كيف صنع الدعم نصف دخل السوري في 2010، وكيف خسره في 2026؟
احمد صالح سلوم
الحوار المتمدن
-
العدد: 8846 - 2026 / 10 / 2 - 13:25
المحور:
الإستعمار وتجارب التحرّر الوطني
حين يتحوّل الراتب إلى أسطورة
في عام 2010، كان الموظف السوري يعيش في عالم اقتصادي يبدو اليوم أقرب إلى الأسطورة منه إلى الواقع. لم يكن راتبه مجرد رقمٍ ماليٍّ ثابت على كشف الرواتب، بل كان بوابةً إلى منظومة دعمٍ واسعةٍ جعلت هذا الدخل يتضاعف في قيمته الفعلية دون أن يتغيّر على الورق. كان الأستاذ الجامعي يتقاضى ما يعادل 700 دولار شهريًا، وهو رقمٌ يبدو متواضعًا بمعايير أوروبية، لكنه كان يخفي وراءه راتبًا آخر غير مكتوب؛ راتبًا تدفعه الدولة نيابةً عن المواطن، عبر شبكة حماية اجتماعية صامتة لكنها فعّالة، جعلت من هذا الدخل قوةً شرائية تعادل اليوم ما بين 1,100 و1,500 دولار.
أولًا: الاحتضان الاقتصادي… حين كانت الدولة تدفع عن مواطنيها
في تلك السنة، كانت الدولة السورية تمارس ما يمكن تسميته بـ"الاحتضان الاقتصادي" لمواطنيها. لم يكن الدعم مجرد سياسة اقتصادية عابرة، بل كان فلسفة حكمٍ كاملة تجلّت في كل تفاصيل الحياة اليومية:
· الخبز كان شبه مجاني، يُباع بأسعار لم تتغيّر لعقود، وكأن الدولة أغلقت باب الزمن على هذه السلعة الأساسية.
· المازوت للتدفئة كان بسعر رمزي، يضمن أن البيوت السورية تبقى دافئة في الشتاء دون أن تتحوّل فاتورته إلى كابوس.
· الكهرباء لم تكن تكاد تُذكر في الفواتير، فكانت تكلفتها الشهرية تعادل ثمن فنجان قهوة في مقاهي أوروبا.
· الغاز كان يُباع بثمنٍ لا يتجاوز ربع دولار، وهو سعرٌ يبدو اليوم ضربًا من الخيال.
· الماء والنقل والدواء المحلي كانوا جزءًا من هذه الشبكة الصامتة، التي لم تكن تُرى في الأرقام الرسمية، لكنها كانت تُحسّ في كل ركنٍ من أركان الحياة.
لم يكن السوري يدرك حينها أن راتبه النقدي يخفي وراءه راتبًا آخر غير مكتوب؛ راتبًا تدفعه الدولة نيابةً عنه كل شهر، عبر دعمٍ يطال كل تفاصيل حياته اليومية. كان الدعم يعمل في الخفاء، لكنه كان يصنع الفارق بين حياةٍ كريمة وحياةٍ هامشية.
ثانيًا: الراتب غير المرئي… حساباتٌ تتجاوز الأرقام
عندما نعيد حساب هذا الدعم وفق أسعار اليوم، تتغيّر الصورة جذريًا. فالأسرة التي كانت تستهلك شهريًا:
· خبزًا مدعومًا
· مازوتًا للتدفئة
· كهرباء شبه مجانية
· غازًا بأسعار رمزية
· نقلًا عامًا منخفض التكلفة
· دواءً محليًا زهيد الثمن
كانت تتلقّى فعليًا ما يعادل 400 إلى 800 دولار شهريًا من الدعم غير المرئي. هذا الرقم ليس مبالغةً، بل هو تقديرٌ محافظ إذا ما قارنّاه بأسعار هذه السلع والخدمات في الأسواق الحرة اليوم.
وبذلك يصبح راتب الأستاذ الجامعي في 2010، البالغ 700 دولار، جزءًا من منظومة دخلٍ أكبر بكثير:
700 دولار نقدًا + 400–800 دولار دعمًا = قوة شرائية تعادل اليوم بين 1,100 و1,500 دولار شهريًا.
هذه المعادلة تكشف أن السوري عام 2010 لم يكن يعيش براتب 700 دولار، بل كان يعيش براتبٍ فعليٍّ يعادل راتب موظف أوروبي متواضع. كان يستطيع أن يدفع إيجارًا معقولًا، وأن يشتري غذاءً صحيًا، وأن يدفئ منزله دون خوف من فاتورة، وأن يرسل أبناءه إلى الجامعة دون أن ينهار تحت عبء النفقات.
ثالثًا: الراتب الخفي… حين كان الدعم يصنع الكرامة
كان الدعم يصنع ما يمكن تسميته بـ"الراتب الخفي": راتبٌ لا يظهر في كشوف الرواتب، لكنه يظهر في حياة الناس، في دفء البيوت، وفي طمأنينة الأسر، وفي قدرة المواطن على التخطيط لغده دون خوفٍ من انهيارٍ مفاجئ. كان هذا الراتب الخفي هو الفرق بين أن تعيش لتأكل، وأن تأكل لتعيش.
في تلك السنوات، لم يكن السوري بحاجة إلى أن يحسب كل قرش قبل أن يشتري دواءً لطفله، أو أن يدفئ غرفته في كانون الثاني. كان الدعم يعمل كصمام أمانٍ صامت، يمنع الانهيار الاجتماعي، ويحفظ الكرامة الإنسانية في زمنٍ كانت فيه الكرامة سلعةً نادرة في كثير من دول المنطقة.
رابعًا: اليوم… حين اختفى الراتب الخفي
في 2026، لم يعد هذا الراتب موجودًا. ارتفعت أسعار الخبز والمازوت والغاز والكهرباء والنقل والدواء إلى مستويات غير مسبوقة، وتلاشى الدعم تدريجيًا، بينما بقيت الرواتب في حدود 25 إلى 33 دولارًا للموظف، و9 إلى 14 دولارًا للمتقاعد. هذه الأرقام ليست مجرد إحصاءات باردة، بل هي شهادات موتٍ بطيءٍ لمنظومة حياة كاملة.
وبذلك، لم يخسر السوري راتبه النقدي فقط، بل خسر راتبه الخفي أيضًا؛ ذلك الراتب الذي كان يساوي نصف حياته. خسر القدرة على التدفئة، وعلى شراء الدواء، وعلى إرسال أبنائه إلى الجامعة، وعلى التخطيط لغده. خسر الأمان، وخسر الكرامة، وخسر ذلك الشعور الغامض بأن الدولة تقف إلى جانبه، حتى لو لم تكن تراه.
خامسًا: الخلاصة… ما خسره السوري ليس راتبًا فقط
راتب 700 دولار عام 2010 لم يكن 700 دولارًا. كان يعادل اليوم ما بين 1,100 و1,500 دولار بالقوة الشرائية. وما خسره السوري بين 2010 و2026 ليس راتبًا فقط، بل خسر منظومة حياة كاملة. خسر ذلك الراتب الخفي الذي كان يصنع نصف دخله، والذي كان يجعل من الحياة اليومية ممكنةً، ومن الكرامة الإنسانية واقعًا معاشًا.
اليوم، يقف السوري أمام مشهد اقتصادي قاسٍ، حيث الرواتب لا تكفي حتى لشراء الخبز، وحيث الدعم لم يعد سوى ذكرى بعيدة. وبين 2010 و2026، لا تقف سنواتٌ من التدهور الاقتصادي فحسب، بل تقف سنواتٌ من فقدان الأمان، والكرامة، والحق في حياةٍ كريمة. وهذا هو الدرس الأكبر: أن الراتب ليس مجرد رقم، بل هو منظومة حياةٍ كاملة، وحين تختفي هذه المنظومة، لا يختفي الراتب فقط، بل تختفي معه الإنسانية.