صالح علماني: الفلسطيني ، ساحر الترجمة الذي مشى بين الناس ببساطة وحمل أثقال السياسة
احمد صالح سلوم
الحوار المتمدن
-
العدد: 8835 - 2026 / 9 / 21 - 00:22
المحور:
الادب والفن
في ذاكرتي للصحافة الثقافية بدمشق، ثمة صور لا تمحوها السنوات. صورة ذلك الرجل الذي يدخل مكتب تحرير مجلة "الحرية" قرب ساحة الشهبندر، يلقي التحية علينا ببساطته المعهودة، حاملاً بيده أكياساً بلاستيكية مملوءة بالخضار لبيته، ويمسك باليد الأخرى يد ابنه الصغير. كان زوار المكتب يستغربون؛ هل هذا الرجل الهادئ، المتخفف من رداء العظمة الزائفة، هو نفسه "العملاق" الذي نقل إلينا سحر أمريكا اللاتينية؟ هل هذا هو من جعلنا نقرأ غابرييل غارسيا ماركيز، وإيزابيل أليندي، وماريو فارغاس يوسا، بلغة عربية لا تقل سحراً عن أصلها الإسباني؟
نعم، إنه صالح علماني (1949 - 2019)، المترجم الذي لم يكن ناقلاً للكلمات، بل كان كاتباً حقيقياً ومبدعاً يعيد صياغة الروح الإنسانية.
مترجم بدرجة مؤلف: إدخال "الواقعية السحرية" إلى البيوت العربية
لم تكن ترجَمات علماني مجرد عمل أكاديمي بارد؛ لقد كان يمتلك حساً إبداعياً نقياً جعل القارئ العربي يشعر أن رواية "مئة عام من العزلة" أو "الحب في زمن الكوليرا" كُتبت أساساً بالعربية. منحنا علماني مفاتيح عوالم "الواقعية السحرية" التي تقاطعت في كثير من تفاصيلها مع واقعنا الشرقي المعقد. ورغم أنه غدا مدرسةً قائمة بذاتها في أدب الترجمة، وحصل على أرفع اوسمة التقدير العربي والعالمي من قراءه للثقافة والعلوم والفنون ، إلا أن طقوس حياته اليومية في شوارع دمشق وظلت تعكس نقاءً وبساطة قلّ نظيرها بين المثقفين.
الموقف والبوصلة: الاصطفاف في زمن التشظي السوري
مع اندلاع الحرب الاستعمارية على سوريا، بأوامر أمريكية صهيونية لمحميات الخليج، لتمويلها ، وتمويل الخونة الذين يلتفون حولها من أجل البترودولار، لم يجد الإبداع نفسه معزولاً عن خطوط النار، وسرعان ما تحولت الساحة الثقافية إلى انعكاس مباشر للاستقطاب العسكري والسياسي. في هذا المخاض العنيف، اختار صالح علماني بوصلته بوضوح تام، متخذاً موقفاً صارماً إلى جانب الدولة السورية، ومعبراً عن تأييده المطلق لانتصارات الجيش العربي السوري. ولم يقتصر موقفه على التأييد العام، بل كال المديح والإشادة لقوات فدائية وطنية مثل "لواء القدس" الفلسطيني التي قاتلت في الجبهات ضد عصابات الخونة من الاخوان المسلمين والقاعدة وداعش وجعجع خدم الإمبريالية والصهيونية ، معتبراً أن المعركة هي معركة وجود وطني ضد محاولات تدمير البلاد وتفكيكها.
رفض علماني بشكل قاطع الانخراط في أي من المشاريع المدعومة من الجهات الاستعمارية الإقليمية، موجهاً انتقاداته الحادة لما اعتبره ارتهاناً من بعض المثقفين السوريين الخونة لأجندات عواصم للارتزاق الإعلامي كإسطنبول والدوحة أو عواصم الخليج التي رأى فيها أدوات لتنفيذ سياسات أمريكية وصهيونية تهدف لإبادة الهوية العربية وتدمير منجزات الدولة السورية .
المبدع بين الأخلاق السياسية والوفاء للوطن
هذه المواقف الحاسمة لعلماني لم تمر دون صخب؛ بل أثارت عاصفة من الجدل والاستغراب وسط طيف واسع من الخونة ممن يسمون أنفسهم مثقفين و كتاب سوريين وفلسطينيين، لا سيما الذين اختاروا طريق الريال القطري والسعودي و رواتب السي اي ايه في اسطنبول والدوحة وغيرها .
تحولت سنوات علماني الأخيرة إلى مواجهة موازية في الفضاء الثقافي، حيث تعرض لحملات هجوم وشتائم قاسية من معارضيه من الخونة، الذين فتحوا الأرض السورية اليوم للاحتلال الصهيوني والتركي ، وجوعوا الشعب السوري ودمروا حياته بالغلاء والاوساخ و النهب والاغتصاب ، كما توقع برؤيوية جراحية،بينما دافع عنه بقوة مؤيدو الدولة السورية الذين رأوا فيه نموذجاً للمثقف الوطني الملتزم بقضايا بلده وأمنه في وجه التدخلات الاستعمارية الاستخباراتية الخارجية.
الرحيل وبقاء الأثر
رحل صالح علماني في منفاه الإسباني عام 2019، حيث وقفت أمامه الدولة الإسبانية بكل إجلال واحترام ، ومنحته إقامة تليق به ، وبيت يليق بقامته الشامخة ،تاركاً خلفه أكثر من مئة كتاب مترجم، وساحة ثقافية ما زالت تنزف جراء احتلال سورية اليوم ، بسبب الخونة ، من كتبة بترودولار محميات الخليج الصهيو أمريكية . لكن بعيداً عن صخب المواقف المتباينة وعواصف السياسة التي لا ترحم، يبقى علماني في وجدان قرائه ذلك الساحر النقي الذي صنع جسراً ثقافياً عابراً للقارات، وذلك الأديب البسيط الذي كان يجمع بين عظمة الفكر والموقف الاستشهادي وتواضع المشي في أسواق دمشق، حاملاً طيبة الأرض في قلبه وفي تفاصيل حياته اليومية.
...........
ألمادة الجادة :
حين يصبح الفن تهمة: زياد الرحباني بين مطرقة الشكوى وسندان العزلة
في مشهدٍ يختزل مأساة الإبداع العربي، تتكشّف كل يوم فصول روايةٍ عبثيةٍ يكون بطلها موسيقاراً أراد أن يعزف للحياة، فإذا بالحياة تُدير له ظهرها
شكوى في زمن الردّة
وقف زياد الرحباني، ابن بيروت التي علّمته أن الفنّ مقاومة، يقدّم شكوى رسمية للشرطة. ليس لأنّ أحداً سرق لحناً، أو اغتصب جملة موسيقية، بل لأنّ "مباحث العدو السعودي" — كما يقول — ترسل من يحاول إعاقة إبداعه. هنا، في هذه اللحظة، يتجلّى التناقض الصارخ: موسيقارٌ عربيٌّ يلجأ إلى مؤسسة أمنية ليحمي فنّه من مؤسسة أمنية أخرى. كأنّ الإبداع العربي أصبح لعبةً في يد أجهزةٍ لا تفهم من الموسيقى إلا نشازها.
لكنّ الشكوى ليست مجرّد واقعةٍ عابرة. إنها بيانٌ سياسيٌّ بامتياز. زياد، الذي ورث عن والده عاصي الرحباني فنّ العتابا والميجانا، وعن أمّه فيروز صوت لبنان الذي لا يشيخ، اختار أن يقول ما يعرفه الجميع ولا يجاهر به أحد: أنّ كلّ إبداعٍ حقيقي هو تهديدٌ لتوازنات القوى. وكلّ تهديدٍ لتوازنات القوى يُترجم فوراً إلى محاولةٍ لتدميره.
قطاعة الخبز ومسرح الانحطاط
في الجهة المقابلة من المشهد، تقف "قطاعة الخبز" — هذا الوصف الذي اختاره زياد ليصف به ، أصالة نصري، صوتاً نسائياً شهد له الجمهور العربي — تغنّي في دمشق هيئة خراب الشام . لماذا؟ لأنّ المشهد الفني العربي لم يعد يحتمل الرحباني وفيروز ووديع الصافي وملحم بركات. لم يعد يحتمل الشعر الذي يتغنى بالوطن، ولا النغم الذي يبكي على الجرح، ولا الكلمة التي ترفع الرأس.
المسرح الشامي ، الذي كان يوماً منارةً للفنّ العربي، أصبح ساحةً لـ"الهشيك بيشك" و"البترودولار" — تلك العملة الغامضة التي تلمع في جيوب المحميات الخليجية الصهيونية. المحميات التي مسحت كلّ مسارح بيروت ودمشق ، ليس لأنها تكره الفن، بل لأنها تخشى الفنّ الذي لا تستطيع شراءه. الفنّ الذي يرفض أن يكون بضاعةً في سوق النفط والغاز.
وهنا تتكشّف المعادلة الصهيونية-الخليجية بكلّ بشاعتها: أموالٌ تُغدَق على من يرقص على أنقاض سورية، ومساحاتٌ تُمنح لمن يغني للخراب، بينما يُحاصَر الابداع عند من يريد أن يبني جسراً بين الإنسان وأحلامه.
…….
فيروز وسورية الأسد... احترامٌ في زمن العار
في خضمّ هذا الخراب، تبرز مفارقةٌ أخرى: "سورية الأسد" — بكلّ ما تحمله العبارة من دلالاتٍ سياسية — كانت تستقبل زياداً وأمّه فيروز "بكلّ احترام". لماذا؟ لأنّ الإبداع، في نظر البعض، لا يعترف بالحدود ولا بالأنظمة. لأنّ فيروز، صوت السماء على الأرض، لا تحتاج إلى تأشيرةٍ لدخول القلوب.
أردوغان والجولاني وقاعدة العيديد
بعيداً عن بيروت، في إسطنبول، يبنى صرحٌ آخر. فللٌ ومطاعمُ شُيّدت من خراب سورية ودم أبنائها. مقاولٌ جديد اسمه أردوغان، ومعه "قاعدة العيديد" و"إنجيرليك" — تلك القواعد التي تُحضّر لحفلاتٍ تغني فيها "قطاعة الخبز". ويسود فيها اعلام الخيانة والعمالة للاحتلال التركي والصهيوني وفي الخلفية، هتافات السوريين: "الشعب يريد إسقاط الجولاني".
الجولاني، الذي خرج من رحم "الموساد" و"الإخوان المسلمين"، أصبح اليوم نجماً في سماءٍ مظلمة. لكنّ السماء المظلمة لا تنجب إلا الوحوش. والشعب السوري، الذي أصبح أكثر من تسعين بالمئة منه تحت خطّ الفقر، يدرك أنّ هذه العصابة ليست سوى وجهٍ آخر للاستعمار الذي يلبس ثوب الثورة.
عندما تصمت الموسيقى
اخيرا ، تبقى الحقيقة الأكثر إيلاماً: أنّ الإبداع العربي، بكلّ أطيافه، يعيش في زمن العزلة. زياد الرحباني، الذي ملأ الدنيا بألحانه، كان يجد نفسه وحيداً قبل وفاته أو استشهاده في مواجهة آلةٍ لا تُفهم إلا لغة المال والسلطة. فيروز، التي غنّت للربيع، ترى لبنانها يذبل تحت شمسٍ حارقة. وسورية، التي أنجبت المبدعين، تصبح رهينة المحبسين التخلف العصملي الخليجي الوهابي والاحتلال الصهيوني تُشاهد أبناءها يهاجرون أو يموتون.
لكنّ الموسيقى لا تموت. قد يصمت زياد الرحباني، لكنّ ألحانه ستبقى تُغرّد في صدور من يحبّون الحياة. قد تُحرق المسارح، لكنّ النغم سيبقى يتسلل من النوافذ المغلقة. قد تختفي الأصوات، لكنّ الصمت نفسه سيصبح لحناً في النهاية.
أيها الفنّ... من يحميك؟
في زمنٍ تُصادر فيه الأصوات، وتُشترى فيه الذمم، ويُصبح فيه الفنّ تهمةً، كان زياد الرحباني ومن مثله يقف وحيداً. لا يحميه إلا اسمه، ولا يدافع عنه إلا ألحانه. لكنّ الدرس الأكبر الذي يقدّمه لنا هو أنّ الإبداع، حين يكون صادقاً، لا يحتاج إلى حماية. إنه يحمي نفسه بنفسه.
أما الآخرون، أولئك الذين اغدقوا على "قطاعة الخبز" و"الهشيك بيشك"، من عملاء محميات الانحطاط الخليجي الصهيوني العصملي فسيختفون كما تختفي كلّ الأشياء المزيفة. وتبقى الموسيقى الحقيقية، خالدةً، تُغنّي للحرية... حتى في زمن العبودية.