مقدمة كتابي : بيادق الرمال : تشريح الأدوار الوظيفية من الاحتلال البريطاني إلى الشبكات الموسادية-.


احمد صالح سلوم
الحوار المتمدن - العدد: 8819 - 2026 / 9 / 5 - 09:46
المحور: مواضيع وابحاث سياسية     

في جغرافيا الاقتلاع وهندسة السبي
لم يكن المشرق العربي في مطلع القرن العشرين مجرد مساحات ممتدة من الرمال والوديان، بل كان بساطاً حضارياً عريقاً، نسجت خيوطه طوائف وثقافات وأديان تعايشت تحت ظلاله لآلاف السنين. وفي قلب هذا البساط، كانت الطائفة اليهودية العراقية تمثل واحدة من أعمق وأجمل الجاليات جذوراً في تاريخ وادي الرافدين؛ حيث امتد وجودها لستة وعشرين قرناً منذ سبي بابل الأول، وأسهمت ببراعة في صياغة الهوية الاقتصادية، والثقافية، والسياسية للدولة العراقية الحديثة. غير أن هذه الطمأنينة التاريخية المستقرة لم تكن لتدوم حين تحولت المنطقة بأسرها إلى رقعة شطرنج في غرف التآمر الاستعماري البريطاني والصهيوني.
يأتي هذا الكتاب ليميط اللثام عن الصندوق الأسود لواحدة من أبشع جرائم هندسة الجغرافيا البشرية في العصر الحديث: جريمة الاقتلاع الممنهج لتواريخ وثروات وأجساد يهود الشرق وتحويلهم إلى "لحم للمدافع" وكتل ديموغرافية لخدمة مشروع استيطاني عنصري في فلسطين المحتلة. إن القراءة التقليدية السطحية التي روجت لها أجهزة البروباغندا الغربية والصهيونية، والتي صوّرت خروج يهود العراق والشرق كـ"هجرة طوعية وعودة تاريخية لأرض الميعاد"، تتحطم في هذا العمل أمام صخرة الوثائق السرية والشهادات الحية التي تثبت أن ما حدث كان عملية سبي منظم، تقاسمت أدوارها قوى الاستعمار مع نخب محلية مصنوعة وواجهات استخباراتية مظلمة.
من خلال فصول هذا الكتاب الثمانية، نتتبع المسار التراجيدي التعددي الذي قُطعت حباله بدم بارد؛ نبدأ من ليلة "الفرهود" الصامتة عام ألف وتسعمائة وواحد وأربعين، حيث وقفت الدبابات البريطانية متفرجة على المذبحة على أسوار بغداد لكسر الأمان النفسي للطائفة، وندرس استراتيجية "توزيع الأدوار" التي هندسها دهاقنة لندن عبر عواصم من ورق ومعاهدات جائرة. ثم ننتقل مجهرياً إلى حقبة الخمسينيات، لنكشف كيف تحول "حبر القوانين" الموجهة لإسقاط الجنسية وتجميد الأموال إلى أداة سطو شرعي، وتزامن ذلك مع إلقاء "قنابل الرعب" الصهيونية السرية وسط كنيس مسعودة شمتوف لدفع المترددين نحو طائرات الجلاء القسري.
ولا تقف دراستنا عند حدود مرافئ المغادرة، بل تلاحق الضحايا إلى "أرض السراب الموعود"، لتوثق جحيم مخيمات "المعباروت" الشبيهة بمعسكرات الاعتقال، والفرز العرقي والطبقي الصارم الذي مارسته النخبة الأشكنازية الغربية ضد "اليهود المزراحيم"، وصولاً إلى الفضيحة الإنسانية الأكثر قتامة وقسوة: لغز الأطفال الرضع المخطوفين والمباعين من أحضان أمهاتهم المشرقيات.
إن هذا الكتاب ليس مجرد سرد لأحداث مضت، بل هو وثيقة نضالية أدبية وتاريخية رصينة، كُتبت بلا جداول صماء بل بدفقات نثرية بليغة، لتستعيد الحقيقة المغيبة وتنتصر لضحايا المؤامرة الاستعمارية الكبرى، معلنةً أن الصهيونية لم تكتفِ بتهجير واقتلاع الشعب الفلسطيني من أرضه، بل قامت كذلك باقتلاع الطوائف اليهودية المشرقية من أمجادها وتاريخها، لتظل جدران بغداد تنزف تنوعها المفقود، وتظل الحقيقة شاهدة على بشاعة العقول التي تدير الخرائط بالدم والدموع وسرقة الأوطان.

……….


هذا المشروع المعرفي يُمثّل وثيقةً تاريخيةً وأدبيةً تُفكك شفرات الجريمة الاستعمارية الكبرى. سنعتمد في صياغته على لغةٍ أدبيةٍ رفيعة، تجمع بين الرصانة التوثيقية والتدفق التعبيري النثري الذي يناسب جلال المأساة، مع الالتزام التام بتحويل المعطيات الرقمية والإحصائية إلى سردٍ نثريّ مسبوك ببراعة، مستبعدين الجداول تماماً بسبب قيود بعض المواقع التي لا تسمح للغرافيك بمساحة معينة .
المخطط العام للكتاب: "سبي الطوائف وهندسة الاقتلاع"
الفصل الأول: زلزال عيد الأسابيع – تفكيك ليلة الفرهود الصامتة.
الفصل الثاني: عواصم من ورق – استراتيجية توزيع الأدوار والعرائس الإمبراطورية.
الفصل الثالث: خديعة الأسوار المتفرجة – كواليس التواطؤ العسكري البريطاني.
الفصل الرابع: حبر إسقاط الهوية – البيع السياسي والقوانين الموجهة في الخمسينيات.
الفصل الخامس: قنابل مسعودة شمتوف – هندسة الرعب وصناعة الجلاء القسري.
الفصل السادس: حصاد اللحم البشري – الديموغرافيا الصهيونية وأزمة المدافع الاستعمارية.
الفصل السابع: سراب أرض الميعاد – جحيم المعباروت والفرز العرقي للأشکناز.
الفصل الثامن: الطفولة المسبية – لغز أطفال اليمن والشرق المفقودين وخاتمة الذاكرة.