تحالف وهابية العدو السعودي والإمبريالية الأمريكية


احمد صالح سلوم
الحوار المتمدن - العدد: 8864 - 2026 / 10 / 20 - 17:32
المحور: مواضيع وابحاث سياسية     

كيف تحوّل الدين إلى أداة جيوسياسية؟


I. مقدمة: حين يلتقي الدين بالسياسة

كانت المنطقة العربية تعيش لحظة فارقة في تاريخها الحديث ، في الخمسينيات من القرن الماضي . ففي القاهرة، كان جمال عبد الناصر يبني مشروعه القومي، حالمًا بوحدة عربية وتحرر من الهيمنة الغربية. وفي الرياض، كانت الأسرة السعودية تعزز نفوذها الإقليمي، محتمية بتحالف تاريخي مع بريطانيا ثم مع الولايات المتحدة. وفي واشنطن، كانت إدارة أيزنهاور تبحث عن أدوات جديدة لمواجهة المد القومي العربي، الذي كان يهدد مصالحها في المنطقة.

في هذا السياق، تشكّل تحالف غير معلن بين الوهابية والإمبريالية الأمريكية. لم يكن هذا التحالف قائمًا على القيم، بل على المصالح: واشنطن كانت تبحث عن قوة اجتماعية قادرة على مواجهة المد القومي العربي، والسعودية كانت تبحث عن مظلة دولية تحمي نفوذها الإقليمي. وهكذا، التقى الطرفان عند نقطة واحدة: استخدام الدين كأداة لتحقيق أهداف سياسية.

لكن هذا التحالف، رغم أنه لم يُعلن رسميًا، كان واضحًا في الممارسة. فقد بدأ بدعم أمريكي للإخوان المسلمين في مصر، ثم امتد ليشمل دعم " المجاهدين "الإرهابيين في أفغانستان، ثم انتهى بخلق بيئة سمحت بظهور القاعدة ثم داعش. وفي كل مرحلة، كان النمط متكررًا: اختيار جماعة دينية ذات خطاب متطرف، تقديم الدعم المالي والعسكري والإعلامي لها، استخدامها لتحقيق أهداف سياسية محددة، ثم التخلي عنها عندما تنتهي مهمتها.



II. جذور التحالف: الوهابية كأداة بريطانية

لفهم هذا التحالف، لا بد من العودة إلى جذوره التاريخية، التي تعود إلى القرن التاسع عشر. ففي ذلك الوقت، كانت بريطانيا تبني إمبراطوريتها في الشرق الأوسط، وكانت بحاجة إلى أدوات محلية لمواجهة الدولة العثمانية، التي كانت تمثل عقبة أمام توسعها. وقد وجدت في الوهابية، بطابعها القتالي وعدائها للعثمانيين، الأداة المثالية.

وهكذا، بدأت بريطانيا بدعم الوهابية ماليًا وعسكريًا، وتوفير غطاء سياسي لها، وترويج أفكارها في الأوساط الأكاديمية والإعلامية. وفي المقابل، كانت الوهابية تقدم ما هو مطلوب منها: خطابًا دينيًا يبرر العصيان على الدولة العثمانية، ورفضًا للتعددية المذهبية، ورؤية ثنائية تقسم العالم إلى "دار الإسلام" و"دار الكفر".

هذا الدعم البريطاني للوهابية لم يكن سرًا، بل كان موثقًا في الأرشيفات البريطانية. ففي عام 1915، وقعت بريطانيا معاهدة مع عبد العزيز آل سعود، تعترف فيه بسلطته على مناطق واسعة من الجزيرة العربية، مقابل دعمه لبريطانيا في حربها ضد العثمانيين. وفي عام 1925، ساعدت بريطانيا آل سعود في السيطرة على الحجاز، بعد طرد الخائن الذى يسمى " الشريف حسين "، حليف بريطانيا السابق.

وهكذا، تحولت الوهابية من تيار ديني هامشي إلى قوة إقليمية مهيمنة، ليس لقوتها الذاتية، بل لأن بريطانيا وجدت فيها ضالتها. وعندما ورثت الولايات المتحدة الإمبراطورية البريطانية بعد الحرب العالمية الثانية، ورثت أيضًا هذا التحالف، لكنها وسعته وأعطته أبعادًا جديدة.



III. الخمسينيات: الوهابية في مواجهة المد القومي

في الخمسينيات، كانت المنطقة العربية تعيش لحظة من المد القومي، بقيادة جمال عبد الناصر الذي كان يحلم بوحدة عربية وتحرر من الهيمنة الغربية. وقد كان هذا المد يشكل تهديدًا وجوديًا للمصالح الغربية في المنطقة، خاصة بعد تأميم قناة السويس عام 1956، ورفض عبد الناصر للتحالفات الغربية، وتقاربه مع الاتحاد السوفيتي.

في هذا السياق، كانت واشنطن تبحث عن سلاح لمواجهة هذا المد. لم تكن هناك ديمقراطية لتُدعم، ولا حركة علمانية لتُقوّى، فكان الخيار الوحيد هو الدين، لكن ليس أي دين: الدين الذي يخدم السياسة. وقد وجدت واشنطن في الوهابية، ومن ورائها الإخوان المسلمين، الأداة المثالية.

وهكذا، بدأت الولايات المتحدة بدعم الإخوان المسلمين في مصر، كأداة لمواجهة المد الناصري. وقد تجلى هذا الدعم في محطات متعددة، أبرزها دعم الإخوان في مواجهة عبد الناصر، ثم دعمهم في السبعينيات، عندما حاولوا اغتيال عبد الناصر عام 1954، ثم دعمهم في الثمانينيات، عندما تحالفوا مع النظام الساداتي.

وفي الوقت نفسه، كانت السعودية تقدم الدعم المالي للإخوان المسلمين، وتوفر لهم الملاذ الآمن، وتستخدمهم في مواجهة المد القومي في المنطقة. وقد تجلى هذا الدعم في محطات متعددة، أبرزها دعم الإخوان في حربهم ضد عبد الناصر، ثم دعمهم في حربهم ضد الشيوعيين في اليمن، ثم دعمهم في حربهم ضد السوفييت في أفغانستان.

وهكذا، تحول الإخوان المسلمون من حركة دينية مصرية، إلى أداة في يد التحالف الوهابي-الأمريكي، تستخدم لتحقيق أهداف سياسية محددة. وهذا النمط هو الذي تكرر لاحقًا مع جماعات أخرى، مثل القاعدة وداعش.



IV. الثمانينيات: أفغانستان كمختبر

في الثمانينيات، انتقل التحالف الوهابي-الأمريكي إلى مستوى جديد، مع الدخول السوفيتي لأفغانستان. فقد كانت واشنطن تبحث عن وسيلة لإضعاف الاتحاد السوفيتي، وإخراجه من أفغانستان، دون تكبد خسائر بشرية أو مالية كبيرة. وقد وجدت في " المجاهدين " الارهابيين الأفغان، المدعومين سعوديًا، الأداة المثالية.

وهكذا، بدأت الولايات المتحدة بدعم المجاهدين الأفغان، عبر وكالة الاستخبارات المركزية (CIA)، التي مولت وسلحت ودربت آلاف المقاتلين، قدموا من كل أنحاء العالم الإسلامي. وقد تجلى هذا الدعم في محطات متعددة، أبرزها عملية "الإعصار"، التي بدأت عام 1979، وبلغت ذروتها في الثمانينيات، حيث بلغت قيمة الدعم الأمريكي للمجاهدين أكثر من ثلاثة مليارات دولار.

وفي الوقت نفسه، كانت السعودية تقدم الدعم المالي " للمجاهدين الإرهابيين "، وتوفر لهم الملاذ الآمن، وتستخدمهم في مواجهة المد الشيعي في المنطقة. وقد تجلى هذا الدعم في محطات متعددة، أبرزها دعم السعودية للمجاهدين في أفغانستان، ثم دعمها للمجاهدين في البوسنة والهرسك، ثم دعمها للمجاهدين في الشيشان.

وهكذا، تحولت أفغانستان إلى مختبر لاختبار التحالف الوهابي-الأمريكي، حيث تم اختبار آليات التجنيد والتمويل والتدريب، التي استخدمت لاحقًا في مناطق أخرى. وقد خرج من هذا المختبر أسامة بن لادن، الذي أسس القاعدة لاحقًا، وحوّل سلاحه ضد مبدعيه.



V. التسعينيات: "الإرهاب" كعدو جديد

في التسعينيات، وبعد انهيار الاتحاد السوفيتي، كانت واشنطن تبحث عن عدو جديد، لتبرير وجودها العسكري في المنطقة، وتبرير دعمها للأنظمة التابعة لها. وقد وجدت في "الإرهاب" العدو المثالي، خاصة بعد تفجيرات الخبر عام 1996، وتفجيرات السفارتين الأمريكيتين في كينيا وتنزانيا عام 1998.

وهكذا، بدأت الولايات المتحدة بحملة عالمية ضد "الإرهاب"، لكنها لم تكن حملة ضد الإرهاب الحقيقي، بل كانت حملة ضد الجماعات التي خرجت عن السيطرة، أو التي أصبحت تهدد المصالح الأمريكية. وقد تجلى هذا في محطات متعددة، أبرزها الضربة الأمريكية لأفغانستان عام 1998، ثم الحرب على أفغانستان عام 2001، ثم الحرب على العراق عام 2003.

وفي الوقت نفسه، كانت السعودية تقدم الدعم المالي للجماعات الإسلامية، وتوفر لها الملاذ الآمن، وتستخدمها في مواجهة المد الشيعي في المنطقة. وقد تجلى هذا الدعم في محطات متعددة، أبرزها دعم السعودية لطالبان في أفغانستان، ثم دعمها للجماعات المسلحة في الشيشان، ثم دعمها للجماعات الإرهابية المسلحة في سوريا والعراق.

وهكذا، تحول "الإرهاب" من تهديد إلى أداة، تستخدمها واشنطن والرياض لتحقيق أهداف سياسية. وهذا النمط هو الذي أنتج القاعدة، ثم داعش، ثم كل الجماعات المسلحة التي تعيث فسادًا في المنطقة اليوم.



VI. العقد الأول من القرن الحادي والعشرين: "الفوضى الخلّاقة"

بعد أحداث الحادي عشر من سبتمبر 2001، تبنت إدارة بوش الابن سياسة "الفوضى الخلّاقة"، التي تهدف إلى خلق صراعات داخلية في المنطقة، تسمح بتدخل خارجي، وتمنع ظهور قوى عربية مستقلة. وهذه السياسة، التي طبقت في العراق عام 2003، أدت إلى تدمير الدولة العراقية، وخلق فراغ أمني وسياسي، سمح بظهور داعش لاحقًا.

وفي سوريا، تبنت إدارة أوباما سياسة مشابهة، حيث دعمت الجماعات الإرهابية المسلحة في مواجهة النظام السوري باستخدام المقاول بالباطن للمخابرات الخارجية المركزية ، أردوغان ، دون حساب للعواقب. وقد أدى هذا الدعم إلى إطالة أمد الحرب، وتفكيك الدولة السورية، وخلق بيئة سمحت بظهور داعش، ثم بانتشاره في العراق وسوريا ، ثم أمر واقع ارهابي حاكم صوريا ، بقيادة الجولاني والإخوان المسلمين السوريين .

وفي اليمن، تبنت إدارة أوباما سياسة مشابهة، حيث دعمت التحالف السعودي-الإماراتي في حربه ضد الحوثيين، دون حساب للعواقب الإنسانية. وقد أدى هذا الدعم إلى تفكيك الدولة اليمنية، وخلق أسوأ أزمة إنسانية في العالم، وخلق بيئة سمحت بظهور الجماعات المسلحة ، و إعادة بناء الدولة من أنصار الله ، في جزء من اليمن .

وهكذا، تحولت سياسة "الفوضى الخلّاقة" من نظرية إلى ممارسة، أنتجت الفوضى في كل مكان، لكنها لم تنتج الديمقراطية في أي مكان. وهذا هو جوهر التحالف الوهابي-الأمريكي: الدين كأداة، والجماعات المسلحة كوسيلة، والهيمنة الغربية كهدف.



VII. آليات التحالف: كيف يعمل؟

لفهم هذا التحالف، لا بد من فهم آلياته، التي تعمل على مستويات متعددة:

أولًا: الآلية المالية. حيث تقدم السعودية التمويل للجماعات الإسلامية الإرهابية ، بما فيها الجماعات الفاشية التي ترفع شعارات مسيحية كجعجع والكتائب، عبر قنوات متعددة، أبرزها المؤسسات الخيرية، والمساجد، والمدارس، والمنظمات. وهذا التمويل هو الذي يسمح لهذه الجماعات بالتجنيد والانتشار.

ثانيًا: الآلية الإعلامية. حيث تقدم السعودية الدعم الإعلامي للخطاب التكفيري، عبر الفضائيات والمواقع الإلكترونية والمناهج الدراسية. وهذا الدعم هو الذي يسمح لهذا الخطاب بالانتشار والتأثير.

ثالثًا: الآلية السياسية. حيث تقدم الولايات المتحدة الغطاء السياسي للجماعات الإسلامية، عبر الدعم الدبلوماسي، والضغط على الأنظمة العربية، وتوفير الملاذ الآمن. وهذا الغطاء هو الذي يسمح لهذه الجماعات بالعمل بحرية.

رابعًا: الآلية العسكرية. حيث تقدم الولايات المتحدة الدعم العسكري للجماعات الإسلامية، عبر التدريب والتسليح والاستخبارات. وهذا الدعم هو الذي يسمح لهذه الجماعات بالقتال والتوسع.

وهذه الآليات الأربع تعمل معًا، بشكل متكامل، لإنتاج البنية التكفيرية الحديثة، التي نعيش تداعياتها حتى اليوم.



VIII. النتائج: كوارث لا تزال ماثلة

إن هذا التحالف أنتج سلسلة من الكوارث التي لا تزال المنطقة تعيش تداعياتها حتى اليوم. فقد تم دعم الإخوان المسلمين في مصر خلال الخمسينيات والستينيات، كأداة لمواجهة المد الناصري. وتم تمويل المجاهدين في أفغانستان خلال الثمانينيات، كأداة لإضعاف الاتحاد السوفيتي. وتم خلق بيئة سمحت بظهور القاعدة ثم داعش، كأداة لتفكيك الدول العربية وإعادة رسم الخرائط. وفي كل هذه الحالات، كان النمط متكررًا: اختيار جماعة دينية ذات خطاب متطرف، تقديم الدعم المالي والعسكري والإعلامي لها، استخدامها لتحقيق أهداف سياسية محددة، ثم التخلي عنها عندما تنتهي مهمتها.

لكن النتائج لم تكن كارثية على المنطقة فقط، بل على الغرب أيضًا. فأحداث الحادي عشر من سبتمبر 2001 كانت نتيجة مباشرة لهذا التحالف، الذي خلق القاعدة، ثم تخلى عنها، فوجهت سلاحها ضد مبدعيها. وحرب العراق عام 2003 كانت نتيجة مباشرة لهذا التحالف، الذي دمّر الدولة العراقية، وخلق فراغًا سمح بظهور داعش. وأزمة اللاجئين في أوروبا كانت نتيجة مباشرة لهذا التحالف، الذي دمّر سوريا والعراق وليبيا واليمن، وخلق ملايين اللاجئين.

وهكذا، تحول التحالف الوهابي-الأمريكي من أداة للهيمنة إلى أداة لتدمير الذات، حيث أنتج عدوًا لم يكن في الحسبان، وخلق فوضى لا يمكن التحكم فيها.



IX. التحديات الراهنة: هل يتفكك التحالف؟

اليوم، يواجه هذا التحالف تحديات جديدة، مع صعود قوى عالمية جديدة، وتغير موازين القوى الدولية. فالصين وروسيا تظهران كلاعبين رئيسيين في المنطقة، وتقدمان بدائل للتحالف الغربي. وإيران توسعت نفوذها في العراق وسوريا ولبنان واليمن، وأصبحت تهديدًا للمصالح السعودية والأمريكية والصهيونية . وتركيا تبحث عن دور جديد في المنطقة،د خادم للإمبريالية الأمريكية ، وتتحالف مع قطر في مواجهة السعودية والإمارات.

وفي هذا السياق، يبدو أن التحالف الوهابي-الأمريكي يتفكك، أو على الأقل يعيد تعريف نفسه. فالسعودية، بقيادة محمد بن سلمان، تناور في بحث علاقات ظرفية جديدة، مع الصين وروسيا وتحالف مع إسرائيل، وتخفف من اعتمادها على الولايات المتحدة. والولايات المتحدة، بقيادة ترامب ثم بايدن، تبحث عن تقليل انخراطها في المنطقة، والتركيز على التنافس مع الصين.

لكن تفكك التحالف لا يعني نهاية البنية التكفيرية، التي أنتجها. فهذه البنية، بعد عقود من التمويل والرعاية، أصبحت قوية ومستقلة، ولها شبكاتها الخاصة، وتمويلها الخاص، وأيديولوجيتها الخاصة. وهي لا تزال تشكل تهديدًا للمنطقة والعالم، حتى بعد تفكك التحالف الذي أنتجها.



X. نحو فهم أعمق

إن تحالف الوهابية والإمبريالية لم يكن تحالفًا دينيًا، بل كان تحالفًا وظيفيًا: الدين كأداة، والجماعات المسلحة كوسيلة، والهيمنة الغربية كهدف. وهذا التحالف، رغم أنه لا يزال قائمًا بأشكال مختلفة، يواجه اليوم تحديات جديدة، مع صعود قوى عالمية جديدة، وتغير موازين القوى الدولية. لكن آثاره الكارثية لا تزال ماثلة، وتتطلب منا فهمًا عميقًا لآليات عمله، إذا أردنا تجاوزها وبناء مستقبل أفضل للمنطقة.

إن فهم هذا التحالف يتطلب منا تجاوز السرديات السطحية التي تختزل الظاهرة في "التطرف الديني" أو "الإرهاب"، والغوص في البنى العميقة التي أنتجتها، والتي لا تزال تعمل حتى اليوم. ويتطلب أيضًا فهمًا عميقًا للتاريخ، ليس كسردية خطية، بل كعملية معقدة من الصراعات والتحالفات والخيارات. وهذا الفهم هو الشرط الأول لأي مشروع تغيير حقيقي، يهدف إلى بناء مستقبل أفضل للمنطقة، يقوم على الكرامة والحرية والعدالة.