ثيليسون أورليان... من هايتي إلى فناك، ومن جائزة إلى تهمة


احمد صالح سلوم
الحوار المتمدن - العدد: 8841 - 2026 / 9 / 27 - 01:28
المحور: الادب والفن     

حين عبرت رواية الكاتب الكندي–الهايتي ثيليسون أورليان (Thélison Orléan) حدود القارة، ووجدت لها في فناك (Fnac) مكانًا لائقًا بين الأعمال التي تُقرأ وتُقتنى وتُتصدّر واجهات المكتبات وقوائم المبيعات، لم يهنأ بعضهم. لم يستطيعوا أن يقولوا: ها هو نصّ من أرض كانت تُسمّى هامشًا يفرض نفسه ، بعيدا عن كتابات المركزية الأوروبية . فهرعوا إلى التهمة الجاهزة: إن الذكاء الاصطناعي كتبها له.

روايته الأولى C’était ça ou mourir، الصادرة عن دار غراسيه (Grasset)، لم تكن مجرد كتاب؛ كانت زلزالًا أدبيًا. فازت بجائزة رواية فناك (Prix du Roman Fnac)، واحتلت موقعًا بارزًا في قوائم المبيعات، ودخلت دائرة الضوء التي لا يدخلها إلا نص يمسّ عصب زمانه. تحكي الرواية بضمير المتكلم قصة جوناس دورليون، أستاذ التاريخ والجغرافيا الذي يفر من بلد تغرق في عنف العصابات، ليبدأ رحلة محفوفة بالمخاطر عبر اثني عشر بلدًا حتى كندا، التي تمنحه ما لم يعد يملكه: الحق في التنفس دون خوف.

لكن الصعود السريع استدعى السقوط السريع. فبمجرد أن تُوّج أورليان بالجائزة، انطلق من حساب مجهول على منصة إكس هجومٌ مدوٍّ: الرواية كُتبت بالكامل تقريبًا بواسطة الذكاء الاصطناعي. استند الحساب إلى برنامج كشف أمريكي يزعم أنه يكشف النصوص المولّدة آليًا. انتشر المنشور، وتحوّل أورليان من ظاهرة أدبية إلى متهم، ثم إلى ملاحَق بتهمة الانتحال، ثم إلى كاتب مُسحَب من بعض القوائم والجوائز. وهكذا، في غضون أيام، تحوّل كاتب من هايتي إلى متهم في محكمة لا قاضي لها، ولا دليل فيها، ولا رحمة.

الذكاء الاصطناعي لا يكتب رواية

لكن الذكاء الاصطناعي لا يكتب رواية. إنه خوارزميات. بحر من الاحتمالات، ومرآة تلتقط ما تلقمها إياه. لا يمنحك ما ليس فيك إلا إذا بذرت فيه فكرة، وأسلوبًا، ومنهجًا، ومعرفة. المرآة لا تصنع وجهًا؛ إنها تكشفه. فإذا كنت سطحيًا، بليدًا، منغلقًا في طائفية وهابية أو حزبية إخوانجية، أو مجرد جعجاع، خرج النص سخيفًا، خادمًا للمركزية الأوروبية الاستعمارية، معاديًا لشعبك، فارغًا من الوعي الطبقي والاجتماعي.

أما إذا كنت عبقريًا، تملك منهجية، وتعرف من أين تؤكل الكتف، فإن التطبيق سيغوص معك في المناطق المحرّمة، والغائرة العمق الفكري، وسيقدّم لك ما يناسب مستواك. الذكاء الاصطناعي لا يرفعك إلى السماء، ولا يهبط بك إلى الحضيض؛ إنه يضاعف ما أنت عليه: يضاعف العمق إن كنت عميقًا، ويضاعف التفاهة إن كنت تافهًا.

وإذا كان أورليان قد استعان فعلًا بأداة ما، فما الذي يعيبه ذلك؟ هل يعيب الكاتب أن يستعين بمدقق لغوي؟ بمترجم؟ بباحث وثّق له تاريخ هايتي، ومآسي الهجرة، وخرائط اثني عشر بلدًا؟ ألم يكن كيسنجر يحيط نفسه بجيش من الباحثين والمحررين والمترجمين، يخدمون سلطة رأس المال؟ واليوم، صار ذلك الجيش في متناول الكاتب الفقير. عشرون ألف مساعد: محرر، ومدقق، ومصحح، وباحث، ومترجم، وموثّق. ينتظرون أن توظّفهم. لكنهم لا يكتبون لك رواية. لا يمنحونك صوتًا. لا يمنحونك هايتي، ولا منفى، ولا رحلة عبر اثني عشر بلدًا. يمنحونك الوقت، والوثيقة، والتصحيح. أما الرؤية، والوجع، والغضب، والحنين، فهي لك وحدك.

الدليل الذي لا يدل

والحقيقة أن الدليل الذي انطلق منه الاتهام لم يصمد. فقد اختُبرت مقاطع من الرواية عبر برامج كشف مختلفة، فجاءت النتائج متناقضة: أحد البرامج قال إن النص من المحتمل جدًا أن يكون بشريًا، وآخر أعطى نسبة عالية لصالح الذكاء الاصطناعي، وثالث أعطى نسبة منخفضة، وآخر نسبة متوسطة. وقال رئيس أكاديمية غونكور إنه يجب أن نكون حذرين جدًا، وإنه لم يشك لحظة واحدة في أن الكتاب قد يكون مكتوبًا بالذكاء الاصطناعي. وسُئل: لماذا نشكك في كلمته؟

بل إن بعض النقاد أشاروا إلى أن أسلوب أورليان نفسه، المتأثر بالأدب الكريولي، بإيقاعاته وتكراراته وصوره، قد يكون هو ما أربك الآلة. قال أورليان: تقاليدي هايتية وكاريبية. الصور والتكرارات والإيقاعات هي كلام حي، وهي لي. وقال أحد المكتبيين: أعتقد أن هناك قلمًا خلف هذا، وشخصًا تعب وكتبه بعرق جبينه. وقالت ليلى سليماني، الحائزة على غونكور، عن هذه الاتهامات إنها حرب على الآخر، على الأجنبي، على من جاء من مكان آخر ليقول شيئًا.

من يقف خلف الاتهام؟

ثم انكشف الوجه. أعلن كاتب مقالات فرنسي أنه هو من يقف خلف الحساب الذي أطلق التهمة. وقال إنه لم يكن وحده، بل كان ضمن مشروع جماعي، وإنهم يخشون أن يؤدي الذكاء الاصطناعي، بعد آلاف السنين من الحضارة القائمة على الكتابة، إلى اختفاء القراءة والكتابة.

لكن السؤال يبقى: لماذا أورليان تحديدًا؟ لماذا هذا الكاتب الهايتي الكندي، الأسود، الفرنكوفوني، الأجنبي، الذي خرج من بلد مزقه زلزال 2010 ليبني اسمًا في الأدب الفرنسي؟ قال رئيس أكاديمية غونكور: لديك مؤلف هايتي وكندي، أسود، فرنكوفوني لكن أجنبي. كل هذه موضوعات قد تبدو حساسة في فترة تشتعل فيها المشاعر. وقال أورليان نفسه: هناك إرادة، ليس فقط لمهاجمة الكتاب، بل خاصة لمهاجمة صوتي... لإسكاتي.

هنيئًا للكاتب

إذا هنيئًا للكاتب الذي انتشرت روايته ولقيت قبولًا كبيرًا، لأنها من إبداعه، ولو استعان بالذكاء الاصطناعي. أما من يقول إن الذكاء الاصطناعي كتبها له، فلماذا لا تنتجون نصًا مثله؟ فالتطبيق متاح للجميع. بل ربما تملكون فلوسًا لتدخلوا على تطبيق مدفوع، وخدماته أفضل.

استفيدوا أيها الفقراء المبدعون. لا تلتفتوا إلى ماكينات إعلام غوبلزية تحبطكم. الشعوب تحتاجكم. ولا مبرر لأن ليس لديكم فلوس لشراء الصحف وزيارة المكتبات العالمية. الآن بين أيديكم جيش من المحررين والموثقين والمصححين. اكتبوا، واسألوا، وناقشوا، وارفضوا، وأصروا. فالمستقبل لا يكتبه الذكاء الاصطناعي، بل يكتبه المبدع الذي يعرف كيف يجعله خادمًا للوعي، وللإنسان، وللشعوب.