كيف أعادت صنعاءُ رسمَ خريطةِ القوةِ في غرب آسيا ؟
احمد صالح سلوم
الحوار المتمدن
-
العدد: 8850 - 2026 / 10 / 6 - 10:18
المحور:
مواضيع وابحاث سياسية
يَمَنُ الجرحِ الذي صارَ مِفصلَ العالم: كيف أعادت صنعاءُ رسمَ خريطةِ القوةِ في غرب آسيا ؟
مضيق باب المندب ليس مجرد نقطة على الخريطة؛ إنه عنق زجاجةٍ يمر عبره ما بين 12 و15 في المئة من التجارة البحرية العالمية، وبوابةُ السويس التي تتنفس منها أسواق الطاقة الأوروبية والأميركية. ومن يسيطر على هذا الشريان، يمسك بخيوط اللعبة الدولية بيدٍ غير معلنة. في خريف العام 2026، لم يعد السؤال "من يحكم اليمن؟"، بل صار السؤال الأكثر إلحاحاً: من يمسك بتلابيب هذا المضيق، ومن يهرب منه؟
بين ليلة وضحاها، تغيّرت المعادلة. سقطت المخا، المدينة التي كانت تُعدّ معقلاً رمزياً للقوات الموالية لتحالف الاحتلال السعودي الصهيوني ، وسقطت معها هيبة سنواتٍ من الاستثمار العسكري السعودي. تقول "فايننشال تايمز" في تقرير لها إن تقدم أنصار الله جاء بعد "فشل القوات المدعومة من السعودية في منطقة المخا"، مما دفع الحركة إلى "الاقتراب أكثر من مضيق باب المندب الاستراتيجي، ووضع السعودية أمام واحدة من أخطر أزماتها في السنوات الأخيرة". لكن ما يبدو انتصاراً خاطفاً في الساحل الغربي، ليس سوى الفصل الأول من قصةٍ أكثر تعقيداً. فالتقدم السريع يحمل في طياته بذور استنزافٍ قادم، والانهيار الذي أصاب جبهات الخصم قد لا يكون نهاية الحرب، بل تحوّلها إلى شكلٍ آخر أكثر وحشية.
انهيارُ الجبهةِ كما ينهارُ الرملُ من بين الأصابع
لم تكن المخا مجرد مدينة ساحلية. كانت عقدةً استراتيجية في جبهة الساحل الغربي، ورمزاً للوجود العسكري الذي حاولت الرياض ترسيخه منذ 2015. لكن ما حدث في سبتمبر 2026 لم يكن معركةً بالمعنى التقليدي؛ كان انهياراً شبه كامل. تصف "فايننشال تايمز" مشهد الانسحاب بأن بعض القوات "دفنت أسلحتها في الصحراء" وفرّت جنوباً، بينما يقول أحد المقاتلين، وكنيته "حسن": "حين أدركنا أن معظم رفاقنا قد فروا، لم يكن أمامنا سوى ترك المخا والانسحاب في الليلة ذاتها". هذا ليس انسحاباً تكتيكياً، بل تفككٌ في النسيج العسكري ذاته.
وفي تعز، تتكرر المأساة بصيغةٍ أكثر حدّة. لم تعد المدينة مجرد جبهةٍ من جبهات الصراع؛ إنها مفصل استراتيجي يربط وسط البلاد بالساحل الغربي، والسيطرة عليها تعني خنق خطوط الإمداد وقلب موازين القوى في الجنوب. وقد كشفت تقارير ميدانية أن قوات صنعاء تقدمت في مديريات جبل حبشي، الشمايتين، سامع، والتربة، وقطعت الطريق الرئيسي الرابط بين تعز وعدن—طريق "هيجة العبد"—مما أدى إلى محاصرة مواقع الفصائل الموالية للاحتلال السعودي. وفي هذا السياق، برز اسم محمود الصبيحي، عضو المجلس الرئاسي وأحد أبرز قادة فصائل مرتزقة السعودية، الذي كشف عن "ترتيبه لمغادرة اليمن بصورة نهائية"، وأبلغ مشايخ الصبيحة بأن "السعودية تخلت عنهم بشكل نهائي ولم تقدم دعماً لا مالياً ولا عسكرياً". حين يتحدث قائدٌ في الصف الأول عن جواز سفره الجاهز، فذلك ليس هزيمةً عسكرية فحسب، بل انهيارٌ في العقيدة القتالية نفسها.
أما في عدن، فقد أخلت السعودية قاعدتها الرئيسية في خطوةٍ فُسّرت على أنها "تسليم للإمارات" ضمن ترتيبات تهدئةٍ إقليمية. هذه ليست انسحابات منسقة، بل انكشافٌ أمام واقعٍ لم يعد ممكناً إنكاره: التحالف الذي دخل اليمن عام 2015 لإعادة حكومة فنادق الرياض الشرعية بعرف المجتمع الدولي الأمريكي الاستعماري ، ينسحب اليوم تاركاً خلفه فصائلَ فقدت الثقة في حلفائها قبل أن تفقد الأرض.
من جماعةٍ معزولة إلى قوةٍ تُشكّل الإقليم
ليست هذه المرة الأولى التي يخوض فيها أنصار الله معركةً وجودية. لكن ما يميز لحظة 2026 هو التحول النوعي في مكانتهم. قبل سنوات قليلة فقط، كان يُنظر إليهم كـ"أعضاء من الصف الثاني أو الثالث" في "محور المقاومة" الإيراني، وكأنهم مجرد امتدادٍ تابعٍ لطهران. لكن الواقع يقول شيئاً آخر. تقول مؤسسة RAND البحثية إن الحركة، رغم استفادتها من الأسلحة والتدريب الإيراني، "لها مصالحها الخاصة في القلب، وتتصرف وفقاً لها"، وأنها "ترى نفسها قوة إقليمية بحد ذاتها".
المفارقة الجيوسياسية هنا مزدوجة: إيران، بسيطرتها الفعلية على مضيق هرمز، وأنصار الله، بتموضعهم على باب المندب، أصبح المحور المقاوم قادراً على الضغط على اثنين من أهم الممرات البحرية في العالم في آنٍ واحد, مما يمنح طهران ورقة تفاوضية غير مسبوقة. وهذه ليست مجرد حسابات عسكرية؛ إنها إعادة تعريفٍ لمفهوم القوة في المنطقة. لم يعد اليمن ساحةً لتصفية الحسابات بين الرياض وطهران، بل أصبح لاعباً يفرض شروطه .
وفي هذا السياق، يبرز البعد الشعبي الذي لا يمكن تجاهله. تشير تقارير من مصادر مختلفة ، إن العمق الاجتماعي لأنصار الله—الذي يمتد في مناطق شاسعة من شمال اليمن—يمنحهم قدرةً على تحمل تكاليف حربٍ طويلة قد لا يتحملها خصومهم.
شرخُ التحالفِ الذي لم يعد سراً
لم يكن انهيار الجبهات وليد اللحظة. كان نتيجةً حتمية لتصدعٍ بنيوي في التحالف نفسه. فالسعودية والإمارات، اللتان دخلتا الحرب كم
حتلين حليفين، طورت كلٌّ منهما أجندتها الخاصة. أبوظبي رعت المجلس الانتقالي الجنوبي، بينما ظلت الرياض تدعم الحكومة المعينة في المنظمة الدولية. وفي ديسمبر الماضي، اتهمت المملكة أبوظبي صراحةً بـ"تهديد أمنها القومي" من خلال دعم "انفصاليين جنوبيين". هذه ليست خلافات تكتيكية؛ إنها تناقضات استراتيجية جعلت الجبهة الداخلية للتحالف هشةً قبل أن تتصدع الجبهة الأمامية.
وقد حاولت الرياض ترميم العلاقة مع أبوظبي في سبتمبر الماضي، وسط تصعيد أنصار الله، حيث نقلت تقارير عن محادثاتٍ تهدف إلى "ضبط الفصائل الجنوبية ومنع إضعاف جبهة مواجهة الحوثيين". لكن إعادة أبو زرعة المحرمي—القائد الإماراتي البارز—إلى عدن بعد أشهر من الإقامة الجبرية في الرياض، فُسّرت على أنها "تسليم إدارة المعركة" له بدلاً من الصبيحي. وحين يضطر تحالفٌ إلى تغيير قياداته الميدانية في خضم المعركة، فذلك اعترافٌ ضمني بأن الأمور خرجت عن السيطرة.
بشرٌ خلفَ الأرقامِ التي لا تُقرأ
خلف كل هذه التحولات الاستراتيجية، هناك واقع إنساني يصرخ في وجه العالم. وفقاً للأمم المتحدة، نزح أكثر من 152 ألف شخص في غضون أسابيع من تجدد القتال، بينهم 79 ألف طفل في غرب اليمن وحده. ويعاني أكثر من 22 مليون شخص—أي ما يقارب نصف السكان—من الحاجة إلى المساعدات الإنسانية، بينما يواجه 1.8 مليون شخص انعداماً حاداً في الأمن الغذائي. هذه ليست أرقاماً مجردة؛ إنها حياةٌ تتفكك بصمت بينما تتبادل القوى الإقليمية والدولية الاتهامات.
ويزداد المشهد قتامةً مع استمرار الدعم الإيتعماري البريطاني والايطالي والتركي والباكستاني لعصابات مملكة آل سعود الصهيو أمريكية . نقلت رويترز عن مصادر متعددة أن أغلب هذا الدعم شكلي طمعا ببترثولارات محمية السعودية وان وقوف طهران مع انصار الله ن يصعيد هجماتهم ضد أجندات السعودية الخادمة للإمبريالية الصهيو أمريكية ، وتعهدت بتقديم مزيد من التمويل والأسلحة وكبار الضباط". هذا الدعم، مهما كان محدوداً، يمنح حركة القوات المسلحة الشرعية الشعبية في صنعاء قدرةً على الاستمرار في حربٍ استنزافية قد تطول لسنوات. لكنه في الوقت ذاته يزيد من قدرة صنعاء على تحرير كل الأراضي اليمنية من الاحتلال السعودي ، ويجعل أي أفقٍ للحل السياسي أكثر ضبابية.
اليمنُ الذي يولدُ من رحمِ الحرب
في أكتوبر 2026، أعلنت حكومة اليمن من فندق إقامتها في الرياض بدء عملية "بسط سلطة الدولة على كامل التراب الوطني"، مستهدفةً استعادة باب المندب وذوباب. هذه ليست المرة الأولى التي تُعلن فيها الحكومة عن "معركة التحرير"، لكن هذه المرة تأتي بعد سلسلة هزائم غير مسبوقة لأنصار الله، مما يفقدها أدنى درجات المصداقية ويكشف انتحار المشاريع الاستعمارية الغربية عبر ادواتها الخليجية إلى الأبد
تقول مؤسسة RAND إن أنصار الله "لم يعودوا مجرد وكيلٍ إيراني، بل أصبحوا قوةً إقليمية تسعى لفرض إرادتها". وتقول "فايننشال تايمز" إن السعودية تواجه "أزمةً من أخطر أزماتها". لكن اليمن، في النهاية، ليس مجرد ساحةٍ لهذه الحسابات. إنه بلدٌ عاش قروناً من الاستقلال، وشعبٌ يرفض أن يكون أداةً في يد أحد. وحين يقرر هذا الشعب أن يقف في وجه القوى الكبرى—كما فعل في مواجهة الأسطول الأميركي والكيان الصهيوني المارق —فإنه لا يفعل ذلك بدافعٍ مذهبيٍ ضيق، بل بدافع الكرامة والرفض العميق لأن يكون مجرد ورقةٍ في لعبةٍ لا يعرف قواعدها.
الخلاصة: ما يحدث في اليمن اليوم ليس مجرد حربٍ تحرير شعبي تقوده قوات صنعاء ، بل إعادة تشكيلٍ لخريطة القوة في غرب آسيا ، انسحاب السعودية وحلفائها من عدن والمخا وتعز ليس هزيمةً عسكرية فحسب، بل اعترافٌ بأن مشروع إعادة السيطرة على اليمن قد فشل. وصعود أنصار الله كقوةٍ إقليمية لا يعني نهاية الحرب، بل بداية مرحلةٍ جديدة أكثر تعقيداً. وفي هذا السياق، يبقى الشعب اليمني—الذي دفع الثمن الأكبر—هو الطرف الوحيد الذي لم يُستشار في أي من هذه الحسابات. ولكن مساندة صنعاء لشعب فلسطين في غزة الذي يتعرض لإبادة جماعية كشفت لوعي الشعب اليمني أن نهوض اليمن كقوة عظمى إقليمية حضارية يبدأ من صنعاء التي لا تهاب لا عدو الأمريكي ولا العدو الصهيوني وبالتالي ان القضاء على من لف لفها من اقزام عرب وغير عرب هو تحصل حاصل .
المصادر:
1. تقرير "فايننشال تايمز" عن انهيار القوات الموالية للسعودية في المخا، سبتمبر 2026.
2. تصريحات محمود الصبيحي حول مغادرة اليمن، "الخبر اليمني"، أكتوبر 2026.
3. تقرير مؤسسة RAND: "لا تستهينوا بأنصار الله"، سبتمبر 2026.
4. تقارير الأمم المتحدة عن النزوح والوضع الإنساني في اليمن، أكتوبر 2026.
5. تقارير رويترز عن الدعم الإيراني لأنصار الله، يوليو-سبتمبر 2026.
6. تقارير "شينخوا" و"DW" عن عملية "بسط سلطة الدولة" والسيطرة على باب المندب، أكتوبر 2026.