سُقُوطُ الأَقْنِعَةِ النِّيُولِيبْرَالِيَّةِ .. فَلْسَفَةُ البَقَاءِ فِي عَصْرِ المَحْوِ (كتيب)


احمد صالح سلوم
الحوار المتمدن - العدد: 8866 - 2026 / 10 / 22 - 08:47
المحور: الادب والفن     

العقدة الاستئصالية: تفكيك الفاشية النيوليبرالية الغربية والبدائل الحضارية الشرقية
المحور الأول: الفلسفة الوجودية للإبادة في المركزية الأوروبية (النشأة والامتداد)
لم تكن الإبادة الجماعية عبر التاريخ الغربي مجرد "أخطاء جانبية" أو حوادث عابرة، بل هي مكون بنيوي أصيل تأسست عليه المركزية الأوروبية والنظام الرأسمالي العالمي. منذ عصر "الكشوفات الجغرافية"، صاغ الفكر الفلسفي الغربي تقسيماً تراتبياً للبشرية، واضعاً الإنسان الأبيض في قمة الهرم، معتبراً الشعوب الأصلية في أمريكا وأستراليا وأفريقيا "دون البشر" (Sub-humans) أو كائنات بلا أرواح لا تستحق ملكية الأرض.
هذا الفكر أنتج نموذج الاستعمار الاستيطاني (Settler Colonialism)، الذي لا يسعى للسيطرة على السكان الأصليين واستغلالهم فحسب، بل يقوم على فلسفة "المحو والإحلال": إبادة الشعب الأصلي جسدياً وثقافياً، وتدمير قراه، ومحو تاريخه، لإحلال مجتمع المستوطنين البيض مكانه. إن هذا الفكر الاستئصالي هو العقيدة الحاكمة التي شكلت الولايات المتحدة الأمريكية على جثث الملايين من الهنود الأصليين، وهو ذاته الجذر المعرفي والفلسفي الذي نهلت منه الفاشية والنازية الأوروبية لاحقاً في القرن العشرين.
المحور الثاني: نموذج غزة والبث المباشر (الفاشية النيوليبرالية في أوج عريها)
يمثل الكيان الصهيوني اليوم الوريث الشرعي الأخير والأكثر فجاجة لنموذج الاستعمار الاستيطاني الأوروبي. إن حرب الإبادة الجماعية التي يتعرض لها الشعب الفلسطيني في غزة ليست مجرد حدث عسكري، بل هي تطبيق حرفي لعقيدة المحو والاستئصال الغربية؛ حيث يُستهدف الإنسان والأرض، والشجر، والحجر، والمستشفيات، والمدارس في محاولة واضحة لتهجير شعب بأكمله وإحلال مستوطنين مكانه.
المفارقة التاريخية الكبرى في نموذج غزة هي "الدعم الغربي بالبث المباشر". لطالما أخفت الليبرالية الغربية وجهها الاستعماري خلف قناع "حقوق الإنسان" والديمقراطية عبر المناهج الأكاديمية والمؤسسات الدولية. لكن في غزة، سقط القناع كلياً؛ حيث تتدفق الأسلحة والمليارات والغطاء السياسي والدبلوماسي من واشنطن وعواصم الغرب لتمكين الإبادة بينما تنقلها شاشات التلفزة وهواتف الضحايا على الهواء مباشرة. هذا التواطؤ الفاضح يثبت أن المنظومة النيوليبرالية الغربية هي منظومة أولويغارشية فاشية، تحركها مصالح ماليّة وعسكرية استعمارية، مستعدة لسحق أي شعب أصلي يقف في طريق هيمنتها، معتبرة دماء شعوب العالم الثالث مجرد كلفة ثانوية للحفاظ على الهيمنة المركزية.
المحور الثالث: صيغ الدمج والمواطنة في الشرق (روسيا، الصين، إيران)
في المقابل، عند دراسة البنى التاريخية والسياسية للقوى الشرقية الصاعدة (روسيا، الصين، وإيران)، نجد غياباً تاماً لـ "صيغ الإبادة الاستئصالية" التي تميز بها الغرب. لم تقم هذه الدول على فكرة محو الشعوب الأصلية لإحلال عرق نقي، بل تأسست كـ "دول حضارية مركّبة" (State-Civilizations) قائمة على استيعاب، دمج، واحتواء التعددية الإثنية والدينية كجزء من أمنها القومي:
روسيا (النسيج المتعدد): توسعت روسيا عبر التاريخ في مجالاتها الجغرافية المجاورة وضمت شعوباً إسلامية وقوقازية وآسيوية متل التتار والشيشانيين وشعوب سيبيريا. لم تبدهم روسيا، بل منحتهم المواطنة والحكم الذاتي وحافظت على لغاتهم ومقدساتهم، واليوم يقاتل هؤلاء في صفوف الجيش الروسي كمواطنين متساوين يدافعون عن كيان الدولة الفيدرالية.
الصين (الوئام والدمج التنموي): تعترف الدولة الصينية بـ 56 قومية وإثنية مختلفة (من بينها الهان، والتبت، والأيغور المسلمون). العقيدة الصينية لا تؤمن بالإبادة، بل بـ "الصهر التنموي والأمني"؛ حيث يتم ضخ استثمارات هائلة لدمج هذه الأقاليم تكنولوجياً واقتصادياً لضمان استقرار الدولة وحمايتها من مشاريع التفتيت الغربية.
إيران (الفسيفساء الشرقية): تمثل إيران هضبة تاريخية تجمع الفرس، والآذريين، والأكراد، والعرب، والبلوش. لم تشهد إيران أي استراتيجيات إبادة عرقية، بل إن البنية السياسية والعسكرية للدولة تضم كافة المكونات (كالأصول الآذرية للمرشد الأعلى)، ويتعامل النظام مع هذه القوميات كأجزاء أصيلة من الأمن القومي مالم تتبنَّ أجندات انفصالية يدعمها الخارج.
إن الصرامة في هذه الدول هي صرامة "سياسية وأمنية سيادية" لحماية حدودها ومنع الفتن التي تزرعها الأطروحات الاستشراقية الغربية ("فرق تسد")، وليست صرامة "عرقية وجودية" تهدف لإبادة البشر.
المحور الرابع: اختراق الداخل العربي (الصهيونية العربية والإبادة الفكرية)
بينما تحمي دول الشرق مكوناتها، شهدت المنطقة العربية اختراقاً فكرياً وبنيوياً خطيراً أنتج ما يُعرف بـ "الصهيونية العربية". وهي النخب الحاكمة في محميات الخليج ومن يقع تحت نفوذها أو الجماعات الوظيفية التي تبنت المناهج والآليات الغربية في إدارة الحكم والتعامل مع شعوبها.
هذه الأنظمة والنخب تخلت عن فكرة "الدولة الحضارية المستقلة" وتحولت إلى أدوات لخدمة الأولويغارشية المالية الغربية. لقد مارست هذه الأطراف "إبادة فكرية وسياسية" ضد شعوبها عبر تدمير الهوية الجامعة، وتكريس التبعية للخارج، وتهميش مكونات المجتمع لصالح نخب مالية وعسكرية ضيقة. إن الصهيونية العربية تلتقي مع الصهيونية العالمية في نفس النظرة الدونية للشعوب وفي الاستعداد لتقديم الأوطان والمقدرات كقربان للمركزية النيوليبرالية الغربية مقابل البقاء في السلطة.
المحور الخامس: المشهد السوري وعصابات التفتيت (امتداد الفكر الصهيوني الاستئصالي)
يظهر تجلي هذا الفكر الاستئصالي بوضوح في المشهد السوري المعقد؛ حيث تحولت أجزاء من البلاد إلى ساحة لتنفيذ المخططات الغربية الرامية لتفتيت الدولة الوطنية وإشعال الحروب الأهلية لضرب المكونات ببعضها.
إن نموذج الحكم الذي أفرزته التدخلات الخارجية (مثل الفصائل والعصابات التي حظيت بدعم مباشر من إدارات أمريكية متعاقبة كإدارة ترامب ومؤسسات غربية و المحميات والكيان وتركيا الأطلسية ) يحمل ذات الفكر الصهيوني الاستئصالي:
استهداف المكونات والأقليات: قامت هذه المجموعات بتهجير واستهداف المكونات الدينية والإثنية المتنوعة التي شكلت النسيج التاريخي لسوريا العريقة لآلاف السنين.
عقيدة المحو: مارست هذه العصابات تدميراً ممنهجاً للآثار والهوية السورية، تماماً كما يفعل الكيان الصهيوني بمحو التاريخ الفلسطيني، بهدف خلق كانتونات هزيلة ومفتتة يسهل إخضاعها.
التبعية لرأس المال الغربي: بدلاً من بناء اقتصاد يخدم أغلبية السكان، ركزت هذه القوى الوظيفية على نهب الثروات النفطية والزراعية للشعب السوري وتمريرها تحت إشراف القوات المحتلة، مما يثبت أنها مجرد أذرع محلية للفاشية النيوليبرالية العالمية.

إن المأساة المستمرة في غزة والتفتيت الممنهج في سوريا يكشفان الطبيعة الوجودية الحقيقية للمنظومة الغربية: إنها منظومة فاشية أولويغارشية لا تؤمن بالمواطنة بل بالإبادة والمحو لصالح رأس المال. وفي المقابل، فإن النماذج الشرقية في روسيا والصين وإيران، برغم صرامتها البيروقراطية أو السياسية، تظل أنظمة تحترم الوجود الفيزيائي والثقافي لمكوناتها وتوفر صيغة "الدولة الحضارية" التي تحمي الأغلبية من الفتن الاستشراقية الغربية، مما يضع البشرية اليوم أمام حتمية تاريخية لكسر المركزية الأوروبية وصياغة عالم متعدد الأقطاب يحمي الوجود الإنساني من عقيدة الاستئصال.
………..
المقال الثاني: تفكيك العقدة الاستئصالية: الجذور المعرفية للإبادة في "التنوير" الأوروبي
1. الوجه المخفي لـ "عصر الأنوار"
لم تكن الفظائع الاستعمارية التي ارتكبها الغرب عبر التاريخ مجرد انحرافات سلوكية أو "أخطاء جانبية" ارتكبها قادة عسكريون معزولون، بل كانت تعبيراً بنيوياً دقيقاً عن منظومة فكرية ومعرفية نضجت في قاعات المحاضرات وصالونات الفلسفة خلال ما سُمي بـ "عصر الأنوار" الأوروبي. إن السردية السائدة التي تسوق للغرب كمخترع وحيد لقيم الإنسانية والعقلانية تخفي خلفها حقيقة أشد قتامة: وهي أن العقل التنويري الأوروبي بنى ذاته من خلال صياغة فلسفة استقصائية واستئصالية تبرر محو "الآخر" غير الأبيض باعتباره شرطاً تاريخياً لتقدم البشرية.
2. التراتبية العرقية وفلسفة "دون البشر" (Sub-humans)
عند العودة إلى أمهات الكتب الفلسفية التي شكلت الحداثة الغربية، نصطدم بحقيقة أن كبار الفلاسفة صاغوا تراتبية عرقية تضع الإنسان الأوروبي الأبيض في قمة الهرم الإنساني، بينما تصنف شعوب المستعمرات في خانة أدنى.
جون لوك (John Locke): في أطروحته حول "الحكومة المدنية"، شرعن لوك مصادرة أراضي الهنود السُكان الأصليين في أمريكا من خلال نظرية "الأرض الموات" (Terra Nullius). اعتبر لوك أن الأرض التي لا يتم استصلاحها وتسويرها وفق النمط الرأسمالي الأوروبي هي أرض بلا مالك، وبالتالي يحق للمستعمر الأبيض الاستيلاء عليها ومحو وجود سكانها إذا قاوموا.
إيمانويل كانط (Immanuel Kant): في كتاباته حول الأنثروبولوجيا والجغرافيا السياسية، وضع كانط تقسيماً عرقياً صارماً، اعتبر فيه أن الشعوب غير البيضاء تفتقر إلى القدرة الكاملة على التطور العقلي والأخلاقي، مما يبرر إخضاعها أو استبدالها برعاية الرجل الأبيض.
هيغل (G.W.F. Hegel): في فلسفته للتاريخ، أخرج هيغل أفريقيا وشعوباً آسيوية كاملة من مسار "الوعي التاريخي"، معتبراً إياهم شعوباً تعيش في حالة طبيعية بدائية لا قيمة لها، وأن الصدام الاستعماري معهم هو الطريقة الوحيدة لإدخالهم في ديناميكية التاريخ، حتى لو تطلب ذلك سحقهم فيزيائياً.
3. من "محو الجغرافيا" إلى الاستعمار الاستيطاني: فلسفة "الإحلال"
هذه التنظيرات الفلسفية تحولت إلى آليات عمل جبارة أنتجت نموذج الاستعمار الاستيطاني (Settler Colonialism). يختلف هذا النموذج عن الاستعمار التقليدي (الذي يسعى للسيطرة والنهب مع الإبقاء على السكان كأيدي عاملة)؛ فالاستعمار الاستيطاني محكوم بـ "منطق المحو" (Logic of Elimination).
الهدف الوجودي لهذا الفكر هو إبادة الشعب الأصلي جسدياً وثقافياً لتأمين مساحة بيضاء نقية يتم إحلال مجتمع المستوطنين فيها. هذا ما جرى حرفياً في الولايات المتحدة الأمريكية، وأستراليا، وكندا. لم تكن هذه الإبادات وليدة الصدفة، بل كانت "هندسة عقلانية" مبنية على قناعة تنويرية مشوهة ترى أن إفناء الإثنيات البدائية هو تضحية ضرورية يقدمها التاريخ من أجل انتصار الحضارة والتقدم.
4. النيوليبرالية المعاصرة كنسخة محدثة من الفاشية الاستعمارية
لم تمت هذه العقدة الاستئصالية بنهاية الحقبة الاستعمارية المباشرة، بل جرى تدويرها داخل آليات العولمة والنيوليبرالية المعاصرة. تحولت الجامعات والمؤسسات الأكاديمية الغربية على مدار العقود الثلاثة الماضية إلى أدوات لتسليع المعرفة وتبرير الهيمنة الوجودية للأولويغارشية المالية.
في ظل المنظومة النيوليبرالية، لا تُباد الشعوب فقط بالرصاص، بل تُباد عبر "التدمير الهيكلي" لاقتصاداتها، وفرض سياسات الإفقار، وتحويل التعليم إلى منتج تجاري مخصص للأثرياء، وتهميش العلوم الإنسانية الحرة. إن الفاشية النيوليبرالية الغربية الحالية هي الوريث المباشر للاستعمار الاستيطاني؛ كلاهما ينظر إلى أغلبية سكان الأرض (الـ 99%) كأرقام فائضة عن الحاجة، أو "أضرار جانبية" يمكن التضحية بها لضمان رفاهية وتفوق الأقلية المالية الحاكمة في العواصم الغربية.
………
المقال الثالث: تشريح الهيمنة المعرفية: كيف تزرع المناهج الاستشراقية الفتنة في مجتمعات الشرق؟
1. غزو العقول بدلاً من غزو الأرض
عندما أدركت القوى الاستعمارية الغربية في منتصف القرن العشرين أن الكلفة العسكرية لاحتلال الأرض مباشرة أصبحت باهظة، انتقلت إلى استراتيجية أشد خطورة وعمقاً: الاستعمار المعرفي والأكاديمي. تمثلت هذه الاستراتيجية في تصميم مناهج وأطروحات أكاديمية أُلبست ثوب "العلمية والحياد"، لكن وظيفتها الحقيقية كانت تفكيك الجبهات الداخلية لشعوب الشرق، وتحويل الفسيفساء الإثنية والدينية الديمقراطية والتاريخية لهذه المجتمعات إلى قنابل موقوتة قابلة للانفجار عند الحاجة.
2. إدوارد سعيد وتفكيك الأداة الاستشراقية
في أطروحته التاريخية "الاستشراق" (Orientalism)، بيّن المفكر الكبير إدوارد سعيد كيف أن الغرب لم يكتفِ بإنتاج جيوش عسكرية، بل أنتج "جيوشاً من المفاهيم". الاستشراق لم يكن مجرد دراسة بريئة للشرق، بل كان عملية إعادة اختراع وتشويه ممنهجة للشرق بهدف إخضاعه.
من خلال المناهج الاستشراقية، جرى تقسيم المجتمعات الشرقية (خاصة العربية والإسلامية) في الكتب الأكاديمية الغربية إلى إثنيات وطوائف متناحرة بطبيعتها. روّجت هذه المناهج لفكرة أن هذه الشعوب عاجزة عن حكم نفسها، وتفتقر إلى عقلية الدولة الحديثة، وأن الروابط الوحيدة التي تجمع بين مواطنيها هي روابط قبلية أو طائفية متخلفة. هذه "المعرفة الاستعمارية" لم تُكتب لتبقى في الرفوف، بل جرى تمريرها وفرضها داخل الجامعات الغربية، ثم تصديرها إلى النخب الأكاديمية في العالم الثالث التي تلقت تعليمها هناك وعادت لتمارس نفس النظرة الدونية الاستشراقية تجاه مجتمعاتها.
3. ديناميكية "فرق تسد" (Divide and Rule) كأطروحة أكاديمية
تتجلى الصرامة والخبث في المناهج الغربية المعاصرة لعلم السياسة والاقتصاد السياسي في كيفية استخدام مفهوم التعددية. فبينما يتم الاحتفاء بالتنوع في الغرب كعامل قوة، تُدرس التعددية في الشرق باعتبارها "أزمة اندماج وطني" مستديمة.
تقوم الأبحاث الغربية الممولة من مراكز تفكير (Think Tanks) مرتبطة بالأولويغارشية المالية امثال المليارديرة الصهيونية مريام اديلسون بتشجيع وتبني أطروحات تركز كلياً على الهويات الفرعية (الهويات القاتلة) على حساب الهوية الوطنية الجامعة. يتم اختزال الصراعات السياسية والاقتصادية المعقدة في الشرق الناتجة عن التدخلات الخارجية، وتصويرها كـ "حروب أهلية دينية" أو "نزاعات إثنية متجذرة". هذا التمرير الأكاديمي الخبيث يخدم استراتيجية "فرق تسد"؛ حيث يتم إقناع المكونات المختلفة داخل الدولة الواحدة بأن وجود الآخر يهدد بقاءها، مما يدفعها للاستقواء بالخارج (الغرب) لحمايتها، وهو ما يؤدي في النهاية إلى تفتيت الكيانات السياسية الكبرى وتحويلها إلى كانتونات هزيلة يسهل نهب مقدراتها.
4. مواجهة الاستعمار المعرفي واستعادة السيادة الفكرية
إن مواجهة هذه الفاشية الأكاديمية النيوليبرالية لا تتطلب فقط مقاومة سياسية، بل تتطلب "ثورة معرفية" لتفكيك المركزية الأوروبية (Decolonizing the Academy). يجب على الباحثين والمفكرين في الشرق إعادة كتابة تاريخهم الاقتصادي والسياسي بأدواتهم الخاصة، وكشف الخلفيات غير البريئة للتمويلات الأجنبية للأبحاث الإنسانية. إن استعادة السيادة الفكرية هي الخطوة الأولى لمنع الفتن الطائفية والإثنية؛ فعندما تدرك المكونات الشرقية أن أطروحات التفتيت هي بضاعة استعمارية مصممة لمحو الجميع لصالح الأقلية المالية العالمية، يمكنها حينها فقط صياغة عقد اجتماعي محلي يحمي نسيجها التاريخي.
………..
المقال الرابع : نموذج الدولة الحضارية في الشرق مقابل الدولة الاستعمارية: قراءة في فلسفة الاحتواء
1. مفارقة البنى السياسية بين الشرق والغرب
في الوقت الذي يمر فيه العالم بتحولات جيوسياسية كبرى نحو التعددية القطبية، يبرز صراع مفاهيمي عميق حول طبيعة "الدولة" ووظيفتها في خدمة المجتمع. بينما قامت الدولة الحديثة في الغرب على إرث استعماري استيطاني يربط بقاء النخبة بمحو الآخر أو نهبه، تطرح القوى الشرقية الصاعدة (روسيا، الصين، وإيران) نموذجاً مغايراً يُعرف بـ "الدولة الحضارية" (The State-Civilization). يكمن الفارق الجوهري بين النموذجيين في أن الشرق، برغم صرامة أنظمته السياسية المركزية، يمتلك فلسفة تاريخية تقوم على الدمج والاحتواء واحترام المكونات، على النقيض تماماً من فلسفة الاستئصال الغربية.
2. تشريح فلسفة الاحتواء الشرقية
تتميز البنى التأسيسية لدول الشرق بوجود إرث إمبراطوري تاريخي استوعب التعددية داخلياً كشرط لقوة الدولة، وليس كمهدد لها:
روسيا الفيدرالية (صيغة الفسيفساء المتلاحمة): لم تتوسع روسيا عبر البحار لإبادة شعوب أصلية، بل نمت ككتلة جغرافية متصلة ضمت في داخلها مئات الإثنيات والأديان (التتار، الشيشان، الداغستان، شعوب سيبيريا). العقيدة السياسية الروسية تاريخياً (سواء القيصرية أو السوفيتية أو المعاصرة) حافظت على الوجود الفيزيائي والثقافي لهذه المكونات. يحصل هؤلاء على مواطنة كاملة وحكم ذاتي داخل جمهورياتهم، ويُعتبر تماسكهم جزءاً لا يتجزأ من الأمن القومي الروسي في وجه محاولات التفتيت الغربية.
الصين (الدمج التنموي الشامل): تقوم أيديولوجية الحزب الشيوعي الصيني على الاعتراف بـ 56 قومية وإثنية تحت سقف "الأمة الصينية الموحدة". برغم الصرامة البيروقراطية والتكنولوجية الفائقة للنظام، إلا أن استراتيجية الدولة لا تقوم على محو هذه الإثنيات (مثل الأيغور أو التبت)، بل على "الصهر التنموي". تضخ بكين مليارات الدولارات لتحديث هذه الأقاليم وتمليك شعوبها أدوات الاقتصاد الرقمي لضمان انتشالهم من الفقر كأغلبية سكانية، انطلاقاً من رؤية ماركسية ترى في التنمية الاقتصادية الحصن الأساسي ضد الفتن والنزعات الانفصالية التي يحركها الغرب.
إيران (التعددية داخل الهضبة التاريخية): إيران ليست دولة عرقية فارسية نقية، بل هي كيان حضاري يضم الفرس، والآذريين، والأكراد، والعرب، والبلوش. الفلسفة السياسية للنظام الإيراني بعد عام 1979 قامت على صهر هذه الإثنيات في بوتقة أيديولوجية جامعة (الإسلام ومناهضة الاستعمار). لا توجد سياسات إبادة جماعية عرقية؛ بل إن النخبة السياسية والعسكرية والدينية تضم كل هذه المكونات، والصرامة الأمنية هناك ليست موجهة ضد عرق المواطن، بل ضد موقفه السياسي ومدى ارتباطه بأجندات أجنبية.
3. الصرامة السياسية مقابل الفاشية الاستئصالية
من الضروري بمكان التفريق بدقة بين نوعين من الصرامة عند مقارنة هذه الأنظمة بالغرب النيوليبرالي:
الصرامة الشرقية (سيادية/أيديولوجية): هي صرامة سلطوية مركزية تهدف لحماية وحدة الدولة ومنع الاختراقات الأمنية. إذا كان المواطن (مهما كان عرقه) ملتزماً بالقانون العام للدولة ولا يتبنى مشاريع انفصالية مدعومة من الخارج، فإن وجوده الفيزيائي، وثقافته، وحقوقه التنموية مصونة كعضو في "الأغلبية الساحقة".
الفاشية الغربية (وجودية/استئصالية): كما يظهر في نموذج الاستعمار الاستيطاني التاريخي والكيان الصهيوني المعاصر، فإن الصرامة هنا صرامة إبادة وجودية. لا يهم ما هو موقفك السياسي؛ مجرد وجودك كإنسان أصلي فوق أرضك يُعتبر تهديداً للمستعمر، وبالتالي يجب محوك أو تهجيرك لإحلال المستوطن الأبيض مكانك خدمةً لمصالح أولويغارشية مالية ضيقة.
وجه المقارنة
نموذج الدولة الحضارية الشرقية (روسيا/الصين/إيران)
نموذج الدولة الاستعمارية الغربية (والكيان الصهيوني)
النظرة للمكونات
مكون أصيل يُدمج تنموياً ويُحتوى لحماية وحدة الدولة.
عائق وجودي يجب محوه أو تهجيره لإحلال المستوطن.
طبيعة الصرامة
سياسية/أمنية ترتبط بالولاء للكيان والخط العام للدولة.
عرقية/وجودية ترتبط بملكية الأرض وتفوق الرجل الأبيض.
المستفيد من النظام
أغلبية السكان (عبر التنمية المستقلة وحفظ السلم الداخلي).
أقلية مالية أولويغارشية (تستغل الموارد وتفقر الشعوب).

4. حتمية النموذج الحضاري لعالم متعدد الأقطاب
تثبت القراءة المتأنية للبنى التاريخية والسياسية أن العالم المعاصر بحاجة ماسة لكسر احتكار المركزية الأوروبية النيوليبرالية التي لم تنتج سوى الحروب الاستئصالية وتسليع البشر وحماية الأقليات المالية المتوحشة. إن نموذج "الدولة الحضارية" الذي تقدمه القوى الشرقية، برغم طبيعته المركزية الصارمة، يوفر صيغة قابلة للحياة لحماية التعددية الإثنية والدينية داخل الكيانات السياسية الكبرى، ويقدم درعاً واقياً للشعوب ضد مشاريع التفتيت والفتن الاستشراقية، مما يمهد الطريق لعالم متعدد الأقطاب أكثر توازناً وعدالة إنسانية.



…….


المقال الخامس : خصخصة العقل: تفكيك الفاشية النيوليبرالية في الجامعات الغربية المعاصرة
1. تحول المعبد إلى سوق
على مدى العقود الثلاثة الماضية، شهدت المؤسسات الأكاديمية في الغرب، ولا سيما في الولايات المتحدة وبريطانيا، تحولاً بنيوياً جذرياً غير ملموس في طياته؛ إذ جرى انتزاع الجامعة من سياقها التاريخي باعتبارها "فضاءً لإنتاج المعرفة النقدية والبحث عن الحقيقة"، لتُقحم قسراً في أتون المنظومة النيوليبرالية المتوحشة. هذا التحول لم يكن مجرد عملية تحديث إداري، بل كان هجوماً سوسيولوجياً ممنهجاً أدى إلى لَبْوس الجامعات بـ "الفاشية النيوليبرالية الخفية"، حيث تحول التعليم من حق إنساني ومشاع معرفي إلى سلعة تجارية خاضعة لمنطق الربح والخسارة وأجندات الأولويغارشية المالية العالمية.
2. تسليع المعرفة وتحويل الطالب إلى "زبون" (Marketization of Academy)
في ظل علم الاجتماع المؤسسي المعاصر، يُدرس مفهوم "تسليع التعليم" باعتباره الأداة الأساسية لإعادة صياغة وعي الأجيال. إن دخول الرأسمالية المالية إلى أروقة الجامعات أعاد تعريف الأدوار السوسيولوجية داخل الحرم الجامعي:
الطالب كـ "مستهلك": لم يعد الطالب باحثاً عن المعرفة أو فاعلاً اجتماعياً يطور وعيه النقدي، بل جرى تحويله إلى "زبون" يشتري منتجاً (الشهادة) لتعزيز قيمته التنافسية في سوق العمل. هذا التحول سحق الهوية النقدية للشباب وحصر طموحهم في البعد المادي الضيق.
الجامعة كـ "شركة كبرى" (The Corporate University): أصبحت مجالس إدارات الجامعات تُدار بواسطة مديرين تنفيذيين (CEOs) بدلاً من العلماء والمفكرين. يُقاس نجاح الجامعة اليوم بحجم صناديقها الاستثمارية (Endowments)، وبمدى قدرتها على جذب تمويلات الشركات الكبرى، وليس بالقيمة الأخلاقية أو المعرفية للأبحاث التي تنتجها.
3. سحق التخصصات الإنسانية والعبودية الأكاديمية المعاصرة (Precarity)
تتجلى الفاشية النيوليبرالية الأكاديمية في "الهندسة الطبقية" لأعضاء هيئة التدريس والتخصصات العلمية:
تصفية العلوم الإنسانية: نظراً لأن الفلسفة، والتاريخ، وعلم الاجتماع النقدي، والأدب الكلاسيكي هي تخصصات لا تدر أرباحاً مالية سريعة للسوق، وتساهم في كشف آليات الهيمنة الرأسمالية، فقد تعرضت لمجزرة ميزانيات ممنهجة. جرى تقليص أقسامها لصالح كليات إدارة الأعمال، والتسويق، والتكنولوجيا التطبيقية التي تخدم الشركات العابرة للقارات.
بروليتاريا الأكاديمية (Adjunct Crisis): لتقليل التكاليف وتعظيم الأرباح، استبدلت الجامعات نظام "التثبيت الأكاديمي الدائم" (Tenure) بنظام العقود المؤقتة والتوظيف بالساعة. يعيش اليوم أكثر من 70% من الأساتذة المحاضرين في أمريكا وبريطانيا حالة من "الهشاشة المعيشية المستدامة" (Precarity)؛ حيث يتقاضون أجوراً زهيدة، ويحرمون من التأمين الصحي، ويعيشون في رعب دائم من عدم تجديد عقودهم. هذه "العبودية الأكاديمية" سحقت قدرة الأستاذ على تقديم فكر نقدي حر، وجعلته يمارس رقابة ذاتية صارمة على أفكاره خوفاً من طرده.
4. الجامعة كأداة لإعادة إنتاج الامتياز الطبقي
إن علم الاجتماع النقدي المعاصر يخلص إلى أن الجامعات النيوليبرالية الغربية لم تعد مراكز للتنوير، بل تحولت إلى أدوات جبارة لإعادة إنتاج الامتياز الطبقي للأولويغارشية المالية. من خلال فرض رسوم دراسية فلكية تُغرق الطلاب في ديون تمتد لعقود، يُحرم أبناء الطبقات العاملة والمهاجرين من الوصول إلى مناصب القرار، بينما يُعاد تدوير النخبة الرأسمالية ذاتها. إنها فاشية ناعمة، لا تستخدم الهراوات، بل تستخدم شروط التمويل وبطاقات الائتمان لتأميم العقل البشري وإخضاعه لمنظومة السوق المفتوح.
……….
المقال السادس : سوسيولوجيا التفتيت المعرفي: كيف تحوّل المناهج الغربية التنوع الشرقي إلى فتنة؟
1. الهندسة الأكاديمية للإنقسام الاجتماعي
لطالما اعتُبرت الجامعات ومراكز الأبحاث الغربية المختبرات المعرفية الأساسية التي تُصاغ فيها السياسات الخارجية للدول الاستعمارية. من منظور علم الاجتماع السياسي، فإن المناهج الغربية المهيمنة لم تتعامل مع المجتمعات الشرقية كبنى حضارية متكاملة تمتلك ديناميكياتها الخاصة، بل تعاملت معها عبر "هندسة تفكيكية مقصودة". إن الوظيفة السوسيولوجية غير المعلنة لكثير من الأطروحات الأكاديمية النيوليبرالية والاستشراقية المعاصرة هي تحويل الفسيفساء الإثنية والدينية التاريخية في الشرق من عامل ثراء وتكامل إلى "ألغام هوياتية" قابلة للتفجير لتمكين استراتيجيات السيطرة والنهب.
2. صناعة "الهويات القاتلة" عبر التمويل الأكاديمي
تعتمد سوسيولوجيا التفتيت الغربية على آلية دقيقة تتمثل في فرض "عدسات تحليلية مشوهة" على الباحثين في العالم الثالث:
اختزال الصراع الطبقي والتنموي: عندما تدرس المناهج الغربية أزمات الشرق الأوسط أو آسيا، فإنها تتجاهل كلياً الأسباب الهيكلية والاقتصادية (مثل إرث الاستعمار، نهب الموارد، الفقر، والسياسات النيوليبرالية المفروضة من البنك الدولي). بدلاً من ذلك، تعمد هذه المناهج إلى اختزال كل صراع سياسي أو اقتصادي وتصويره كـ "نزاع طائفي تاريخي متجذر" أو "صدام إثني حتمي".
سياسات التمويل المشروط (Grant Colonization): تقدم مراكز الأبحاث والمؤسسات المانحة الغربية ملايين الدولارات كمنح بحثية للجامعات في الشرق الأوسط وشمال أفريقيا، بشرط تركيز الأبحاث على دراسة "الأقليات"، و"الفروق الهوياتية"، و"الحقوق الفئوية المعزولة". هذه الآلية تدفع الباحثين المحليين — بوعي أو بدون وعي — لتفكيك مجتمعاتهم سوسيولوجياً، وإبراز نقاط الخلاف والتمايز على حساب نقاط الالتقاء والهوية الوطنية الجامعة المتكاملة.
3. أطروحة "صراع الحضارات" وتدمير النسيج الاجتماعي
تعتبر نظرية "صراع الحضارات" لصاحبها صامويل هانتينغتون، ونظريات "نهاية التاريخ" لفرانسيس فوكوياما، نماذج صارخة لكيفية تحول العلم الأكاديمي إلى سلاح اجتماعي مدمر. هذه الأطروحات التي دُرست كمسلمات في الجامعات النيوليبرالية الغربية طوال العقود الماضية، عملت على:
شيطنة الثقافات غير الغربية: تصوير المجتمعات الإسلامية والشرقية ككتل صلبة غير قابلة للتحديث والعقلانية، وأن الرابط الوحيد الذي يحرك أفرادها هو الرابط الديني الغرائزي التدميري.
تمرير عقيدة "فرق تسد" (Divide and Rule): عندما يتم إقناع المكونات المختلفة داخل النسيج الشرقي الواحد (أكراد، عرب، فرس، سنة، شيعة، مسيحيون) عبر أبحاث ودراسات أكاديمية تُصدر لهم من الغرب بأن وجود الآخر يمثل خطراً وجودياً على هويتهم الفرعية، يتحول المجتمع تلقائياً إلى "كانتونات نفسية واجتماعية مغلقة". هذه البيئة المشحونة سوسيولوجياً تصبح التربة الخصبة لظهور الحروب الأهلية والعصابات الوظيفية التفتيتية بمجرد حدوث أي هزة سياسية.
4. استعادة السيادة السوسيولوجية
إن المجتمعات الشرقية لا يمكنها حماية نسيجها التاريخي من الفتن المستوردة دون تحقيق "الاستقلال المعرفي والسوسيولوجي". يجب تفكيك السرديات الاستشراقية المعاصرة داخل الجامعات المحلية، وإعادة الاعتبار لعلماء الاجتماع المناهضين للاستعمار الذين يدرسون التنوع كعامل قوة وتماسك ديمقراطي واجتماعي. إن فهم كيفية استخدام الغرب للمناهج الأكاديمية كأدوات لتمرير الفتنة هو الخطوة الأولى لبناء مناعة اجتماعية واعية، تحول دون تحول التعددية الحضارية إلى أداة لتدمير الذات خدمةً لمصالح رأس المال العالمي.
…..
المقال السابع: البنى العميقة للدولة الشرقية: قراءة سوسيولوجية في التعايش الإثني واحترام المكونات
1. ما وراء القراءة الاختزالية الغربية
من أكثر العيوب المنهجية التي تقع فيها سوسيولوجيا السياسة الغربية هي محاولة محاكمة البنى السياسية والاجتماعية لدول الشرق العظمى (روسيا، الصين، وإيران) باستخدام معايير "الدولة-الأمة" (Nation-State) الغربية التي نشأت عقب صلح وستفاليا. إن هذه القراءة الغربية تعجز عن فهم الطبيعة السوسيولوجية العميقة لهذه الكيانات باعتبارها "دولاً حضارية مركبة" (State-Civilizations). بينما قام النموذج الغربي تاريخياً على صهر المجتمع بقوة الحديد والنار لمصلحة عرق أو طبقة مالية واحدة ومحو ما دونها، تكشف دراسة البنى الشرقية عن فلسفة سوسيولوجية تاريخية تقوم على الدمج، والاحتواء، واحترام الوجود الفيزيائي والثقافي لكافة المكونات.
2. سوسيولوجيا التعدد الإمبراطوري: النماذج والتجليات
تمتلك دول الشرق إرثاً طويلاً من التعايش الإثني والديني تبلور تاريخياً في صيغ مؤسسية واجتماعية فريدة، تختلف جذرياً عن فكر الإبادة الاستيطانية الغربية:
النموذج الفيدرالي الروسي (الدمج القائم على الاعتراف): تاريخياً، لم تتوسع روسيا عبر المحيطات لإبادة شعوب أصلية، بل نمت عبر الاندماج والضم الجغرافي الأفقي لشعوب آسيا الوسطى، والقوقاز، وسيبيريا. سوسيولوجياً، حافظت روسيا على الطبيعة الفسيفسائية لمجتمعها؛ فاليوم تضم الفيدرالية الروسية جمهوريات ذات حكم ذاتي واسع (مثل تتارستان والشيشان) تحتفظ بلغاتها المحلية، ومؤسساتها الدينية، وثقافتها الخاصة. يتشارك الجميع في مفهوم المواطنة الكبرى، حيث يُنظر إلى التنوع كدرع أمني واجتماعي يحمي الكيان الفيدرالي من التفتيت الخارجي.
النموذج التنموي الصيني (الوئام وصهر الفقر): تعترف الدولة الصينية رسمياً بـ 56 قومية وإثنية مختلفة. المنهج السوسيولوجي الحاكم في بكين لا يسعى لإبادة المكونات غير التابعة لعرق "الهان"، بل يعتمد على "الدمج التنموي الشامل". تنظر القيادة الصينية إلى المناطق الإثنية المحيطة (مثل التبت وسنجان) كجبهات أمنية واقتصادية استراتيجية؛ لذا يتم ضخ استثمارات هائلة لرفع المستوى المعيشي والتكنولوجي لأبناء هذه القوميات. الهدف السوسيولوجي هنا هو خلق "عصبة اجتماعية" مبنية على الرفاه المادي المشترك وحماية الدولة من الاختراقات النيوليبرالية الغربية.
النموذج الحضاري الإيراني (الدمج الأيديولوجي العابر للعرق): تعيش على الهضبة الإيرانية مجموعات إثنية ضخمة (فرس، آذريون، أكراد، عرب، بلوش). الدراسة السوسيولوجية للبنية السياسية في إيران بعد عام 1979 تكشف أن النظام استبدل العصبية العرقية برابطة أيديولوجية جامعة (الإسلام ومقاومة الهيمنة الغربية). هذا الإطار سمح بدمج كافة الإثنيات داخل مؤسسات الحكم العليا (كالجيش، الحرس، والبرلمان)؛ فالصرامة هنا ليست عرقية استئصالية ضد أصل المواطن، بل هي صرامة سياسية وأمنية تُطبق ضد من يخرج عن الخط السيادي للدولة.
3. مقارنة سوسيولوجية: صرامة الضبط الاجتماعي مقابل فاشية المحو الوجودي
لإزالة اللبس السائد في الأدبيات الأكاديمية النيوليبرالية، يضع علماء الاجتماع السياسي تمييزاً قاطعاً بين آليات الضبط في الشرق والغرب:
أبعاد المقارنة السوسيولوجية
نموذج الدولة الحضارية الشرقية (روسيا/الصين/إيران)
نموذج الفاشية النيوليبرالية الغربية والصهيونية
طبيعة العقد الاجتماعي
شامل ودمجي: يضمن الوجود الفيزيائي والتنموي للأغلبية الساحقة بكافة مكوناتها العرقية.
إقصائي وطبقي: يخدم مصالح أقلية مالية أولويغارشية ومستوطنين على حساب الشعوب الأصلية.
آلية الضبط والصرامة
سياسية وبيروقراطية: تستهدف الموقف الفكري والسياسي الحزبي، ولا تستهدف عرق المواطن أو وجوده الحيوي.
وجودية واستئصالية: تستهدف محو الآخر جسدياً وثقافياً واقتلاعه من أرضه (نموذج الاستعمار الاستيطاني وغزة).
المستهدف بالعقوبة
الفرد أو الجماعة التي تتبنى مشاريع انفصالية أو فتناً مدعومة من أجهزة الاستخبارات الخارجية.
المكون الأصلي بأكمله (النساء، الأطفال، الأرض، التاريخ) لأنه يمثل عقبة أمام تمدد رأس المال أو المستوطن.

4. حتمية التعددية القطبية السوسيولوجية
تخلص القراءة السوسيولوجية العميقة إلى أن الهجوم الإعلامي والأكاديمي الغربي المستمر على البنى الاجتماعية لروسيا والصين وإيران ليس مدفوعاً بالدفاع عن "حقوق الإنسان"، بل هو محاولة بائسة لكسر نماذج التماسك الداخلي لهذه الدول الحضارية. إن هذه الدول أثبتت قدرتها على حماية التعددية الإثنية داخل حدودها دون السقوط في فخ الاستئصال والإبادة الجماعية التي ميزت الحداثة الغربية. إن صعود عالم متعدد الأقطاب هو ضرورة سوسيولوجية أخلاقية لإعادة الاعتبار لكرامة الشعوب، وبناء نماذج دول دولية تحترم الإنسان والتعايش الإثني، وتضع حداً للفاشية النيوليبرالية التي تهدد الوجود البشري.


…………

المقال الثامن: غزة والبث المباشر: عريّ النيوليبرالية والارتطام الأخير بـ "جدار الأخلاق"
1. الشاشة التي هدمت المعبد
لم تكن غزة يوماً مجرد بقعة جغرافية محاصرة على حافة المتوسط، بل غدت في العقد الحالي نقطة الارتطام التاريخي الكبرى بين وحشية الهيمنة الغربية والوعي البشري المعاصر. لعقود طويلة، برع العقل النيوليبرالي في نسج عباءة حريرية من المصطلحات: "حقوق الإنسان"، "القانون الدولي"، "العدالة الانتقالية"، وهي ترسانة مفاهيمية شُيدت في الجامعات والمحافل الدولية لا لحماية الضحايا، بل لشرعنة سلطة القوي وتأطير الهيمنة في قالب أخلاقي برّاق. غير أن المشهد الراهن في غزة، المنقول عبر الأثير والفضائيات والعدسات المرتجفة تحت الأنقاض بالبث المباشر، قد دكّ هذا المعبد الفكري فوق رؤوس بانيه، معلناً سقوط السردية الأخلاقية للغرب في عريٍّ تاريخي غير مسبوق.
3. الفاشية المتلفزة: الإبادة الاستيطانية في عصر العولمة الرقمية
تتبدى الجيوسياسية الحالية في غزة باعتبارها الذروة القصوى لنموذج الاستعمار الاستيطاني (Settler Colonialism) في نسخته النيوليبرالية الأكثر فاشية وتوحشاً. إن المحو الممنهج للحجر والبشر، والتدمير العمدي للمستشفيات والمدارس والجامعات، ليس تخبطاً عسكرياً، بل هو تطبيق حرفي لعقيدة "الاستئصال والإحلال" التي ورثها الكيان الصهيوني عن منشئيه الأوروأمريكيين.
المفارقة السوسيولوجية والسياسية المرعبة هنا هي "البث المباشر". في الماضي، كانت الإبادات الجماعية (كإبادة الهنود الحمر في أمريكا أو الأبرشايد في أفريقيا) تجري خلف جُدُر الصمت الكثيفة، وتُكتب روايتها بأقلام المنتصرين. أما اليوم، فالإبادة تُبث على الهواء مباشرة، يتجرع العالم تفاصيلها لحظة بلحظة؛ حيث تتدفق قذائف الفوسفور والمليارات والغطاء الدبلوماسي من واشنطن وعواصم الغرب لتمكين القاتل من إتمام مهمته، بينما يشاهد الساسة الليبراليون الشاشات بدم بارد. هذا التواطؤ العلني يثبت أن المنظومة الغربية ليست عاجزة عن وقف الجريمة، بل هي الشريك البنيوي فيها، وأن الفاشية النيوليبرالية مستعدة لسحق القانون الذي وضعت هي قواعده إذا ما تعارض مع بقاء ذراعها الاستعمارية في الشرق.
4. انكسار الهيمنة وبداية الوعي العابر للحدود
إن الارتطام بجدار الأخلاق في غزة أحدث شرخاً لا يمكن رأبه في الوجدان العالمي. لقد تحولت دماء الضحايا المنقولة بالبث المباشر إلى ترياق مضاد للاستعمار المعرفي، فانتفضت الشعوب والجامعات في قلب العواصم الغربية نفسها ضد أولويغارشيتها المالية والسياسية. لقد سقطت الأقنعة النيوليبرالية كلياً، ولم يعد بمقدور الغرب أن يمارس دور "الأستاذ الأخلاقي" على بقية شعوب الأرض؛ فقد كشفت غزة أن ما وراء الخطاب الليبرالي الأنيق لا يقبع سوى الإبادة والمحو، وأن كسر هذه الفاشية المعولمة يبدأ من التمرد على مفاهيمها الزائفة وصياغة فضاء جيوسياسي جديد يحترم حق الإنسان في الوجود فوق أرضه.
……….
المقال التاسع : تشريح التبعية: "الصهيونية العربية" ووظيفتها في هيكل الهيمنة المعولم
1. الوكيل المحلي في مسرح الهيمنة
لا يمكن فهم استدامة الهيمنة الغربية النيوليبرالية في الشرق الأوسط من خلال دراسة أدوات القمع الخارجية فحسب، بل يجب النفاذ سوسيولوجياً وجيوسياسياً إلى عمق البنى المحلية التي تضطلع بدور "الوكيل الوظيفي". هنا يبرز مفهوم "الصهيونية العربية" ليس كمصطلح سجالي، بل كظاهرة بنوية متكاملة تُشرح النخب السياسية والاقتصادية والأكاديمية التي جرى استدخالها في الترسانة الغربية، فتبنت رؤيتها الكونية ونظرتها الدونية لشعوبها، وتحولت إلى خط الدفاع الأول عن مصالح الأولويغارشية المالية العالمية على حساب السيادة الوطنية والقومية.
2. هندسة التبعية وسقوط الدولة الوطنية
لقد عملت المناهج الاقتصادية والسياسية النيوليبرالية التي صدّرتها الجامعات الغربية طوال العقود الثلاثة الماضية على تفكيك مفهوم "الدولة الحضارية المستقلة" في الفضاء العربي، واستبداله بنموذج "الدولة الحارسة لمصالح رأس المال العابر للقارات". وتتجلى هذه الهندسة الجيوسياسية في محاور عدة:
خصخصة السيادة وسحق الأغلبية: انخرطت نخب "الصهيونية العربية" في برامج التكيف الهيكلي المفروضة من صندوق النقد الدولي، فباعت مقدرات الشعوب، ودمرت القطاعات الإنتاجية المحلية، وأفقرت الأغلبية الساحقة لصالح أقلية أوليغارشية محلية ترتبط مصالحها بالشركات الغربية.
التواطؤ الوجودي ضد الهوية: تتماهى هذه الأنظمة الوظيفية مع الكيان الصهيوني في عدائه للمكونات الحية للأمة؛ فهي ترى في أي حراك شعبي، أو وعي نقدي، أو مقاومة للاستعمار خطراً داهماً يهدد عروشها؛ لذا تحولت عقيدتها الأمنية من حماية الثغور والقومية إلى حماية أمن المستعمر ومطاردة الأحرار من أبناء جلدتها.
3. الإبادة الفكرية وتمرير أطروحات "فرق تسد"
لم تقتصر وظيفة "الصهيونية العربية" على التنسيق الأمني والاقتصادي، بل تعدته إلى تمويل وإدارة منصات إعلامية وأكاديمية تمارس "إبادة فكرية وثقافية" ممنهجة ضد العقل العربي. تتبنى هذه المنصات الأطروحات الاستشراقية الغربية بحذافيرها؛ فتسوق للاستسلام كـ "واقعية سياسية"، وتعمل على تمزيق النسيج الاجتماعي عبر إذكاء النعرات الطائفية والإثنية والمناطقية. إن الهدف الجيوسياسي لهذه النخب هو صياغة إنسان عربي مفرغ من هويته، فاقد للانتماء الحضاري، ومستهلك خانع في السوق النيوليبرالي، بحيث تضمن الأولويغارشية العالمية بقاء المنطقة برمتها مستودعاً للمواد الخام وسوقاً استهلاكياً بلا سيادة ولا إرادة.
4. حتمية الانعتاق ومواجهة النخب الوظيفية
إن جيوسياسية التحرر المعاصرة تؤكد أن المعركة ضد الفاشية الغربية والصهيونية العالمية لا يمكن تفكيكها عن معركة الانعتاق من "الصهيونية العربية" ووكلائها المحليين. إن تحصين الجبهة الداخلية واستعادة الدولة الحضارية يتطلبان تصفية هذه البنى الارتزاقية معرفياً وسياسياً، وإعادة بناء العقد الاجتماعي على أسس العدالة والتكامل بين المكونات، لتتحول المنطقة من حقل تجارب للمشاريع الاستعمارية المتوحشة إلى فاعل أصيل في صياغة النظام العالمي الجديد المتعدد الأقطاب.
……..
المقال العاشر : المسرح السوري وعصابات التفتيت: تجليات الفكر الصهيوني الاستئصالي بأيدٍ محليّة
1. تدمير المركز الحضاري
تظل سورية، بموقعها الجيوسياسي الفريد وثقلها التاريخي كمركز للحضارة المشرقية، الشاهد الأكثر تعبيراً عن وحشية المشاريع الاستعمارية الهادفة لتمزيق "الدول الحضارية" وإحالتها إلى كانتونات ممزقة. إن الحرب المركبة التي شُنت على سورية لم تكن صراعاً داخلياً عفوياً من أجل التغيير، بل كانت هندسة جيوسياسية دولية استخدمت "عصابات وظيفية وهابية إخوانجية " تم تعيينها، وتسليحها، وتمويلها من قِبل إدارات أمريكية متعاقبة — من بينها إدارة ترامب — وحلفائها الغربيين والإقليميين، لتنفيذ ذات الأجندة الصهيونية الاستئصالية ولكن بـ "أدوات مأجورة تحمل أسماءً محلية".
2. عصابات التفتيت وعقيدة المحو الثقافي والإثني
من منظور الجيوسياسية التطبيقية، يحمل السلوك العسكري والاجتماعي لهذه المجموعات التفتيتية في سورية ملامح الفكر الصهيوني الاستيطاني في أدق تفاصيله:
استهداف الفسيفساء المجتمعية والمكونات: سعت هذه العصابات بشكل ممنهج إلى تدمير صيغة التعايش التاريخي بين المكونات الدينية والإثنية التي ميزت سورية لآلاف السنين. فمارست التهجير القسري، والمجازر الطائفية، واستهداف الأقليات والأغلبية الوطنية على حد سواء، بهدف خلق "غيتوهات" عرقية وطائفية متناحرة يسهل إخضاعها وإدارتها من الخارج على طريقة "فرق تسد".
محو الهوية وتدمير التاريخ: تماماً كما يمعن الكيان الصهيوني في تدمير الآثار والمساجد والكنائس والمكتبات التاريخية في فلسطين لمحو شواهد أصحاب الأرض الأصليين، قامت هذه العصابات في سورية بنهب المتاحف، وتدمير المدن الأثرية (مثل تدمر وأسواق حلب القديمة)، وتخريب النسيج المعماري والثقافي، في محاولة بائسة لقطع صلة الإنسان السوري بجذوره الحضارية الضاربة في عمق التاريخ.
3. نهب المقدرات وسرقة قوت الأغلبية
إن الوجه النيوليبرالي الفاشي لهذه العصابات الوظيفية من قاعدة وداعش واخوان مسلمين وهيئة خراب الشام و سائر مرتزقة المحميات والكيان يتجلى في تحولها إلى "شركات أمنية مرتزقة" تحرس آبار النفط وحقول القمح السورية الواقعة تحت الاحتلال المباشر. بدلاً من توجيه الموارد لخدمة أغلبية السكان الذين يرزحون تحت وطأة الحصار الاقتصادي الخانق (كقانون قيصر الفاشي)، تقوم هذه المجموعات بتهريب ثروات الشعب السوري وبيعه في الأسواق السوداء لتأمين تمويلها واستمرار بقائها، مما يثبت بالدليل القاطع أنها لا تملك أي مشروع وطني أو تنموي، بل هي مجرد أذرع وظيفية متوحشة تخدم مصالح الأولويغارشية المالية الغربية والشركات العابرة للقارات.
4. خاتمة: صمود الدولة الحضارية كضرورة لكسر الأحادية
يكشف المشهد السوري المعقد أن انتصار الدولة الوطنية وسحق عصابات التفتيت ليس مجرد شأن داخلي، بل هو حجر الزاوية في معركة كسر الأحادية القطبية الغربية على مستوى العالم. إن تمسك سورية بهويتها الجامعة، وتنسيقها الاستراتيجي مع القوى الشرقية (روسيا، الصين، وإيران) التي تحترم نسيج المكونات وتدعم السيادة، يمثل النموذج البديل في مواجهة الفاشية الاستعمارية الاستئصالية. إن قيام عالم متعدد الأقطاب يتطلب بالضرورة الحفاظ على قلاع الشرق الحضارية حرة ومستقلة، لتظل عصية على الطمس والمحو النيوليبرالي.