الدومينو يبدأ من بروكسل وباريس : حين يكتب محور المقاومة بداية الثورة الاشتراكية العالمية
احمد صالح سلوم
الحوار المتمدن
-
العدد: 8863 - 2026 / 10 / 19 - 21:10
المحور:
مواضيع وابحاث سياسية
من قاعات محطة بروكسل المركزية المليئة بالغاز المسيل للدموع، إلى السيارات المحترقة في ساحة الجمهورية بباريس، يجتاح موجة غضب اجتماعي شعارها "تكلفة المعيشة" قلب أوروبا. لكن تحت سطح المواجهات في الشوارع، يبرز زلزال بنيوي أعمق: فعندما يحوم سعر برميل النفط فوق 100 دولار، فإن الطرف الذي يتحمل الضغط ليس واشنطن أو طهران فحسب، بل الأنظمة السياسية في باريس وبروكسل وبرلين. فالرئيس الفرنسي إيمانويل ماكرون ورئيس الوزراء البلجيكي بارت دي ويفر يقفان في عين العاصفة، والعقد الاجتماعي الأوروبي الذي طالما اعتُبر نموذجاً يواجه اختبار ضغط هو الأشد منذ عقود.
غضب الشوارع الأوروبية: أكثر من مجرد أسعار
في 17 أكتوبر/تشرين الأول، شهدت مدن فرنسية وبلجيكية عدة مظاهرات وأعمال شغب واسعة النطاق. في باريس، امتدت المظاهرات من ساحة الجمهورية إلى ليون ومرسيليا وغيرها، وأحصت وزارة الداخلية الفرنسية نحو 550 ألف مشارك على مستوى البلاد، بينما أعلن المنظمون أن العدد بلغ 800 ألف. وأسفرت أعمال العنف عن اعتقال أكثر من 2000 شخص في عموم فرنسا وإصابة أكثر من 600 من عناصر قوات الأمن، وأُضرمت النار في فرع وكالة السياحة في ليون، واقتُحمت بلديات مرسيليا وليل. وفي لييج البلجيكية كان المشهد مشابهاً من حيث التوتر، حيث أقام المتظاهرون متاريس واشتبكوا مع الشرطة، ما أدى إلى اعتقال 45 شخصاً؛ أما مسيرة النقابات في بروكسل فكانت سلمية إلى حد كبير، لكن مجموعات الشباب في محيطها ومواجهاتها مع الشرطة دفعت السلطات إلى استخدام خراطيم المياه والغاز المسيل للدموع.
السبب الظاهر هو الجولة الجديدة من ارتفاع أسعار الطاقة وتكاليف المعيشة. لكن المراقبين في معهد الدراسات السياسية بباريس يرون في ذلك تصفية حسابية بنيوية لولاية ماكرون الثانية. فقد أدى الارتفاع المستمر في الدين العام الفرنسي إلى صعود كلفة الاقتراض إلى أعلى مستوى لها منذ أكثر من 20 عاماً، وحين حاولت الحكومة دفع مشروع موازنة يقلص الإنفاق، اصطدمت بجبهة موحدة من الطلاب والنقابات. وفي بلجيكا، تواجه حكومة دي ويفر المعادلة نفسها: إصلاحات تعليمية وتقشف مالي مقابل مطالب نقابية بالحماية الاجتماعية، دون مساحة تذكر للتسوية.
عتبة الـ110 دولارات وهشاشة أوروبا
تزامنت هذه الموجة من الاضطرابات مع تجاوز عتبة اقتصادية حاسمة. فقد استقر سعر خام برنت في منتصف أكتوبر فوق 106 دولارات للبرميل. وكما حللت سابقاً في "رأي اليوم" و"الحوار المتمدن"، فإن نطاق 120 إلى 150 دولاراً هو "الرقم القاتل" الذي يسقط الاقتصاد الأمريكي، لكن يبدو أن 110 دولارات كافية بالفعل لإشعال تفاعل سياسي متسلسل في أوروبا. فشرايين الاقتصاد الأوروبي — الصناعة والقوة الشرائية للأسر — أكثر حساسية بكثير لتكاليف الطاقة من نظيرتها الأمريكية. والحال في ألمانيا مثير للقلق بشكل خاص: فعلى الرغم من إشارات رئيس البوندسبانك ناغل مؤخراً إلى تفاؤل بنمو 1.3% في 2026، تضاعف العجز المالي الألماني في النصف الأول من العام مقارنة بالعام السابق، واقتربت عوائد السندات لأجل 10 سنوات من أعلى مستوى لها في 17 عاماً، وقفزت نفقات الفائدة 21.2%. وتحاول برلين عبر تعديل دستوري يخفف "مكابح الدين" وإنشاء صندوق خاص بقيمة 500 مليار يورو شراء الوقت اللازم للتحول، لكن خبراء معهد كيل للاقتصاد العالمي حذروا من أن التغير الديموغرافي وعبء الفائدة يضغطان على قدرة التقويم المستقبلية. فالاقتصاد الألماني لم يصل إلى حافة "الإفلاس"، لكن أساس نموه الهش يجعله مرشحاً سهلاً لأن يكون حجر الدومينو التالي.
انقلاب الجغرافيا السياسية: من يستهلك من؟
ثمة سردية مفارقة تتبلور الآن. فتقليدياً، كانت العقوبات الغربية والضغط العسكري يُنظر إليهما كأدوات لإعادة تشكيل الشرق الأوسط؛ أما اليوم، فإن حرب استنزاف اقتصادية ناجمة عن أسعار الطاقة واضطرابات سلاسل الإمداد تعمل في الاتجاه المعاكس، فتنخر الاستقرار السياسي الأوروبي. فعمليات أنصار الله في البحر الأحمر والصبر الاستراتيجي الإيراني في المنطقة لم تسقط طهران و بدأت إسرائيل التي تواجهها تسقط حتى في الداخل الحزبي الأوروبي إضافة للشعوب ، بل نقلت عبر آلية انتقال أسواق الطاقة العالمية أزمة الحوكمة إلى بروكسل وباريس. وهذا ليس "انتصاراً" لطهران أو صنعاء، بل كشف عن هشاشة عميقة في البنية الاقتصادية الأوروبية أمام الصدمات الخارجية — فحين تخرج فاتورة الطاقة للأسر والعجز الحكومي عن السيطرة في آن واحد، تصبح السياسة الشارعية مخرجاً حتمياً.
صعود اليسار الراديكالي و"النموذج الصيني" كمرجع
على الطرف الآخر من الطيف السياسي، يتحول الغضب الاجتماعي إلى طاقة انتخابية. فزخم الحزب الاشتراكي الهولندي و"فرنسا الأبية" يعكس أن اليسار الراديكالي يملأ الفراغ الذي يخلفه تقلص الوسط. وظهور ميلانشون في صفوف المتظاهرين في باريس ليس مصادفة. وفي الوقت نفسه، عادت نقاشات "الاشتراكية العالمية" إلى الواجهة في الأوساط الفكرية. فطروحات سمير أمين حول "الفصل" و"الاشتراكية العالمية" يعيد بعض اليساريين التقاطها لانتقاد الرأسمالية المالية الغربية التي تنهب الخدمات العامة — من المعاشات إلى تمويل التعليم — إذ إن سياسات التقشف الأوروبية تنقل الأعباء فعلاً إلى الطبقات العاملة والمتقاعدين.
وفي هذا السياق، ينظر بعض المراقبين إلى مسار التنمية الصيني كمرجع: الدولة توجّه الموارد إلى التعليم والبنية التحتية وتقنيات الروبوتات، لا إلى سد ميزانيات الأوليغارشية المالية. وهذه المقارنة ليست إسقاطاً أيديولوجياً بسيطاً، بل تعكس إعادة تقييم أوروبية يسارية لـ"قدرة الدولة" — فحين تتأرجح الحكومات الأوروبية بين أسواق الدين واحتجاجات الشارع، يكتسب نموذج حوكمة قادر على التخطيط الصناعي طويل الأمد، وغير مأسور بدورة الانتخابات القصيرة أو بعائدات السندات، مساحة نقاش أوسع بطبيعة الحال.
سيتلاشى دخان بروكسل وباريس، لكن الشقوق التي أنتجته لن تلتئم تلقائياً. فما يواجهه ماكرون ودي ويفر ليس مجرد مشكلة أمنية، بل أزمة تكيف لنموذج اقتصاد السوق الاجتماعي الأوروبي تحت ضغط ثلاثي: تحول الطاقة، والقيود المالية، والاضطراب الجيوسياسي. وإذا كانت 110 دولارات كافية لإشعال شوارع دول أوروبا المركزية، فإن الاختبار الحقيقي ربما لم يبدأ بعد. وفي هذا الاختبار، لن يحدد مصير أوروبا صبر طهران ولا عقوبات واشنطن، بل قدرة أوروبا نفسها على إيجاد طريق ضيق بين الانضباط المالي والعقد الاجتماعي لا يوقفه فيتو الشارع.