سقوط الشرعية الإقليمية… من تفكك النفوذ إلى صعود الشعوب


احمد صالح سلوم
الحوار المتمدن - العدد: 8861 - 2026 / 10 / 17 - 21:06
المحور: العولمة وتطورات العالم المعاصر     

ليست الشرعيةُ الإقليمية كائنًا سياسيًا جامدًا، ولا هي تلك الخرائطُ الذهنية التي رسمتها العواصمُ منذ نهاية الحرب الباردة وأرادت لها أن تبقى أبدَ الدهر. كانت الشرعية الإقليمية أشبهَ بهندسةٍ خفيةٍ من السرديات والتحالفات والإعلام المموَّل، تُنتجُ وهمًا منظمًا بأن هناك مركزًا يحددُ من هو الشرعيُّ ومن هو الخارجُ على القانون، ومن يستحقُّ مقعدَه في نادي الحكماء ومن يُزجُّ به في ظلمات العزلة. غير أن هذا الوهمَ، الذي صمدَ عقودًا، بدأ يتصدَّعُ من الداخل، لا بفعلِ حربٍ واحدةٍ، بل بفعلِ تآكلٍ طويلٍ في الثقة، وتناقضٍ فاضحٍ في السرديات، وصعودِ وعيٍ شعبيٍّ جديدٍ تجاوز حدودَ الدول والتحالفات كما تتجاوزُ الأنهارُ حدودَ السدود.

ما الشرعية الإقليمية؟

حين نتحدث عن الشرعية الإقليمية، فإننا لا نتحدث عن الحكوماتِ نفسها، بل عن المنظومةِ السياسية والإعلامية والاقتصادية التي كانت تتحكم في المنطقة منذ نهاية الحرب الباردة. منظومةٌ تشمل تحالفاتٍ أمنية، ومنظوماتٍ إعلامية مموَّلة، وسردياتٍ سياسية مشتركة، وأدواتِ نفوذٍ اقتصادي، وشبكاتِ تأثيرٍ عبر النخب. هذه المنظومةُ كانت تُقدِّمُ نفسها بوصفها "المرجعية" للمنطقة، وتملكُ القدرةَ على تحديد من هو الحليفُ ومن هو الخصم، من هو المقبولُ ومن هو المرفوض. لكن هذه القدرةَ، التي بدت راسخةً كالجبال، أخذت تتآكلُ بصمتٍ حتى انهارت. فلم يكن سقوطُها حدثًا مفاجئًا، بل كان نتيجةَ تراكمٍ طويلٍ من التناقضات التي لم تعد قابلةً للتغطية. وتشير الأدبياتُ الأكاديميةُ الحديثةُ إلى أن الشرق الأوسط يمرُّ بمرحلةٍ انتقاليةٍ غير مسبوقة تتسم بتفكك النظام الدولتي وتآكل مراكز القوة التقليدية، وهو ما يؤكد أن ما نشهده ليس عارضًا سياسيًا، بل تحولًا بنيويًا في طبيعة السلطة والشرعية.

سقوطُ السرديات… حين تصبحُ الكلماتُ عاريةً

سقطت الشرعيةُ الإقليمية لأن سردياتِها سقطت أولًا. فالسردياتُ التي كانت تحكم المنطقة لعقود لم تعد تقنعُ أحدًا. سرديةُ "الاستقرار مقابل الحرية" التي أرادت إقناعَ الشعوب بأن قيودَها هي ثمنُ أمنها، وسرديةُ "التحالفات تحمي الشعوب" التي حوَّلت الحمايةَ إلى وصاية، وسرديةُ "الإعلام المموَّل يقول الحقيقة" التي انكشفت مزدوجةُ معاييرها، وسرديةُ "القوة العسكرية تصنع الشرعية" التي تجاهلت أن الشرعيةَ لا تُصنعُ في مصانع السلاح، وسرديةُ "الحدود قدرٌ لا يمكن تغييره" التي تعاملت مع الجغرافيا كأنها قدرٌ إلهي لا تاريخٌ من صنع البشر. هذه السردياتُ كانت أدواتَ نفوذ، لكنها فقدت فعاليتها حين أصبح الجمهورُ قادرًا على رؤية الواقع مباشرةً عبر الإعلام الشعبي، لا عبر القنوات المموَّلة. فالسرديةُ، مهما بلغت من إتقان، لا تصمدُ أمام صورةٍ حيةٍ تُبثُّ من الميدان. لقد أصبحت الكلماتُ عاريةً، ولم يعد السحرُ الإعلاميُّ قادرًا على إخفاءِ ما تراه العينُ المجردة.

الإعلامُ الإقليمي… فقدانُ الدورِ كمنتجٍ للشرعية

كان الإعلامُ أهمَّ أدوات الشرعية الإقليمية، وأكثرَها قدرةً على تشكيل الوعي وصناعةِ الإجماع. لكن خلال العقد الأخير، حدثت ثلاثةُ تحولاتٍ كبرى قلبت المعادلةَ رأسًا على عقب. صعودُ الإعلام الشعبي، بكاميراته الميدانية وبثه المباشر وصحافته المستقلة، التي لم تعد تنتظرُ إذنًا من أحد. وتراجعُ الثقة في القنوات المموَّلة سياسيًا، التي انكشفَ أنها لا تعكسُ الواقعَ بقدر ما تعكسُ مصالحَ مموليها. وانكشافُ التناقض بين الخطاب الإعلامي والواقع الميداني، حتى بات المشاهدُ يرى بعينه أن ما يُقالَ له لا يمتُّ للواقع بصلة. وتؤكد تقاريرُ متخصصةٌ أن المشهدَ الإعلاميَّ في المنطقة يشهد تحولًا رقميًا سريعًا، مع انتقال الجماهير بعيدًا عن المنصات التقليدية نحو المؤثرين على وسائل التواصل الاجتماعي وصناع المحتوى الرقمي والبودكاست. كما أصبحت المنطقةُ ساحةَ معركةٍ قصوى لـ"حرب المعلومات"، حيث تتنافس المنصاتُ المستقلةُ مع منصاتٍ ممولةٍ من دولٍ تستخدمُ أساليبَ بصريةً حديثةً لدفع أجنداتٍ حزبيةٍ وتضليلٍ منسق. هذا التناقضُ جعل الجمهور يرى أن الإعلامَ الإقليميَّ لا يعكسُ مصالحه، بل مصالحَ مموليه. ومع سقوط الإعلام، سقطت الشرعيةُ التي كان يصنعها.

اليمن وفلسطين ولبنان… ساحاتُ سقوطِ الشرعية

في هذه المناطق، ظهر الفارقُ بين الشرعية الميدانية والشرعية الإقليمية. في اليمن، خطابُ صنعاء الميداني، رغم محدودية الموارد، اكتسب ثقةً شعبيةً واسعةً لأنه يتطابقُ مع الوقائع. فبياناتُ قوات صنعاء ليست مجردَ نشراتٍ عسكرية، بل رسائلُ إلى عشرات الملايين من اليمنيين، لغةٌ ميدانيةٌ مباشرةٌ مقتضبةٌ خاليةٌ من المبالغة، مرتبطةٌ بالوقائع، لا تعلنُ سقوطَ مدينةٍ قبل أن تسقط، ولا تقدُّمًا قبل أن يتحقق. هذا الانضباطُ ليس صدفةً، بل هو جزءٌ من عقدٍ اجتماعيٍّ جديدٍ بين القيادة والجمهور، حيث يصبح البيانُ العسكريُّ امتدادًا لثقةٍ شعبيةٍ واسعة. بينما بدا الخطابُ الإقليمي منفصلًا عن الواقع، يتحدثُ عن الشرعية بينما تغرقُ البلادُ في أزماتٍ لا تنتهي.

وفي فلسطين، انهارت الشرعيةُ الإقليميةُ حين فشلت سردياتُها في تفسير صمود غزة. فالإعلامُ الشعبي نقل الحقيقةَ مباشرةً من الميدان، وكسرَ احتكارَ الرواية، وفضحَ الجرائمَ بالصوت والصورة. لم تعد الشرعيةُ الإقليميةُ قادرةً على احتواءِ مشهدٍ أصبح فيه الصمودُ نفسه سلاحًا، وأصبح فيه جيلٌ جديدٌ يستخدمُ المنصاتَ الرقميةَ كساحةِ اشتباكٍ وجودي. وتشير الدراساتُ إلى أن جيل Z الفلسطيني جعل من المنصاتِ الرقميةِ ساحةً مركزيةً للمشاركة، حيث تحتاجُ فهمَ السياسة الفلسطينيةِ بشكلٍ متزايدٍ إلى الانتباهِ إلى الساحاتِ الرقمية. لم تعد الشرعيةُ تُمنحُ من فوق، بل تُنتزعُ من تحت، في كل تغريدةٍ ومقطعٍ مصورٍ يوثقُ ما يحدثُ على الأرض.

وفي لبنان، فقدت الشرعيةُ الإقليميةُ تأثيرَها حين أصبح الجمهورُ يرى أن التحليلات السياسيةَ لا تعكسُ الواقعَ الاجتماعيَ والاقتصادي. فالطبقةُ السياسيةُ الحاكمةُ اختارت إدارةَ الانهيار بدل معالجته، ومحاربة المقاومة التي تحفظ الأرض والسيادة ،عبر تكريس دولةٍ ضعيفةٍ عاجزةٍ لا تواكبُ حجمَ الأزماتِ الاجتماعية والاقتصادية المتراكمة. هذا الفشلُ الممنهجُ يفاقمُ الاحتقانَ الشعبيَّ ويضعُ البلادَ على حافةِ ثورةٍ اجتماعيةٍ جديدة. لم تعد الشرعيةُ الإقليميةُ قادرةً على تقديمِ تفسيرٍ مقنعٍ لأزمةٍ يعيشُها الناسُ يوميًا، بينما تواصلُ النخبُ حديثَها عن التوازناتِ والتحالفات وكأن شيئًا لم يكن.

الشعوبُ التي تغيّرت… جيلٌ يصنعُ شرعيتَه بنفسه

التحولُ الأكبر لم يكن سياسيًا، بل اجتماعيًا. جيلٌ جديدٌ لا يثقُ في الإعلام التقليدي، يرى الحدودَ كعائقٍ لا كحماية، يتواصلُ عبر منصاتٍ لا تخضعُ للرقابة، يملكُ أدواتَ إنتاجِ المعرفة، ويرى أن الشرعيةَ تُصنعُ من الأسفل لا من الأعلى. هذا الجيلُ لم يعد يقبلُ أن تُفرضَ عليه سردياتٌ جاهزة، ولا أن تُحدَّدَ له تحالفاته، ولا أن يُقالَ له من هو الشرعيُّ ومن هو غيرُ الشرعي. وتشير تقاريرُ إلى أن وسائلَ التواصل الاجتماعي لعبت دورًا مركزيًا في تشكيل هذا الوعي، فمنصاتٌ مثل تيك توك لم تكن مجردَ أدواتِ ترفيه، بل تحولت إلى ساحاتِ تنظيمٍ وفضاءاتٍ لكسرِ احتكارِ الروايةِ ومنابرَ لتعريةِ الفساد. جيلٌ نشأَ مع المنصاتِ الرقميةِ، وقدرتُه على كسرِ احتكارِ المؤسساتِ التقليديةِ لصناعةِ النقاش أصبحت حقيقةً واقعة. مقطعٌ مصورٌ من مظاهرةٍ يمكنُ أن يصلَ إلى ملايين المستخدمين قبل أن تمتلكَ النخبةُ وقتًا للرد. هذا الجيلُ لم يعد ينتظرُ إذنًا ليعرفَ الحقيقة.

ماذا حلَّ مكانَ الشرعيةِ الإقليمية؟

لم يترك الفراغُ بلا بديل. ظهر بديلٌ جديد: شرعيةُ الشعوب. شرعيةٌ تقومُ على الميدان، والوعي، والمشاركة، والإعلام الشعبي، والقدرة على التعبئة، والثقة الاجتماعية. هذه الشرعيةُ لا تُصنعُ في العواصم، بل في الشوارع. لا تُصنعُ في الاستوديوهات، بل في الميدان. لا تُصنعُ بالتحالفات، بل بالثقة. إنها شرعيةٌ أفقيةٌ، لا رأسيةٌ؛ تنبعُ من الأسفل إلى الأعلى، لا العكس. وقد لاحظ المراقبون أن التحالفاتِ التقليديةَ لم تعد قادرةً على ضبطِ المشهد، وأن الشعوبَ أصبحت لاعبًا سياسيًا مستقلًا. المنطقةُ دخلت مرحلةَ "ما بعد الشرعية الإقليمية". هذا التحولُ لا يمكن التراجعُ عنه، لأنه تحولٌ في الوعي، لا في السياسة. والسياسةُ قد تُعادُ هندستُها، أما الوعيُ، إذا تغير، فإنه يصبحُ أمرًا واقعًا جديدًا.

العالمُ يراقب… لكنه لا يستطيعُ إيقافَ التحول

تقاريرُ أوروبيةٌ وأمريكيةٌ وآسيويةٌ تشيرُ إلى أن الشرعيةَ الخليجية الاستعمارية الإقليميةَ فقدت قدرتَها على التأثيرِ في الشعوب، وأن الإعلامَ المموَّلَ فقد دورَه كمنتجٍ للوعي، وأن التحالفاتِ التقليديةَ لم تعد قادرةً على ضبطِ المشهد. الدراساتُ الاستراتيجيةُ تؤكد أن الوطن العربي يشهدُ مرحلةً انتقاليةً غير مسبوقة، تتسمُ بتفكك النظام الدولتي وتآكل مراكز القوة التقليدية، وصعودِ قوى متوسطةٍ أكثر مرونة. هذه المرحلةُ ليست مجردَ أزمةٍ إقليميةٍ عابرة، بل هي تعبيرٌ عن تفككِ النظام العربيِّ نفسه، حيث تسعى القوى الإقليميةُ إلى أجنداتٍ متباينةٍ بشكلٍ حاد، بينما تراجعت مراكزُ التأثيرِ السياسيِّ والثقافيِّ التقليدية. العالمُ يراقبُ هذا التحولَ، لكنه لا يستطيعُ إيقافَه، لأنه ليس حدثًا عسكريًا يمكنُ احتواؤه، بل تحولٌ حضاريٌّ في مفهوم الشرعيةِ ذاتها.

حين تسقطُ الشرعيةُ، تولدُ الشرعية

سقوطُ الشرعيةِ الاستعمارية الخليجية الإقليمية ليس حدثًا سياسيًا، بل حدثًا حضاريًا. سقطت لأنها لم تعد تعبِّرُ عن الشعوب، ولأن الإعلامَ الذي كان يصنعها فقد قدرتَه على الإقناع، ولأن جيلًا جديدًا قرر أن يصنعَ شرعيتَه بنفسه. المنطقةُ اليوم تعيشُ مرحلةً جديدة: مرحلةَ شرعية الشعوب، لا شرعية التحالفات. وليس في هذا السقوطِ نهايةُ التاريخ، بل بدايةُ تاريخٍ آخر، يكتبُه أولئك الذين قرروا ألا ينتظروا إذنًا من أحد ليقولوا كلمتهم. الشرعيةُ، في نهاية المطاف، ليست شيئًا يُمنحُ من فوق، بل شيئًا يُنتزعُ من الأسفل، حين تصبحُ الشعوبُ على يقينٍ بأنها هي مصدرُ الشرعيةِ الحقيقيُّ، وأن التحالفاتِ، مهما علت، تبقى هشةً إذا لم تسندها الثقة. والثقةُ، إذا ذهبت، لا تعودُ إلا نادرًا.