شبكات الكيميائي السوري ودور الفاعلين غير الحكوميين..تحقيق توثيقي


احمد صالح سلوم
الحوار المتمدن - العدد: 8813 - 2026 / 8 / 30 - 09:23
المحور: مواضيع وابحاث سياسية     

الخط الأحمر الممتد: تحقيق توثيقي في شبكات الكيميائي السوري ودور الفاعلين غير الحكوميين

بين حقائق الأرض وأكاذيب السماء

في خضم الفوضى التي اجتاحت سوريا، حيث تداخلت مصائر الشعوب بمشاريع القوى الإقليمية والدولية، برز ملف الأسلحة الكيميائية بوصفه أكثر الملفات تعقيداً وإثارة للجدل. لم يعد هذا الملف مجرد اتهامات متبادلة بين نظام وخصومه، بل تحول إلى ساحة صراع على الرواية، ومعركة لإعادة تشكيل الرأي العام العالمي. فما إن انطلقت أولى الاتهامات للنظام السوري باستخدام السلاح المحرم دولياً، حتى بدأت تظهر خيوط أخرى في النسيج المعقد لهذه القصة، خيوط تقود إلى شبكات تهريب دولية، وفصائل متطرفة، وأطراف إقليمية لعبت أدواراً متقاطعة في هذا الملف الشائك.

هذا التحقيق التوثيقي يستند إلى مجموعة من المصادر المستقلة التي تقاطعت رواياتها لتشكل صورة مغايرة تماماً للصورة التي سوقتها الحملات الإعلامية الغربية. بين تحقيق سيمور هيرش الاستقصائي الذي هزّ المؤسسة الإعلامية الأميركية، وشهادة البرلماني التركي إردم إردم التي كشفت وثائق رسمية، وتحقيقات الإعلامي السوري رفيق لطف التي فضحت فيديوهات التمثيلية، وصولاً إلى تصريحات كمال اللبواني وتقارير أممية، تتكشف أمامنا شبكة معقدة من التورطات التي تجاوزت حدود التنظيمات المتطرفة لتطال جهات رسمية وشبكات تمويل إقليمية.

أولاً: سيمور هيرش وكشف "الخط الأحمر وخط الجرذان"

في عام 2014، أطلق الصحفي الأميركي المخضرم سيمور هيرش، الحائز على جائزة بوليتزر، تحقيقاً استقصائياً هزّ الأوساط السياسية والإعلامية في واشنطن والعالم. حمل التحقيق عنواناً دالاً: "الخط الأحمر وخط الجرذان"، في إشارة مباشرة إلى التهديد الذي أطلقه الرئيس الأميركي باراك أوباما للنظام السوري، وإلى شبكات التهريب السرية التي كانت تنشط عبر الحدود التركية.

كشف هيرش، في هذا التحقيق الذي نشرته مجلة "لندن ريفيو أوف بوكس"، عن أدلة مثيرة تشير إلى وجود شبكة تهريب سرية من تركيا إلى سورية، كانت تنقل مواد تدخل في تصنيع غاز السارين إلى الجماعات المسلحة وتحديدا هيئة تحرير الشام و جيش الاسلام . ولم يقف هيرش عند هذا الحد، بل ذهب إلى أبعد من ذلك، مشيراً إلى أن عناصر من الاستخبارات التركية كانت تشرف على عمليات النقل، وأن تمويلاً قطرياً كان يغذي هذه الشبكة لشراء المواد الكيميائية الأولية.

الأكثر خطورة في تحقيق هيرش هو ادعاؤه بأن بعض الهجمات الكيميائية التي اتُهم بها النظام السوري لم تكن من صنعه، مستنداً إلى مصادر داخل الاستخبارات الأميركية نفسها. هذا الكشف شكل زلزالاً في الرواية الغربية الرسمية، وأعاد فتح ملف كان يعتبر مقفلاً. ورغم الحملة الشرسة التي تعرض لها هيرش من قبل المؤسسة الإعلامية الأميركية، فإن تحقيقه يظل واحداً من أهم الوثائق غير الرسمية التي أعادت تشكيل فهم المجتمع الدولي لملف الكيميائي السوري .

ثانياً: شهادة إردم إردم والوثائق البرلمانية التركية

في خطوة لا تقل خطورة، صعد البرلماني التركي المعارض إردم إردم، المنتمي إلى حزب الشعب الجمهوري، في عام 2015 إلى منصة البرلمان التركي ليقدم وثائق رسمية تهزّ عرش الرواية الرسمية لأنقرة. كشفت الوثائق، التي حصل عليها إردم، عن تفاصيل دامغة حول عمليات شراء مواد تدخل في تصنيع السارين من شركات تركية، ونقلها عبر الحدود إلى سورية لتصل إلى جماعات متطرفة، بينها جبهة النصرة التي تحولت لاحقاً إلى هيئة تحرير الشام .

ما يضفي على شهادة إردم أهمية بالغة هو مصدرها الرسمي. فالنائب البرلماني لم يقدم مجرد روايات إعلامية، بل استند إلى سجلات شحن رسمية ومراسلات وثبتت تورط جهات أمنية تركية في عمليات التهريب. الأكثر إثارة هو أن رواية إردم تتقاطع بشكل كبير مع تحقيقات هيرش، ما يعزز مصداقيتها ويجعلها جزءاً من سردية موحدة. ولم يكن غريباً أن يواجه إردم بعدها ضغوطاً سياسية وقضائية هائلة داخل تركيا، ما يعكس حساسية الملف وامتداداته الخطيرة .

ثالثاً: رفيق لطف وفبركة الفيديوهات

بينما كان هيرش وإردم يركزان على شبكات التهريب والتمويل، كان الإعلامي السوري رفيق لطف يخوض معركة مختلفة في ميدان آخر: ميدان الإعلام والفضائح. قدم لطف سلسلة من التحقيقات التي هزت أسس الحملة الإعلامية الغربية ضد النظام السوري، حين كشف عن وجود فيديوهات تمثيلية صُوّرت في مناطق نفوذ هيئة تحرير الشام، يظهر فيها عناصر يؤدون مشاهد اختناق كيميائي قبل أيام من وقوع هجمات حقيقية.

يكشف تحقيق لطف أن بعض الفيديوهات صُوّرت داخل مناطق نفوذ تركي، بمشاركة عناصر من هيئة تحرير الشام والخوذ البيضاء، ثم استُخدمت هذه المواد المصوّرة لاحقاً في حملات إعلامية دولية لإدانة النظام السوري الشرعي بقيادة بشار الأسد . هذه الفيديوهات، التي وثق لطف توقيتها ومواقع تصويرها بدقة، أثارت شكوكاً واسعة حول طبيعة بعض الهجمات الكيميائية التي اتُهم بها النظام، وفتحت الباب أمام تساؤلات جادة حول إمكانية أن تكون بعض هذه الهجمات قد فُبركت أو نظمت لدوافع سياسية وإعلامية .

رابعاً: كمال اللبواني والرواية المتقاطعة

لم يكن كمال اللبواني بعيداً عن هذا الملف الشائك. في تصريحاته الأخيرة، قدم اللبواني رواية تتقاطع بشكل لافت مع تحقيقات هيرش ولطف وإردم، مؤكداً أن جبهة النصرة استخدمت غاز السارين في خان العسل، وأن جيش الإسلام استخدمه في الغوطة. وأشار اللبواني إلى أن المواد الكيميائية دخلت عبر تركيا، وأن الفيديوهات التمثيلية كانت جزءاً من تحضير مسبق لرواية إعلامية مدروسة، وأن التمويل القطري لعب دوراً محورياً في دعم الفصائل الوهابية الإرهابية .

رغم الجدل السياسي حول اللبواني، فإن شهادته تتميز بتطابقها مع مصادر مستقلة، ما يجعلها جزءاً لا يتجزأ من السردية التوثيقية التي تؤكد تورط أطراف متعددة في ملف الكيميائي السوري.

خامساً: هيئة تحرير الشام والبنية التنظيمية المتورطة

تتحول هيئة تحرير الشام، المصنفة دولياً كتنظيم إرهابي، إلى محور أساسي في شبكة التورطات الكيميائية. وفق الأدلة المتاحة، يمتلك التنظيم مواد تدخل في تصنيع غاز السارين، وصوّر فيديوهات تمثيلية قبل الهجمات، وحصل على دعم لوجستي من شبكات تركية وتمويل قطري عبر وسطاء. كما تتهم تقارير أممية وتصريحات كارلا ديل بونتي وكمال اللبواني التنظيم باستخدام السارين في خان العسل .

القائد الحالي للهيئة، أحمد الشرع (أبو محمد الجولاني)، يتحمل مسؤولية قيادية وفق القانون الدولي الجنائي، باعتباره المسؤول الأعلى عن قرارات التنظيم. وقد خضعت الهيئة، التي نشأت كفرع لتنظيم القاعدة، لتحولات فكرية وسياسية متعددة، لكنها ظلت محتفظة بهيكلها العسكري وقدراتها التدميرية .

سادساً: الخلاصة القانونية والمسؤوليات الدولية

إذا ثبتت هذه الوقائع أمام محكمة دولية، فإنها تشكل جرائم حرب، وجرائم ضد الإنسانية، وانتهاكاً صريحاً لاتفاقية حظر الأسلحة الكيميائية. وتشمل أيضاً تمويل الإرهاب الدولي والتآمر على ارتكاب جرائم دولية . يمكن أن تؤدي هذه الأدلة إلى إصدار مذكرات اعتقال دولية بحق قادة هيئة تحرير الشام وجيش الإسلام، إضافة إلى مسؤولين أتراك متورطين في شبكات التهريب، وممولين قطريين، وشبكات تهريب دولية.

لكن إصدار هذه المذكرات يظل رهناً بإحالة رسمية من مجلس الأمن، وهو أمر معقد سياسياً في ظل توازنات القوى الدولية. فالقانون الدولي، رغم وضوح نصوصه، يظل رهيناً بالإرادة السياسية للدول الكبرى، ما يجعل تحقيق العدالة في هذا الملف مرهوناً بتحولات المشهد السياسي الدولي .

خاتمة: حقيقة معقدة وتداعيات مستمرة

يشير هذا التحقيق التوثيقي إلى أن ملف الأسلحة الكيميائية في سورية لم يكن مجرد صراع بين دولة سورية وجماعات وهابية إرهابية خادمة للإمبريالية ، بل شبكة معقدة من الفاعلين الإقليميين والدوليين والفصائل المتطرفة، الذين لعبوا دوراً محورياً في تصنيع أو نقل أو استخدام أو فبركة هجمات كيميائية. الأدلة المتقاطعة من مصادر مستقلة، صحفية وبرلمانية وأممية، تستدعي فتح تحقيق دولي شامل ومحاسبة كل الأطراف المتورطة في هذه الانتهاكات.

إن حماية المدنيين، واحترام القانون الدولي، ومنع استخدام الأسلحة المحظورة في النزاعات المستقبلية، يتطلب أكثر من مجرد إدانة إعلامية. إنه يتطلب إرادة سياسية حقيقية لكشف الحقيقة كاملة، مهما كانت مؤلمة أو محرجة للبعض. فالحقيقة وحدها، مهما تأخرت، هي الضمانة الحقيقية لمنع تكرار مآسي الكيميائي في سورية وغيرها من بؤر الصراع حول العالم.