروبي ليس جهازًا مستقلًا، بل امتداد مباشر للسياسة الخارجية الأوروبية، التي هي بدورها جزء من شبكة مصالح استعمارية دولية تقودها واشنطن.

وقد أدركت النخب الأوروبية أن فتح ملف التمويل الخليجي للإسلام الوظيفي على مصراعيه قد يؤدي إلى كشف شبكات نفوذ أوسع، لا تقتصر على المساجد، بل تمتد إلى قيادة الأحزاب النيوليبرالية ، والإعلام، والجامعات، ومراكز الأبحاث. وهو ما قد يزعزع أسس "الاعتدال" الذي تتحدث عنه أوروبا، ويكشف أنه في كثير من الأحيان كان نتاج هندسة خارجية، لا نابعًا من المجتمعات المسلمة نفسها.



حين يصبح الأمن امتدادًا للسياسة الخارجية

القضية ليست في مسجد بروكسل وحده، ولا في رابطة العالم الإسلامي، ولا في محميات الخليج، بل في بنية أوسع: الأمن الأوروبي ليس جهازًا مستقلًا، بل امتداد مباشر للسياسة الخارجية الأوروبية، التي هي بدورها جزء من شبكة مصالح استعمارية إرهابية دولية تقودها واشنطن.

لهذا، تحارب أوروبا الإسلام السياسي داخل حدودها، لكنها تتعايش مع الدول التي ساهمت في إنتاجه خارج حدودها. وتراقب المساجد، لكنها لا تغلق السفارات. وتدين التطرف، لكنها لا تمسّ البنية التي صنعته. إنها معادلة مصالح سلطة رأس المال الأوروبي الحاكم ، لا معادلة المبادئ والشعوب .

وتبقى المفارقة الأعمق: أن أوروبا التي تتشدق بفصل الدين عن الدولة، هي نفسها التي شاركت، عبر تاريخها الاستعماري وترتيباتها الأمنية، في صناعة "إسلام وظيفي" يخدم أغراض الدولة، ثم تتساءل اليوم لماذا لم يعد هذا الإسلام طيعًا كما كان. فالحلّ، إن وُجد، لا يكمن في مزيد من المراقبة الأمنية للمساجد، بل في الاعتراف بأن الأمن الحقيقي يبدأ من قطع الحبل السري الذي يربط بين السياسة الخارجية والهندسة الدينية. وهذا، في ظل بنية المصالح القائمة، يبدو أقرب إلى المستحيل ويحتاج إلى قوى يسارية جذرية تقطع العلاقات مع المحميات الخليجية والكيان الصهيوني وتوجه الأساطيل للتخلص من أساسات الإرهاب في العالم .

…..

النسخة الساخرة :

الإسلامُ الوظيفيُّ" من قناةِ الجزيرة إلى قاعدةِ العديد — دليلُ المستخدمِ الكامل


دليلُ تأجيرِ الدينِ بالتقسيط: كيف تفتحُ محميةٌ مسجدًا وتُغلقُ فكرة؟


في عالمِ الأعمالِ الحديثِ، هناكَ ثلاثةُ أشياءَ لا تُشترى نقدًا: السماءُ، والضميرُ، والدينُ. أمَّا الأشياءُ الثلاثةُ الأخرى — المنابرُ، والفتاوى، والشيوخُ — فتُشترى بالتقسيطِ، وبضمانٍ، وبتخفيضٍ خاصٍّ للمحميات الخليجية الصهيو أمريكية . وقد أصدرتْ "الوكالةُ الدوليةُ لتأجيرِ الدينِ" (وهي هيئةٌ لا وجودَ لها، لكنَّها موجودةٌ في كلِّ مكانٍ) دليلَ المستخدمِ التالي، لمساعدةِ كلِّ محميةٍ تريدُ أن تُؤسّسَ لنفسِها "إسلامًا وظيفيًّا" يُشبهُ البلدَ الذي تُقيمُ فيه، ولا يُشبهُ الشعبَ الذي تسكنُهُ.

الخطوةُ الأولى: اخترِ العقيدةَ المناسبةَ.

لا تشترِ عقيدةً محلّيةً؛ فالمحلّيةُ قد تُنتجُ أسئلةً. اشترِ عقيدةً "مستوردةً" بضمانِ ثلاثِ سنواتٍ، مُرفقةٍ بشهادةِ "اعتدال" موقّعةٍ من مركزِ أبحاثٍ في لندنَ، ومختومةٍ بخاتمِ "مكافحةِ التطرف". ويُفضَّلُ أن تكونَ العقيدةُ قابلةً للتفكيكِ: أي يمكنُ فكُّها إلى شعاراتٍ تُقالُ في الخطبِ، ومقولاتٍ تُطبعُ على الجدرانِ، وفتاوى تُصدرُ عندَ الحاجةِ. أمَّا العقيدةُ التي لا تُفكَّكُ — كتلكَ التي تُطالبُ بالعدلِ، وتُحرّمُ الظلمَ، وتُسائلُ الحاكمَ — فهي عقيدةٌ "غيرُ صالحةٍ للاستخدامِ الحكوميِّ"، ويُرجى إعادتُها إلى المصنعِ.

الخطوةُ الثانيةُ: عيّنِ الإمامَ.

الإمامُ الجيدُ هو الذي يُشبهُ موظّفَ استقبالٍ في فندقٍ خمسِ نجومٍ: يبتسمُ، ويُرحّبُ، ولا يسألُ عن الجوازِ. ويُفضَّلُ أن يكونَ قد درسَ في ثلاثِ عواصمَ على الأقلِّ (لندن، باريس، واشنطن)، وأن يُتقنَ اللغاتِ الثلاثَ: العربيةَ للخطبةِ، والفرنسيةَ للمقابلةِ التلفزيونيةِ، والصمتَ للأسئلةِ الصعبةِ. أمَّا الإمامُ الذي يُصرُّ على قراءةِ كتبِ الفقهِ القديمةِ، وعلى قولِ "لا" في وجهِ السلطانِ، فهو إمامٌ "غيرُ متوافقٍ مع المعايير"، ويجبُ استبدالُهُ بإمامٍ "معتدلٍ" — أي بإمامٍ لا يُزعجُ أحدًا، ولا يُحرجُ أحدًا، ولا يُذكّرُ أحدًا بأنَّ الدينَ كانَ يومًا رسالةً لا وظيفةً.

الخطوةُ الثالثةُ: افتحِ المسجدَ.

لا تفتحْ مسجدًا بالمعنى التقليديِّ — أي مكانًا للصلاةِ والذكرِ والدرسِ — بل افتحْ "مركزًا إسلاميًّا وثقافيًّا"، وهو كائنٌ هجينٌ يُشبهُ المسجدَ في الواجهةِ، ويُشبهُ مكتبَ إدارةٍ في الداخل. ويُفضَّلُ أن يكونَ المركزُ قريبًا من مقرّاتِ الاتحادِ الأوروبيِّ، حتى يسمعَ الموظّفونَ الأذانَ فيتذكّروا أنَّ "الحوارَ بين الأديان" موجودٌ، أو على الأقلِّ يتذكّروا أنَّ مشروعَ القرارِ الذي يُناقشونَهُ عن "الاعتدالِ" يحتاجُ إلى صورةٍ لشيخٍ يبتسمُ.

الخطوةُ الرابعةُ: أطلقْ شعارَ "فرّقْ تسدْ" — لكنْ بلغةٍ دينيةٍ.

لا تقلْ "فرّقْ تسدْ" باللاتينيةِ، فهذا يُفضحُ التراثَ الاستعماريَّ. قلْها بلغةٍ أنيقةٍ: "هؤلاء ليسوا منّا"، "أولئك خارجُ الملّة"، "هذا فتنةٌ يجبُ تطهيرُها". وهكذا، بدلَ أن يواجهَ الناسُ المستعمِرَ، سيواجهُ بعضُهم بعضًا. وبدلَ أن يسألوا عن الغازِ والسلاحِ، سيسألونَ عن عقيدةِ الجارِ. يا لها من خدمةٍ اجتماعيةٍ مجانيةٍ تُقدّمُها المحميةُ لسيّدِها!

الخطوةُ الخامسةُ: احتفظْ بحقِّ النقضِ.

في أيِّ لحظةٍ يخرجُ الشيخُ عن النصِّ، أغلقِ المسجدَ بحجّةِ "مكافحةِ التطرف"، واتركِ السفارةَ مفتوحةً بحجّةِ "الحوارِ الاستراتيجي". فالأمنُ ليسَ شيئًا شخصيًّا، بل هو حزمةُ خدماتٍ تُقدَّمُ حسبَ الطلبِ. وإذا سألَ أحدٌ عن عقدِ الإيجارِ (99 سنةً، وقيمةٌ رمزيةٌ، وموقعٌ استراتيجيٌّ)، قلْ لهُ إنَّ العقدَ "شراكةٌ تاريخية"، وإنَّ التاريخَ شيءٌ لا يُسألُ عنه في المؤتمراتِ الصحفية.

الخطوةُ السادسةُ: لا تنسَ الفاتورةَ.

في نهايةِ كلِّ شهرٍ، سترسلُ "الوكالةُ" فاتورةً: مبلغًا للتمويلِ، وقائمةً بالخطبِ المطلوبةِ، وجدولًا بالمواضيعِ الممنوعةِ (فلسطين، والعدلُ الاجتماعيُّ، ونقدُ السياسةِ الخارجيةِ، وكلُّ ما له علاقةٌ بـ"المواطنةِ" الحقيقيةِ). وإذا تأخّرَ الدفعُ، فسيُرسلُ تذكيرٌ لطيفٌ: بيانٌ صحفيٌّ يُدينُ "التطرفَ" في مسجدِكم، ويُطالبُ بفتحِ تحقيقٍ. وهكذا، تبقى المحميةُ محميةً، ويبقى الدينُ وظيفةً، ويبقى الشعبُ مشغولًا بالفتنةِ عن السؤالِ الذي لا يُطرحُ أبدًا: لماذا نحنُ هنا، ومن يملكُ البابَ؟