في قبضة أموال الوهم الوهابي الإخوانجي : حين يصنع الدجل موعد الموت


احمد صالح سلوم
الحوار المتمدن - العدد: 8849 - 2026 / 10 / 5 - 23:37
المحور: العلمانية، الدين السياسي ونقد الفكر الديني     

رجل يمشي في شارع مصري مزدحم. يقترب منه غريب فيهمس في أذنه: "ستموت قريباً". يرتجف الجسد، يتسارع النبض، ينهار الحصن الأخير للعقل. يدفع الرجل ما تبقى من مدخراته لدجال يعد بمعرفة اللحظة والساعة والسبب — ربما التفادي. هنا، في هذا المشهد الذي يقدمه برنامج تجريبي كوميدي، تتجلى مأساة أمة كاملة في لحظة واحدة. الكوميديا، كما يقول المثل، ليست سوى المأساة التي تتنفس.

مسرح العبث: حين تنكشف الحقيقة

في هذا البرنامج، تُصبح الشوارع المصرية مسرحاً تجريبياً. ممثلون يتقنون دور الغرباء الذين يحملون نبوءات الموت، وضحايا حقيقيون يسقطون في الفخ دون علمهم. الفكرة، في ظاهرها، ساخرة. لكن الكاميرا الخفية لا تكشف فقط عن ردود فعل فردية؛ إنها تلتقط انهياراً جماعياً لمنظومة قيم كاملة. المصري الذي يدفع للدجال، في لحظة الخوف الوجودي، لا يتصرف كفرد جاهل فحسب؛ إنه يستدعي قروناً من التشكيل الثقافي الذي حوّل الغيب إلى سوق، والعقل إلى بضاعة رخيصة. بل إن كل إرث عبد الناصر العلمي التقدمي دمرته حقبة الكامب الصهيو امريكي الخليجي .

أرقام تتكلم بلغة الكارثة

الأرقام ليست مجرد إحصاءات باردة؛ إنها نبض مجتمع. وفقاً لإحصاءات رسمية، تجاوز حجم الإنفاق السنوي على الدجل والشعوذة في مصر 10 مليارات جنيه. بينما تشير تقديرات أخرى، كشف عنها البرلمان المصري، إلى أن الرقم قد يصل إلى 40 مليار جنيه سنوياً. هذه ليست مجرد أرقام؛ إنها استثمار وطني في خراب الوعي. دراسات اجتماعية تؤكد أن 63% من المصريين يؤمنون بالخرافات، وأن نصف النساء يذهبن إلى السحرة. والحقيقة الأكثر إيلاماً: الأمر لم يعد مقصوراً على الفقراء والأميين. المتعلمون، أصحاب المؤهلات العليا، يتحولون أمام الخرافة إلى "عقلية بدائية"، كما وصفهم أحد البرلمانيين.

من يبيع الوهم؟ هندسة التخلف

السؤال الملح: كيف وصل شعب عبد الناصر إلى هذا الدرك؟ الإجابة لا تكمن في سذاجة فردية، بل في هندسة اجتماعية ممنهجة. لعقود، تشكل خطاب ديني يقدم التفسيرات السهلة، ويحتقر الاجتهاد العقلي، ويحيل كل شيء إلى قوى خفية. من على منابر تُشاهد بالملايين، رُوج لفكرة أن الإسلام "حاوي كل العلوم"، وأن العقل عاجز عن إدراك الحقائق الكبرى. في هذا الخطاب، لا مكان للتفكير النقدي؛ بل مكان للاستسلام والانتظار.

أسماء مثل محمد متولي الشعراوي، ويوسف القرضاوي، ومحمد الغزالي لم تكن مجرد وعاظ؛ لقد كانوا أدوات في مشروع أوسع. في نقد مادي تاريخي ، ارى أن هذه الأصوات، التي انتشرت عبر أشرطة الكاسيت ثم الفضائيات، "ليست سوى فقه الـ CIA، صيغت في مختبرات الهيمنة ثم نُقلت إلى محميات الخليج الصهيو أمريكية واولهم قطر العيديد لتُبث عبر شيوخ يعبدون الريالات". إنهم، في رأيي ، لم يدمروا العقل العربي فحسب، بل "صُممت" خطاباتهم لخدمة الإمبريالية وتفتيت الأمة. الإمام الغزالي، الذي وقف ضد "كل أنماط الاجتهاد العقلي"، يُستدعى اليوم كحجة لقتل التساؤل، بينما يُقدَّم الشعراوي كمن "دمر عقول الملايين" بفتاواه التي وصفت ب"الكوارث الفكرية".

الوصاية الخليجية: شراء العقول

لم يكن هذا التدمير الثقافي مشروعاً محلياً فقط. في العقود الأخيرة، تحولت مصر إلى ساحة نفوذ خليجي واسع بأجندة استعمارية كيسنجرية صهيونية في عهد السادات ومبارك ومرسي. تقارير تتحدث عن "شراء" الإمارات والسعودية لقطاعات حيوية، من الصحة إلى التعليم، حيث تُبنى مناهج دراسية وثقافة عامة تخدم أجندة معينة. في هذا السياق، يُنفق مليارات الدولارات "للسيطرة على عقولنا"، كما يحذر كتاب مصريون، عبر تمويل إعلامي وديني يروج لثقافة الاستسلام والتبعية. النتيجة: مجتمع يُشجع على البحث عن حلول سحرية لمشكلاته، بدلاً من مواجهة أسبابها السياسية والاقتصادية. الدجل ليس إلا الوجه القبيح لهذه التبعية.

النقيض الصيني: إنسان يصنع قدره

على الضفة الأخرى، تبدو التجربة الصينية نقيضاً مطلقاً. هناك، حيث قاد الحزب الشيوعي ثلاثة أجيال من التضحيات، لم يُبنَ فقط اقتصاد عظيم، بل بُني إنسان مبدع وسعيد. يقول المنظرون الصينيون إن جوهر "التحديث الصيني" هو "تحديث الإنسان". ثلاثية القيادة — من ماو إلى دينغ إلى جيانغ — طورت نظرية ماركسية ل"التنمية الشاملة للإنسان"، من إنتاج "الاشتراكي الجديد" إلى "الشخص ذي الأربع صفات" إلى "تحسين جودة الشعب". هذا الإنسان لا ينتظر قوى خفية تحرك حياته؛ إنه يصنع قدره بيديه، مسلحاً بالعلم والوعي الطبقي. في الصين، يسخر الناس من الشعوذة والخرافات، ليس لأنهم "ملحدون"، بل لأنهم يملكون أداة أسمى: العقل الذي يرى في التغيير الاجتماعي، لا في تعويذة دجال، طريق الخلاص.

خاتمة: أي إنسان نريد؟

البرنامج الكوميدي، بضحكته المرة، ليس سوى مرآة. ما يعرضه ليس حكاية فرد، بل حكاية أمة. إنها لحظة انكشاف مرعبة: شعب يمكن أن يُقنع بأن موته مكتوب على لسان غريب، وأن حله في جيب دجال. لكن الحل الحقيقي ليس في مزيد من الوعظ. إنه في استعادة العقل، وتحريره من كل أنواع العبودية — للخرافة، وللوصاية الخارجية، وللخطاب الذي يجعله يتقوقع في انتظار المعجزة. بين إنسان يخاف من ظله ويدفع ليعرف نهايته، وإنسان شق طريقه بالعلم والعمل، تقف مصر. السؤال ليس عن موعد الموت. السؤال هو: كيف نريد أن نعيش قبل أن نموت؟