مقارنة بين إعلام صنعاء والإعلام الخليجي الخادم للإمبريالية الصهيو أمريكية
احمد صالح سلوم
الحوار المتمدن
-
العدد: 8861 - 2026 / 10 / 17 - 08:28
المحور:
الإستعمار وتجارب التحرّر الوطني
لم يعد الصراع صراع جبهات فقط، في الوطن العربي ، بل صراع سرديات. ولم يعد الانتصار يُقاس بعدد المواقع التي تسقط، بل بعدد العقول التي تقتنع. وفي هذا المشهد المتحوّل، يبرز الفرق الجوهري بين خطاب قوات صنعاء العسكرية، وبين خطاب قنوات خليجية كبرى مثل الجزيرة والعربية والعربي، التي تتوجّه إلى جمهور مختلف وتخدم أهدافًا سياسية استعمارية واضحة.
١) خطاب صنعاء: لغة ميدانية موجّهة إلى شعب يشارك في القرار
بيانات قوات صنعاء ليست مجرد نشرات عسكرية، بل رسائل إلى عشرات الملايين من اليمنيين الذين يتابعون كل كلمة. هذا الارتباط الشعبي يجعل خطاب صنعاء مباشرًا، مقتضبًا، خاليًا من المبالغة، مرتبطًا بالوقائع الميدانية، ومدعومًا بلقطات من الإعلام الحربي.
صنعاء لا تعلن سقوط مدينة قبل أن تسقط، ولا تعلن تقدمًا قبل أن يتحقق، ولا تغيّر روايتها كل يوم. ويكشف التتبع الدقيق لبيانات المتحدث العسكري يحيى سريع أن الإحصاءات المعلنة تخضع لمنطق داخلي صارم: عدد العمليات، أنواع الصواريخ، الأهداف المحددة، والنتائج المترتبة. فحين أعلن القائد العربي عبد الملك الحوثي أن ٧٨ عملية نُفذت خلال شهر واحد بـ١٧١ صاروخًا باليستيًا ومجنحًا وفرط صوتي وطائرة مسيرة، فإن هذا التفصيل الكمي والنوعي لم يكن عرضًا بلاغيًا، بل محاولة لتوثيق زخم ميداني يمكن التحقق منه عبر مقاطع مصورة تنتجها وحدات الإعلام الحربي الميداني .
هذا الانضباط ليس صدفة، بل جزء من عقد اجتماعي جديد بين القيادة والجمهور، حيث يصبح البيان العسكري امتدادًا لثقة شعبية واسعة. وحتى التقارير الغربية التي لا يمكن اتهامها بالانحياز لصنعاء اعترفت بثقل هذه الظاهرة. فقد نشرت صحيفة "ذا ميديا لاين" الإسرائيلية تقريرًا يؤكد أن قوات صنعاء تحولت من جماعة محلية إلى قوة عسكرية إقليمية كبرى، إذ ارتفع عدد مقاتليها من ٣٠ ألفًا في ٢٠١٥ إلى ٢٢٠ ألفًا في ٢٠٢٢، ثم إلى ٣٥٠ ألفًا في ٢٠٢٥ . وقال مايكل نايتس، الخبير البارز في معهد واشنطن لسياسة الشرق الأدنى، إن قوات صنعاء تمتلك "قدرات عسكرية أكبر مما هو متوقع وبفاعلية عملياتية تعزز صورتها كقوة غير قابلة للردع" . بل إن تحليلًا لشركة بريطانية حذّر من أن هذه القوات "تمتلك أسلحة يصل مداها إلى ٢٥٠٠ كيلومتر، ولا شيء يشير إلى إمكانية ردعهم في الوقت الراهن" .
هذه الاعترافات لا تأتي من مصادر مؤيدة، بل من مراكز أبحاث غربية وإسرائيلية لها مصلحة في التقليل من شأن صنعاء لا تضخيمها. وهذا ما يمنح البيانات العسكرية لصنعاء بعدًا مختلفًا: إنها ليست دعاية موجهة للخارج، بل توثيق ميداني يخضع لاختبار الواقع يوميًا.
٢) الإعلام الخليجي: سردية سياسية تخدم أهدافًا إقليمية
على الجانب الآخر، تعمل قنوات مثل الجزيرة والعربية والعربي ضمن عقيدة إعلامية سياسية لا علاقة لها بالميدان. هذه القنوات ليست منصات مستقلة، بل أدوات ضمن منظومة استخباراتية استعمارية إقليمية أكبر.
ويكشف الفحص المتأني لسلوك هذه القنوات أثناء الحرب على اليمن عن نمط متكرر: التضخيم المفرط لأخبار غير مؤكدة، ثم الصمت المطبق حين تتكشف الحقائق. في أكتوبر ٢٠٢٦، شنّت قوات موالية للتحالف الصهيو سعودي هجومًا على منطقة ذباب المطلة على مضيق باب المندب. وفي غضون ساعات، بثّت الشبكات الإعلامية التابعة للتحالف الإرهابي أخبارًا عن "سقوط ذباب"، ثم ادّعت لاحقًا السيطرة على مدينة المخا. غير أن القوات اليمنية أعلنت لاحقًا تطويق الهجوم واستعادة الأرض، ونشرت لقطات موثقة بالتاريخ تظهر جنودها على ساحل باب المندب، بينما سخر السكان المحليون من الادعاءات .
هذا النمط لم يكن حالة معزولة. فقد أقرّ إعلاميون عرب موالون للتحالف الخادم لاجندات رأس المال الصهيو أمريكي بأن ما جرى يمثل "فضيحة إعلامية" و"ضربة أخلاقية" للقوات المدعومة سعوديًا، محذّرين من أن "الدعاية غير المصحوبة بجهد موازٍ في الميدان لها عمر قصير" . وقال أحد النقاد إن "ضخ أخبار كاذبة وانتصارات من غرف الفنادق" يشكّل خطرًا على أرواح مرتزقتهم من ارهابيي الإخوان المسلمين والسلفيين ، مضيفًا أن "حياة الناس ليست مادة للدعاية والاتجار" .
وحتى داخل الإعلام الخليجي نفسه، ظهرت شقوق واضحة. ففي حين تحاول بعض القنوات الحفاظ على خط تحريري "محايد" من الأحداث، انقلبت قنوات أخرى "ظهر المجنّ على عقيدتها الإعلامية السابقة وجمهورها"، لتصبح "كأنها إذاعة موجّهة في زمن الحرب الباردة" . وتشير بيانات حديثة إلى أن مشاهدات الجزيرة هبطت بنحو ٤٥٪ في مايو ٢٠٢٦ مقارنة بالشهر السابق، وتراجعت العربية بنحو ٤٣٪ . وهذه الأرقام لا تعكس فقط تقلّب أذواق المشاهدين، بل تراجعًا في الثقة بمنظومة إعلامية أصبحت تُرى كامتداد لسياسات استعمارية جديدة لا أدوات إعلامية مستقلة.
٣) الفرق الجوهري: من يخاطب الشعب ومن يخاطب الخارج؟
صنعاء تخاطب شعبها. خطابها موجّه إلى مقاتلين في الجبهات، وأسر تنتظر أبناءها، وجمهور يخرج إلى الساحات عندما يُطلب منه، ومجتمع يرى الحرب يوميًا.
الإعلام الخليجي يخاطب الخارج. خطابه موجّه إلى العواصم الغربية التي يخدمها ، ومراكز النفوذ الإقليمي، وجمهور عربي بعيد عن الميدان، وصناع قرار يبحثون عن رواية سياسية جاهزة.
ولهذا يبدو الفرق صارخًا: صنعاء تتحدث عن الواقع، والإعلام الخليجي يتحدث عن السياسة. وحين تتحدث صنعاء عن صاروخ "فلسطين-٢" مداه ٢١٥٠ كيلومترًا ورأس حربي يزن ٥٠٠ كيلوغرام، فإنها تتحدث بلغة القياس والتوثيق . وحين تتحدث القنوات الخليجية الغوبلزية عن "انتصارات استراتيجية" في الساحل الغربي، فإنها تتحدث بلغة التلميع والتبرير.
٤) غوبلز وأسس الدعاية الحديثة: من التحكم في الراديو إلى التحكم في الشاشة
هذا التناقض بين خطابين لا يمكن فهمه بمعزل عن الإرث الدعائي الذي شكّل الإعلام الجماهيري الحديث. فبول جوزيف غوبلز، وزير الدعاية النازي، كان أول من أدرك أن السيطرة على وسائل الاتصال تعني السيطرة على العقول. وقد لخّصت صحيفة "نيويورك تايمز" في نعيه عام ١٩٤٥ فلسفته الجوهرية: "كلما كانت الكذبة أكبر، وكلما تكررت أكثر، كان من المؤكد أن يُصدّقها الناس" .
غوبلز لم يكتفِ بتكرار الكذبة، بل بنى منظومة متكاملة للتحكم الإعلامي: سينما، راديو، صحافة، ملصقات، ومسيرات جماهيرية. كان يُقرّ كل فيلم وكل ميزانية ويختار الموسيقى ويحدد نقاط التركيز، بحيث تمرّ كل رسالة عبر فلتر واحد لا يسمح بغير الرواية الرسمية . وطوّر مبادئ لا تزال حاضرة في الإعلام المعاصر: تبسيط الرسالة، مخاطبة العواطف لا العقل، خلق عدو واحد، وإعادة إنتاج الواقع عبر التكرار .
والسؤال الذي يفرض نفسه: ألا تنطبق هذه المبادئ على الإعلام الخليجي المموّل سياسيًا؟ أليس التبسيط المفرط لثنائية "الشرعية" مقابل "الانقلاب" هو نسخة معاصرة من "العدو الواحد"؟ أليس التكرار اليومي لأخبار غير مؤكدة عبر منصات متعددة هو التطبيق الرقمي لمبدأ "الكذبة الكبرى"؟ أليست لغة العواطف والشعارات الجاهزة هي نفسها التي حذّر منها غوبلز حين قال إنه يجب أن تخاطب الجماهير "على مستوى عاطفي أساسي" وتثني عن التفكير النقدي ؟
وفي هذا السياق، تكشف دراسة أكاديمية حديثة عن أوجه تشابه منهجية بين جهاز غوبلز الدعائي والتلاعب الرقمي المعاصر، إذ تحدد خمسة استمرارات جوهرية: تبسيط الرسالة، الاستئثار العاطفي بدل العقلاني، إيجاد كبش فداء، التلاعب بسلطة المصدر، وبناء الواقع عبر التكرار . وهذه العناصر الخمسة تتكرر اليوم في الخطاب الإعلامي الخليجي الخادم للقواعد الأمريكية الاستعمارية : تبسيط الصراع، استئثار عاطفي ضد "قيادة الشعب اليمني وحتى العربي في صنعاء " أو "إيران"، إيجاد كبش فداء خارجي، التلاعب بالمصادر الموثوقة، وإعادة إنتاج رواية واحدة عبر عشرات المنصات.
٥) لحظة الحقيقة: عندما يتظاهر الشعب اليمني
الفرق الأكبر يظهر عندما يتحدث قائد صنعاء والعرب . خلال دقائق، تخرج ملايين في صنعاء، ومئات الآلاف في ذمار، وعشرات الآلاف في إب والحديدة وتعز المحررة. هذا المشهد لا يمكن لأي قناة أن تصنعه، ولا لأي دعاية أن تزيّفه. إنه دليل على أن الخطاب العسكري لصنعاء ليس دعاية، بل علاقة ثقة بين القيادة والشعب.
في المقابل، حين تعلن القنوات الخليجية عن "انتصارات" في الساحل الغربي، لا يخرج أحد في عدن أو مأرب للاحتفال. لأن المشهد الميداني لا ينتج عناوين قابلة للتصديق. وحين كشفت التحقيقات المستقلة أن بعض المقاطع التي بثّتها منصات موالية للتحالف كانت من "تدريبات عسكرية أمريكية" أُعيد تدويرها لتظهر كأنها عمليات حقيقية، لم يكن ذلك خطأً تحريريًا عابرًا، بل مؤشرًا على أن الإعلام أصبح جزءًا من المعركة لا ناقلًا لها .
٦) الإعلام الخليجي… أزمة ثقة عربية
بعد حرب غزة واليمن، تراجعت ثقة الجمهور العربي في الإعلام الخليجي بشكل غير مسبوق. المؤشر العربي ٢٠٢٤/٢٠٢٥، الذي أعلن عنه المركز العربي للأبحاث ودراسة السياسات في الدوحة التابع لمحمية قطر الصهيو أمريكية ، يكشف عن "تحوّل لافت في علاقة المجتمعات العربية بالفضاء الرقمي: اتساع غير مسبوق للاستخدام يقابله تراجع تدريجي في الثقة بالمحتوى والأخبار" .
وتشير النتائج إلى أن ٣٨٪ من المستجيبين يعتمدون على الإنترنت لمتابعة الأخبار السياسية، وهي أعلى نسبة منذ عام ٢٠١١، بينما انخفضت نسبة الاعتماد على التلفزيون تدريجيًا . والأكثر دلالة أن المؤثرين والمشاهير هم الأقل ثقة (٣٢٪)، في حين تُعد الصفحات الحكومية الرسمية الأكثر ثقة (٥٦٪) . وهذا يعني أن الجمهور العربي لم يعد يثق بالمنصات الخليجية كالجزيرة والعربية والعربي التي تدّعي الاستقلال، وبدأ يتحول نحو مصادر يرى فيها صدقًا حتى لو كانت رسمية.
وقد ترافق هذا التراجع مع إدراك متزايد بأن التضليل الإعلامي ليس ظاهرة هامشية، بل "بنية منهجية مرتبطة بطبيعة الصراع — بنية تقوم على التشويه والغموض والتسييس" . وكشفت دراسة ميدانية أن ٧٤٪ من المشاركين يرون أن التضليل الإعلامي يؤثر بشكل مباشر في وعي وسلوك المجتمع، مقابل ٢٦٪ فقط نفوا ذلك . وهذا شبه الإجماع يعكس إدراكًا واسعًا لقدرة الدعاية على إعادة تشكيل الوعي.
الخلاصة
الفرق بين إعلان قوات صنعاء وبين إعلام الجزيرة والعربية والعربي ليس فرقًا في الأسلوب، بل فرقًا في الحقيقة. صنعاء تخاطب شعبًا يثق بها، بينما الإعلام الخليجي يخاطب مصالح سياسية صهيو أمريكية يخدمها لا علاقة لها بالواقع.
وفي زمن تتغيّر فيه السرديات، يصبح البيان العسكري الصادق أقوى من ألف ساعة بثّ تلفزيوني. فالكذبة، حتى لو تكررت عبر عشرات المنصات، تظل عاجزة عن الصمود أمام مشهد واحد موثّق من الميدان. والدرس الذي تركه غوبلز للعالم لم يكن درسًا في الدعاية فقط، بل درسًا في هشاشة الدعاية حين تصطدم بالواقع. فالحقيقة، في نهاية المطاف، ليست ما يُبثّ على الشاشات، بل ما يحدث على الأرض.