تمهيد روايتي الساخرة : ( سِجِلُّ الغُبَارِ الأَخِير )
احمد صالح سلوم
الحوار المتمدن
-
العدد: 8847 - 2026 / 10 / 3 - 10:03
المحور:
الادب والفن
لماذا الغُبَار؟ ولماذا الآن؟ ولماذا بهذه اللغة؟
أولاً: اعتذارٌ لا بدَّ منه
قبل أن يبدأ القارئُ رحلتَه في هذه الرواية، لا بدَّ لي من اعتذارٍ صغيرٍ، اعتذارٌ ليس نحوَ القارئِ وحدَه، بل نحوَ اللغةِ نفسِها، ونحوَ الأدبِ، ونحوَ كلِّ أولئك الذين ما زالوا يُصدِّقون أنَّ الكتابةَ يمكنُ أن تكونَ فعلَ مُقاوَمة، لا مجرَّدَ تسليةٍ أنيقة.
اعتذاري هو أنَّني اخترتُ السُّخرية. ولم أخترها لأنَّها أسهل، بل لأنَّها الأصعب. السُّخريةُ في الأدبِ ليست ضحكاً، بل هي بكاءٌ مُتخفِّفٌ في هيئةِ ضحك. وهي، في جوهرِها، أعمقُ أشكالِ الحزن، وأكثرُها تَهذُّباً، وأقلُّها قابليّةً للكذب. لأنَّ الكاتبَ الساخرَ لا يستطيعُ أن يكذبَ، إذ إنَّ الكذبَ في السُّخريةِ يفضحُ نفسَه؛ فالسُّخريةُ مرآةٌ لا تُجمِّل، وضوءٌ لا يُعتِم، وسكِّينٌ لا يُجرَحُ بها إلا مَن يستحقّ.
اخترتُ السُّخريةَ لأنِّي عشتُ في زمنٍ صارَ فيهِ الجِدُّ نفسه كذبةً مُقنِعة. فالخطباءُ يتكلَّمونَ بجديّةٍ عن "النهضة"، و"التنمية"، و"المستقبل"، و"الشراكة"، و"السلام". والجِدُّ الذي لا يُقابَلُ بالسُّخريةِ يصبحُ تواطؤاً. والسكوتُ الذي لا يُكسَرُ بالسُّخريةِ يصبحُ خِدْمةً. لهذا، اخترتُ السُّخريةَ لا لأنَّها أسلوبٌ فنيّ، بل لأنَّها موقفٌ أخلاقيّ. إنَّها الطريقةُ الأخيرةُ المُتاحة لقولِ الحقيقةِ في زمنٍ صارَتْ فيهِ الحقيقةُ خبراً عاجلاً يمرُّ ثلاثَ ثوانٍ ثم يُنسى.
ثانياً: لماذا الرواية، ولماذا هذا الشكل؟
الروايةُ هي الجنسُ الأدبيُّ الوحيدُ القادرُ على احتواءِ التناقض. الشعرُ يُكثِّف، والمسرحُ يُجسِّد، والقصةُ القصيرةُ تُومِئ. أمَّا الروايةُ، فهي تتَّسِعُ للكثير؛ تتَّسِعُ للفيلسوفِ والأحمق، للشهيدِ والخائن، للعاشقِ والمُحبَط، للطفلِ والعجوز، للأميرِ والخادم. وتتَّسِعُ للزمنِ بكلِّ طبقاتِه، وللمكانِ بكلِّ أسمائِه، وللذاكرةِ بكلِّ جراحِها. لهذا، وجدتُ في الروايةِ الوطنَ الأخيرَ لكلِّ ما لا يمكنُ قولُهُ في خطبةٍ، أو في مقالٍ، أو في خبر.
لكنَّني لم أكتبْ روايةً بالطريقةِ التقليدية. لم أُردْ أن أُقدِّمَ حكايةً لها بدايةٌ ووسطٌ ونهاية. لأنَّ الحياةَ في بلادِنا لا تملكُ بضاعةً كهذه. حياتُنا ليست حكايةً، بل هي سِجِلُّ غُبار: طبقاتٌ من الذكرياتِ والخذلانِ والأملِ الصغيرِ والغضبِ الكبيرِ، تتراكمُ بلا نظام، وتُشكِّلُ في النهاية معنى — أو لا معنى — وكلاهما صحيح.
لهذا، اخترتُ شكلَ "السِّجِل"، أو "الكتابِ داخلَ الكتاب". هذه الروايةُ ليست روايةً واحدة، بل هي مزيجٌ من سِجِلَّين: سِجِلٌّ روائيٌّ لمدينةٍ تُسمَّى "مدينة السلام"، وسِجِلٌّ ثانٍ — هو "كتابُ النسيان" — الذي يقرأُهُ بطلُنا، وكلُّ فصلٍ فيهِ صفحةٌ واحدةٌ تُختَصَرُ فيها الروايةُ نفسُها.
هذا التداخلُ بين السِّجِلَّين هو استعارةٌ لعلاقةِ الإنسانِ العربيِّ بذاكرتِه: نحنُ نعيشُ حكايةً، ونقرأُ حكايةً أخرى عن أنفسِنا، ونعرفُ أنَّ الأولى ليستْ حقيقةً كاملة، والثانية ليستْ خيالاً كاملاً، ونعيشُ في المسافةِ بينهما، ونسمِّي ذلك "الحياة".
ثالثاً: لماذا أمريكا اللاتينية؟ ولماذا الأدبُ العالميّ؟
لم أخترْ أدبَ أمريكا اللاتينية لأنَّهُ مُوضة، ولا لأنَّهُ مُتاحٌ للتقليد. اخترتُهُ لأنَّهُ الأقربُ إلى حالِنا. ففي ماكوندو ماركيز، وفي كومالا أستورياس، وفي بيترا بارامو رولفو، وجدتُ مدينتي. وجدتُ الجُنَّتَيْنِ اللتينِ تُبنَيانِ على جثثِ الأجداد، والديكتاتورَ الذي يبيعُ البحرَ، والعقيدَ الذي يصنعُ الأسماك بلا حديد، والعائلةَ التي تُعيدُ التاريخَ نفسَهُ بلا توقُّف.
لكنَّني لم أُقلِّدْ. لأنَّ التقليدَ أمانةٌ لا فَنّ. ما فعلتُهُ هو أنِّي أخذتُ ما يُشبِهُني، وأضفتُ ما هو لي: الغُبار. الغُبارُ في أمريكا اللاتينية أحياناً يكونُ سحراً. أمَّا في بلادِنا، فالغُبارُ دائماً هو سِجِلٌّ. إنَّهُ شاهدٌ، وراوٍ، ومُنتقِمٌ صامت. لهذا، غُبارُنا ليس له نظيرٌ في أيِّ أدبٍ آخر. غُبارُنا أدبٌ قائمٌ بذاتِه، لم يُكتَبْ بعد، وهذه الروايةُ مُحاولةٌ صغيرةٌ لتقديمِهِ.
أمَّا الأدبُ العالميُّ، فأخذتُ منهُ القاعدةَ الأولى: أنَّ الكتابةَ فنٌّ، وأنَّ الفنَّ لا يُساوِم. أخذتُ من كافكا هاجسَ البيروقراطيّةِ المُطلَقة، ومن أورويل الخوفَ من الكلمةِ التي تصيرُ سِجناً، ومن بورخيس فكرةَ الكتابِ الذي يحتوي كلَّ الكتب، ومن بيكيت صبرَ من ينتظرُ ولا شيءَ يأتي، ومن دورينمات فكرةَ المسرحيةِ التي لا يستطيعُ أحدٌ أن يُوقِفَها، ومن غوته فكرةَ الرِّهانِ بين الشيطانِ والإنسان، ومن دوستويفسكي فكرةَ الحريةِ التي تُوجِعُ ولا تُترَك. كلُّ هذا مُتداخِلٌ في هذه الرواية، لكنَّهُ يُخدِمُ شيئاً آخر: هو أنَّ السُّخريةَ العربيةَ لا تُولدُ في فراغ، بل تولَدُ من رَحِمِ التاريخ، وتُصاغُ بأدواتِ العالم، وتُقدَّمُ بلغةٍ عربيةٍ لا تُقلِّد.
رابعاً: ما الإبداعُ الذي تُقدِّمُهُ هذه الرواية؟
لن أقولَ إنَّها روايةٌ مُبتَكَرة، فهذه كلمةٌ كبيرةٌ لا يحقُّ لي ادِّعاؤها. لكنِّي أستطيعُ أن أقولَ ما يُشبِهُ الإبداع، وهو أربعةُ أشياء:
الأول: أنَّ هذه الروايةَ لا تُحاكمُ شخصاً. ليست ضدَّ حاكم، ولا ضدَّ حزب، ولا ضدَّ دين. إنَّها ضدُّ منظومةٍ تُنتِجُ التخلُّفَ كَمَشروع، والتبعيّةَ كَقَدَر، والغُبارَ كَهَويّة. وحين لا تُحاكِمُ الروايةُ شخصاً، فهي تُفلِتُ من قبضةِ الرَّقيب، لأنَّ الرَّقيبَ يَعرفُ كيفَ يُدافِعُ عن الأسماء، لكنَّهُ لا يَعرفُ كيفَ يُدافِعُ عن المَنظومة، لأنَّ المَنظومةَ أكبرُ منهُ، وأخطرُ منهُ، وهو نفسُهُ جزءٌ منها.
الثاني: أنَّ الروايةَ لا تُقدِّمُ بطلاً. لا بطلَ فيها ولا مَهزَلة. الشخصياتُ هامشيّة، ومُعطَّلة، ومُطارَدة، ومُتعبَة. البطلُ الوحيدُ فيها هو الغُبار، والغُبارُ لا يتكلَّمُ إلا إذا صَمَتَ كلُّ شيءٍ آخر. هذه ثورةٌ فنيّة: أن تجعلَ الشيءَ الأكثرَ تهميشاً هو الشيءَ الأكثرَ حكمة، وأن تجعلَ الصمتَ أقوى من الخطاب، وأن تجعلَ الخُبزَ اليابسَ أبلغَ من النشيدِ الوطنيّ.
الثالث: أنَّ الروايةَ ساخرةٌ بلا ضحك. هذا تناقضٌ مقصود. السُّخريةُ فيها ليست دعابةً، بل هي الأداةُ التي تنزعُ القناعَ عن الوجهِ دونَ أن تُشوِّهه. لأنَّ الوجهَ في هذه الروايةِ ليسَ قبيحاً، بل مُتعب. والسُّخريةُ لا تُبشِّعُ التعب، بل تُظهرُ جمالَهُ المأساويّ. لهذا، القارئُ لن يضحكَ كثيراً وهو يقرأ، لكنَّهُ سيبتسمُ كثيراً، وهذه الابتسامةُ هي الغُبار الذي يُغطّي جرحَهُ.
الرابع: أنَّ الروايةَ صالحةٌ لكلِّ زمانٍ ومكان. "مدينةُ السلام" ليست دمشق، ولا بغداد، ولا صنعاء، ولا بيروت، ولا الخرطوم، ولا الجزائر، ولا تونس. إنَّها كلُّ هذه المدن، ولا واحدةٌ منها. و"مأمون" و"سامي" و"أبو سامر" ليسوا أشخاصاً، بل أدوارٌ، يتقمَّصُها التاريخُ، ويُوزِّعُها على أجيالٍ من الوافدين الجدد. لهذا، لا يمكنُ للرَّقيبِ أن يُصادِرَ هذه الرواية، لأنَّهُ سيُصادِرُ نفسَهُ، وسيُصادِرُ جُدودَهُ، وسيُصادِرُ أحفادَهُ، وسيُصادِرُ الغُبارَ الذي فيهِ يرقدُ، وفي نهايةِ الأمرِ سيُصادِرُ الغُبارَ الذي سيصيرُ إليه.
خامساً: لماذا هذا العنوان؟
"سِجِلُّ الغُبَارِ الأخِير". اخترتُ هذا العنوانَ لأنَّهُ يجمعُ كلَّ ما أُريدُ قولَهُ في كلمتَيْن. "السِّجِلُّ" هو الكتابةُ، والتوثيقُ، والشهادةُ. و"الغُبارُ" هو الذاكرةُ، والتُرابُ، والفقر، والصمت، والبقاء. و"الأخِيرُ" هو الزمنُ، والنهايةُ، والوعدُ، والبدايةُ.
في بلادِنا، كلُّ شيءٍ سِجِلٌّ؛ سِجِلُّ الأحوالِ المدنية، وسِجِلُّ العقارات، وسِجِلُّ المخابَرات، وسِجِلُّ الديون، وسِجِلُّ اللاجئين، وسِجِلُّ المفقودين، وسِجِلُّ الشهداء. لكنَّ السِّجِلَّ الوحيدَ الذي لم يُكتَبْ بعد هو سِجِلُّ الغُبار. إنَّهُ السِّجِلُّ الذي يُوثِّقُ كلَّ ما لم يُوثَّق، ويُسمِّي كلَّ ما لم يُسمَّ، ويُكرِّمُ كلَّ ما أُهين، ويُخلِّدُ كلَّ ما نُسِيَ. و"الأخِيرُ" — في العنوان — ليس لأنَّهُ سيُغلَق، بل لأنَّهُ سيكونُ الأخيرَ بعد أن تُغلَقَ كلُّ السِّجِلَّاتِ الأخرى. إنَّهُ السِّجِلُّ الذي لا يُتلَف، ولا يُنسَخ، ولا يُبيَع.
سادساً: دعوةٌ أخيرة
هذه الروايةُ ليست دعوةً إلى اليأس، ولا إلى الثورة. إنَّها دعوةٌ إلى الغُبار. دعوةٌ إلى أن يتذكَّرَ كلُّ عربيٍّ، وكلُّ إنسانٍ في هذا العالم، أنَّ الغُبارَ الذي تراكمَ على رفوفِ التاريخ، وعلى صفحاتِ الكتبِ، وعلى وجوهِ الفقراء، ليسَ عاراً، بل هو سِجِلٌّ.
وإذا أدركَ الناسُ ذلك، فسيُدرِكونَ أنَّ الغُبارَ الذي في جيوبِهم، وفي رئاتِهم، وفي ذاكرتِهم، هو وطنُهم الأخير. وأنَّ الوطنَ لا يُقايَض، ولا يُبَاع، ولا يُهدَى، ولا يُستَورَد، ولا يُستَنسَخ، ولا يُطبَّعُ مع أحد. الوطنُ هو الغُبار.
هذه الروايةُ ليست ثورةً، ولا برنامجاً سياسيّاً، ولا بياناً. إنَّها حفنةُ غُبارٍ على قبرِ جدٍّ، لا يعرفُ أحدٌ اسمَهُ، لكنَّ الغُبارَ يعرف.
الغُبارُ لا يُقايَض.
الغُبارُ ينتشر.
والروايةُ... الروايةُ بقيّةٌ من الغُبار.
كاتب هذه الرواية، في زمنٍ لا يُكتبُ فيهِ اسمُهُ، في مدينةٍ تُسمَّى "السلام"، في بلادٍ لا تُسمَّى.
[التاريخ: يومٌ لا يُذكَر، سنةٌ لا تُعدّ، قرنٌ لا يُحسَب.]
........
رابط الرواية بالعربية
https://saloum1.substack.com/p/257?utm_source=share&utm_medium=android&r=6en7dw
رابط الرواية بالفرنسية :
https://saloum1.substack.com/p/le-registre-de-la-derniere-poussiere?utm_source=share&utm_medium=android&r=6en7dw
رابط الرواية بالإنكليزية
https://saloum1.substack.com/p/the-register-of-the-last-dust-a-satirical?utm_source=share&utm_medium=android&r=6en7dw
رابط الرواية بالاسبانية
https://saloum1.substack.com/p/el-registro-del-ultimo-polvo-novela?utm_source=share&utm_medium=android&r=6en7dw