حين تتصاعد الجعحعة من وارسو و بروكسل في لحظة تراجع القدرات: تحوّل بنيوي للنظام العالمي باتجاه الشرق
احمد صالح سلوم
الحوار المتمدن
-
العدد: 8830 - 2026 / 9 / 16 - 08:41
المحور:
مواضيع وابحاث سياسية
مدخل سردي: حين يتحدث الشرق بلغة الصدمة
كان المشهد الأوروبي ، في منتصف سبتمبر 2026، أشبه بلوحة قديمة تُعاد رسمها بألوان نابضة بالتوتر. من موسكو، خرجت عبارة قاسية كحد السيف: بولندا قد "تختفي خلال يومين إلى ثلاثة أيام" إذا ما انزلقت إلى مواجهة مباشرة مع روسيا. كان المتحدث مساعد الرئيس الروسي نيكولاي باتروشيف، ورجل بمثل هذا الموقع لا يتحدث عبثاً، ولا يرمي كلماته في الهواء. ثم جاء الرد الأوروبي سريعاً، حاداً، من مسؤولة الخارجية في الاتحاد الأوروبي، محمّلاً بنبرة "الاستعداد للردع" واتهامات صريحة لموسكو بتهديد الأمن الأوروبي بأسره.
بين عبارة روسية تشي بثقة باردة، وردّ أوروبي يتردد صدى القلق في ثناياه، يتشكّل سؤال مركزي: لماذا ترتفع الأصوات بينما تتراجع القدرات؟ ولماذا تختار أوروبا لغة التصعيد في اللحظة التي تكتشف فيها أن أدواتها التقليدية لم تعد كافية؟ ولماذا ترد موسكو بلغة الردع الصادم في وقت ترى فيه أن الزمن يعمل لصالحها؟
هذه ليست مجرد معركة تصريحات. إنها مرآة لتوازن قوى يتغيّر، ونظام عالمي يعيد ترتيب أوراقه، وقارة عجوز تجد نفسها مضطرة إلى رفع الصوت في لحظة لم تعد فيها قادرة على رفع السقف.
أولاً: التهديد الروسي لبولندا — قراءة في سياق الردع
التهديد الروسي لم يكن إعلاناً عن نية حرب، بل كان جزءاً من استراتيجية الردع الكلامي التي تستخدمها موسكو حين تشعر بأن الخطاب الأوروبي تجاوز حدود "التصعيد السياسي" إلى "التشكيك في قدرة روسيا العسكرية".
ما الذي دفع موسكو إلى هذا الخطاب؟
· تصريحات بولندية عن قدرة أوروبا على "هزيمة روسيا سريعاً".
· حديث أوروبي متكرر عن "تفوق جوي ساحق".
· محاولات أوروبية لإظهار استقلالية عن واشنطن في الملف الأوكراني.
بالنسبة لموسكو، هذه التصريحات ليست مجرد كلام، بل محاولة أوروبية لرفع المعنويات في لحظة تراجع الدعم العسكري والاقتصادي لأوكرانيا.
لذلك جاء الرد الروسي بصيغة صادمة، هدفها:
· إعادة ضبط سقف الخطاب الأوروبي.
· تذكير أوروبا بأن الحرب البرية ليست لعبة أرقام.
· إظهار أن روسيا قادرة على الردع حتى دون استخدام كامل قوتها.
في هذا السياق، لم تكن عبارة باتروشيف سوى رسالة موجهة إلى وارسو وبروكسل معاً: أن الخطاب الأوروبي عن "الهزيمة السريعة" لروسيا هو وهم استراتيجي، وأن أي مواجهة مباشرة ستكون كارثية على الطرف الأوروبي.
ثانياً: لماذا تصعّد مسؤولة الخارجية الأوروبية؟
التصعيد الأوروبي ليس تعبيراً عن قوة، بل عن قلق بنيوي داخل الاتحاد.
أسباب التصعيد الأوروبي:
· تراجع المخزون العسكري الأوروبي بعد عامين من دعم أوكرانيا.
· ضغط اقتصادي بسبب الطاقة والتضخم وسلاسل التوريد.
· انقسامات سياسية داخلية وصعود أحزاب مناهضة للنيوليبرالية.
· تراجع الالتزام الأمريكي مع انشغال واشنطن بآسيا.
لذلك، التصعيد الكلامي الأوروبي هو محاولة لتعويض:
· نقص القدرة العسكرية،
· ضعف الإرادة السياسية،
· تراجع الثقة الشعبية،
· وتآكل النفوذ الدولي.
إنه خطاب "قوة بلا قوة". خطاب يريد أن يبدو صلباً في لحظة يشعر فيها بأن بنيته الداخلية تتصدع. أوروبا اليوم تشبه لاعباً يرفع صوته في ملعب يعرف أنه لم يعد يملك اللياقة الكافية لإنهاء المباراة.
ثالثاً: الرد الروسي — بين الرسالة العسكرية والرسالة السياسية
الرد الروسي لم يكن موجهاً لبولندا وحدها، بل للاتحاد الأوروبي بأكمله. موسكو أرادت أن تقول:
· أوروبا ليست جاهزة لحرب طويلة.
· الناتو لن يخوض حرباً مباشرة من أجل بولندا.
· روسيا قادرة على الردع دون أن توسّع الحرب.
· أي مواجهة مباشرة ستكون كارثية على الطرف الأوروبي.
الرسالة الأعمق: أوروبا تتحدث أكثر لأنها تملك أقل.
في هذا الإطار، يبدو الخطاب الروسي ليس مجرد تهديد، بل إعادة تعريف لقواعد الاشتباك الكلامي. موسكو لا تريد حرباً، لكنها تريد أن تُفهم حدودها. وهي تعرف أن أوروبا، في لحظة تراجعها، قد تدفع الأمور إلى حافة لا تحتمل نتائجها.
رابعاً: لماذا ترتفع الأصوات الآن؟ الأسباب البنيوية للتصعيد
هنا يدخل التحليل البنيوي الذي يعتبر ان جوهر المشهد :
1) أزمة المركز الأوروبي
أوروبا اليوم تعيش:
· ركوداً صناعياً،
· تضخماً متصاعداً،
· أزمة طاقة،
· تراجعاً في القدرة العسكرية،
· انقساماً سياسياً داخلياً.
هذه الأزمات تجعل الخطاب الأوروبي أكثر حدّة، لأنه يحاول تعويض ضعف البنية.
2) صعود الأطراف العالمية
في الوقت نفسه:
· الصين تعيد تشكيل الاقتصاد العالمي،
· روسيا تتقدم ميدانياً في أوكرانيا،
· إيران تؤثر على مضيق هرمز،
· حكومة صنعاء تؤثر على البحر الأحمر،
· القاهرة تعيد تموضعها نحو بكين وموسكو.
هذه التحولات تجعل أوروبا تشعر بأن موقعها في النظام العالمي يتراجع.
3) فشل أدوات الضغط التقليدية
العقوبات لم تُضعف روسيا كما توقعت أوروبا، بل أضعفت أوروبا نفسها. وهذا يخلق حالة من الإحباط الاستراتيجي داخل الاتحاد.
4) الحاجة إلى خطاب يوحّد الداخل
التصعيد الخارجي يُستخدم أحياناً لخلق "عدو خارجي" يوحّد الداخل الأوروبي في لحظة انقسام سياسي. لكن هذا الخطاب، إذا تجاوز حدوده، قد يتحول إلى فخ يجرّ أوروبا إلى مواجهة لا تريدها ولا تستطيع تحمّل تبعاتها.
خامساً: ما الذي يعنيه هذا التصعيد لمستقبل أوروبا؟
التصعيد الكلامي لا يعني حرباً، بل يعني:
· أن أوروبا في حالة قلق وجودي.
· أن روسيا في حالة ثقة استراتيجية.
· أن ميزان القوة يميل تدريجياً نحو الشرق.
· أن النظام العالمي يدخل مرحلة تعدد الأقطاب.
أوروبا تصرخ لأنها تخشى المستقبل، وروسيا ترد لأنها ترى أن الزمن يعمل لصالحها. في هذا السياق، لم تعد القارة العجوز قادرة على فرض إرادتها كما فعلت في القرن العشرين، ولم تعد قادرة على الاعتماد على واشنطن كما اعتادت. إنها لحظة انتقالية، واللحظات الانتقالية هي الأكثر خطورة في تاريخ الأمم.
عالم يتغيّر… وأوروبا ترفع الصوت
التهديدات المتبادلة بين بولندا والاتحاد الأوروبي من جهة، وروسيا من جهة أخرى، ليست مجرد تبادل تصريحات، بل هي مرآة لتحوّل بنيوي في النظام العالمي.
أوروبا تحاول الحفاظ على مكانتها عبر الخطاب، وروسيا تحاول تثبيت مكاسبها عبر الردع. وفي الخلفية، تتحرك الصين وإيران و صنعاء و مقاومة جنوب لبنان و الجنوب العالمي، لتعيد رسم خريطة القوة الدولية.
إنه عالم يتغيّر…
وأوروبا تجد نفسها مضطرة إلى رفع الصوت، في لحظة لم تعد فيها قادرة على رفع السقف.