غزة: الإبادة كرسالة طبقية من النظام الرأسمالي العالمي
احمد صالح سلوم
الحوار المتمدن
-
العدد: 8860 - 2026 / 10 / 16 - 08:51
المحور:
الادب والفن
حين يصبح العرض نفسه آلية للسيطرة
في غزة لا تُرتكب جريمة حرب فحسب، بل تُبثّ إلى العالم كأنها عرضٌ حيّ لقوةٍ لا تريد أن تُخفي شيئًا. الإبادة هنا ليست حدثًا، بل رسالة. رسالة من الطبقة الحاكمة في الغرب، القديمة منها والجديدة، من المال إلى التكنولوجيا إلى القوة، تقول للشعوب: هذا هو شكل العالم حين يحتكر رأس المال أدواته الثلاث: التمويل، البيانات، والسلاح.
منذ القرن التاسع عشر، حين كانت البنوك الاحتكارية الأوروبية تمسك بخزائن الإمبراطوريات، كان العنف يُمارس خلف الأبواب المغلقة. أما اليوم، فالعنف يُبثّ مباشرة، بلا وسطاء، بلا خجل، بلا محاولة للتخفّي. لقد تغيّر شكل السلطة: لم تعد بحاجة إلى إخفاء جريمتها، بل إلى عرضها. فالعرض نفسه جزء من آلية السيطرة. وهذا التحول ليس عرضيًا، بل يعكس تحولًا بنيويًا في طبيعة السلطة الرأسمالية ذاتها، حيث أصبح الشفافية القسرية للعنف أداةً من أدوات الردع الجماعي.
تسعى هذه المقالة إلى تفكيك الإبادة في غزة بوصفها رسالة طبقية متعددة الأبعاد: اقتصادية، وتكنولوجية، وقانونية، وجيوسياسية. وتنطلق من فرضية مركزية مفادها أن ما يجري في غزة ليس شذوذًا عن النظام العالمي، بل تجسيدًا لبنيتته العميقة، وكشفًا لطبيعة الرأسمالية الاحتكارية في مرحلتها الراهنة.
الإطار النظري: من الاستعمار إلى الرأسمالية الاستيطانية
لفهم الإبادة في غزة بوصفها رسالة طبقية، لا بد من وضعها في سياق تاريخي أوسع. فما يجري في غزة ليس حدثًا معزولًا، بل هو الحلقة الأحدث في سلسلة طويلة من ممارسات ما يمكن تسميته “الرأسمالية الاستيطانية العنصرية” (Racial Colonial Capitalism)، وهو نمط من الهيمنة نشأ مع شركات الهند الشرقية الهولندية والبريطانية، واستمر عبر الاستعمار الكلاسيكي، ثم الإمبريالية الجديدة، ليصل اليوم إلى مرحلة جديدة تتسم بتشابك رأس المال المالي مع التكنولوجيا والسلاح.
في هذا الإطار، تُظهر فلسطين جميع مراحل الاستيلاء الاستعماري الثلاث: المرحلة الأولى من الاستيلاء غير المتطور — النهب الوحشي للأرض وتحويل السكان الأصليين إلى عمالة رخيصة — التي تجلت منذ وعد بلفور وذروتها في النكبة. والمرحلة الثانية من الإمبريالية الجديدة — تأمين أسواق للسلع الفائضة من العواصم الرأسمالية — التي تجلت في استيعاب إسرائيل لكميات هائلة من الأسلحة المستوردة من الولايات المتحدة وألمانيا وبريطانيا. أما المرحلة الثالثة، فهي ما نشهده اليوم: اقتصاد الإبادة الذي يدمج التكنولوجيا المتقدمة مع التمويل العالمي في آلة موت واحدة.
يُظهر المفكر الكاميروني أشيل مبيمبي في مفهومه عن “النيكروبوليتيك” (سياسة الموت) أن السيادة الحديثة تُمارس عبر القدرة على تحديد من يحق له العيش ومن يجب أن يموت. وفي هذا السياق، يُعد الاحتلال الاستيطاني لفلسطين “أكثر أشكال النيكروباور اكتمالًا”، حيث تُختبر تقنيات جديدة للسيطرة والقتل قبل تصديرها إلى بقية العالم. غزة ليست إذن استثناءً، بل “مختبر للعنف” تُجرَّب فيه أدوات الهيمنة الجديدة، من الحصار الذكي إلى الاستهداف بالذكاء الاصطناعي إلى التجويع المُبرمَج.
ويُضيف الباحث هشام جعفر أن الرأسمالية تعتمد على “سكان قابلين للاستبعاد بنيويًا”، مجموعات تُجرَّد من الحمايات السياسية والقانونية، وتُصبح عرضة للمصادرة والإبادة. الهيراركيات الإمبراطورية والعرقية تحدد من هو عرضة للقتل ومن لا. وفي غزة، تُتيح إزالة إنسانية الفلسطينيين تدميرهم المادي وتشويههم في آنٍ واحد. هذا ما يجعل الإبادة مشروعًا طبقياً بامتياز: إنها إنتاج لـ”رأس المال البشري القابل للإبادة”، وفق منطق رأسمالي صرف.
الهندسة المالية للإبادة: من التمويل إلى النهب
لم يكن ممكناً استمرار الإبادة في غزة لأكثر من ثلاث اعوام دون بنية مالية عالمية تحملها وتغذيها. وهنا يكمن الدرس الأهم: الحرب في غزة ليست عبئاً على الرأسمالية، بل هي سوق. كما يقول يانيس فاروفاكيس، الخبير الاقتصادي اليوناني، في شهادته أمام محكمة غزة: “الإبادة تدفع. وهي تدفع أكثر بكثير الآن مع دخول شكل جديد من رأس المال في تنفيذها”.
والأرقام تتحدث عن نفسها. فمنذ بدء الإبادة في غزة، لم ينخفض مؤشر بورصة تل أبيب فحسب، بل ارتفع بأكثر من 160%. وفي أحدث البيانات، ارتفعت الأسهم المرتبطة بالحرب في بورصة تل أبيب بنسبة 179% منذ بداية الهجمات العسكرية، محققة ما يقرب من 157 مليار دولار من الأرباح. هذا الارتفاع ليس استثناءً في تاريخ الرأسمالية، بل هو تجسيد لقاعدتها الجوهرية: رأس المال يزدهر في الدمار.
المقررة الخاصة للأمم المتحدة فرانشيسكا ألبانيز، في تقريرها بعنوان “من اقتصاد الاحتلال إلى اقتصاد الإبادة”، كشفت أن الإبادة في غزة “لم يتم إيقافها أو منعها لأنها مربحة. الناس يربحون من الإبادة. أموال طائلة. وأولئك الذين يربحون الكثير مرتبطون بالبنية الرأسمالية غير المقيدة وغير المحدودة التي تزدهر في الفوضى أو غياب القانون”.
وتحدد ألبانيز بدقة الشركات والمؤسسات المالية الضالعة في هذه المنظومة. شركتا إدارة الأصول العملاقتان بلاك روك (BlackRock) وفانغارد (Vanguard) تعملان كمستثمرين مؤسسيين رئيسيين في شركات الأسلحة المحورية في الترسانة الإبادية لإسرائيل. بلاك روك هي ثاني أكبر مستثمر مؤسسي في بالانتير (Palantir) بنسبة 8.6%، ومايكروسوفت بنسبة 7.8%، وأمازون بنسبة 6.6%، وألفابت بنسبة 6.6%، ولوكهيد مارتن بنسبة 7.2%، وكاتربيلر بنسبة 7.5%. أما فانغارد فهي أكبر مستثمر مؤسسي في كاتربيلر بنسبة 9.8%، وشيفرون بنسبة 8.9%، وبالانتير بنسبة 9.1%، وثاني أكبر مستثمر في لوكهيد مارتن بنسبة 9.2% وإلبيت سيستيمز بنسبة 2%.
هذه الأرقام تكشف حقيقة جوهرية: الإبادة ليست مشروعًا “إسرائيليًا” فحسب، بل هي مشروع استثماري عالمي. البنوك العابرة للحدود، والصناديق السيادية، وصناديق التقاعد، وحتى المستثمرون الأفراد الذين يضعون أموالهم في صناديق المؤشرات — جميعهم يشاركون، بشكل مباشر أو غير مباشر، في تمويل آلة الموت. وكما تقول ألبانيز، فإن هذه المؤسسات “تورط الجامعات وصناديق التقاعد والناس العاديين الذين يستثمرون بشكل سلبي” في الإبادة.
وعلى المستوى السيادي، يوثق الناشط الفلسطيني ديمتري دلياني كيف أن “رؤوس أموال سيادية أجنبية تضخ موارد شعوبها في تغذية البنية العسكرية والأمنية والتكنولوجية الحيوية لدولة الإبادة الإسرائيلية”. فصندوق الثروة الأسترالي Future Fund، الذي يدير ما يقارب 250 مليار دولار، عزز استثماراته في شركة إلبيت سيستيمز (Elbit Systems) الإسرائيلية المصنعة للطائرات المسيّرة وأنظمة التحكم المستخدمة في قصف غزة، كما زاد من استثماراته في شركات السلاح الأجنبية مثل لوكهيد مارتن وRTX التي تزوّد الجيش الإسرائيلي بذخائر ومنصات استهداف.
كما كشف دلياني أن صندوق Temasek السيادي في سنغافورة دفع نحو 250 مليون دولار للاستحواذ على شركة Sygnia التي أسسها ضباط من وحدة 8200 في جهاز الاستخبارات العسكرية الإسرائيلية، في حين يمتلك الصندوق السيادي الإيرلندي ISIF حصصاً في بالانتير وتشيك بوينت (Check Point).
هذه البنية المالية لا تقتصر على التمويل المباشر، بل تمتد إلى شبكة معقدة من الاستثمارات غير المباشرة التي تجعل من الصعب على أي مستثمر عالمي أن يدّعي البراءة. إنها “رأسمالية آكلي لحوم البشر”، على حد تعبير بعض المحللين، حيث يصبح تدمير الحياة الفلسطينية قطاعًا استثماريًا مزدهرًا.
الهندسة الرقمية: التكنولوجيا كآلة حرب
بعد التمويل، يأتي العنصر الثاني في ثلاثية الاحتكار الرأسمالي: البيانات. لم تعد الحروب تُدار بالمدافع فقط، بل بالخوارزميات. وفي غزة، تحولت شركات التكنولوجيا الكبرى إلى شركاء مباشرين في الإبادة، ليس فقط بتوفير البنية التحتية، بل بالمشاركة الفعلية في عمليات الاستهداف والقتل.
تكشف تقارير الأمم المتحدة ومنظمات حقوق الإنسان أن شركات التكنولوجيا الأمريكية الكبرى — جوجل، وأمازون، ومايكروسوفت، وبالانتير — وفّرت لإسرائيل “وصولاً شبه حكومي كامل” إلى تقنيات الحوسبة السحابية والذكاء الاصطناعي. مشروع “نيمبوس”، الذي أبرمته جوجل وأمازون مع الحكومة الإسرائيلية، وفّر البنية التحتية السحابية اللازمة لإدارة العمليات العسكرية خلال الحرب على غزة. وقد أقرت قيادات في الجيش الإسرائيلي بأهمية هذه البنية في إدارة العمليات والبيانات.
لكن الدور الأكثر إثارة للرعب هو دور شركة بالانتير (Palantir) الأمريكية. منصة “ميفن” (Maven) التي طورتها الشركة تدمج مصادر استخباراتية متعددة، وتحول تحديد الأهداف إلى عملية شبه آلية. وقد أعلنت بالانتير شراكة مع وزارة الدفاع الإسرائيلية لنشر تقنياتها دعمًا لـ”مهام مرتبطة بالحرب” تستخدم صواريخ تطلقها طائرات بدون طيار لاستهداف المدنيين في غزة. وتشير تقارير إلى أن تقنيات بالانتير استُخدمت في أنظمة الذكاء الاصطناعي الإسرائيلية مثل “لافندر” (Lavender) و”ويرز دادي” (Where‘s Daddy).
نظام “لافندر” يستخدم الذكاء الاصطناعي لتحديد الأهداف، ويُزعم أنه سمح للقادة الإسرائيليين بالتصديق على قتل 15 إلى 20 مدنيًا عند استهداف عنصر واحد منخفض الرتبة في حماس. أما نظام “ويرز دادي” فيُستخدم لتحديد الأهداف في منازلهم، وهو ما يفسر العدد الهائل من الضحايا المدنيين، بمن فيهم النساء والأطفال.
وتؤكد ألبانيز في تقريرها أن “الاحتلال الاستيطاني غير القانوني لإسرائيل، الذي يعمل الآن كآلة إبادة، لا يمكن فصله عن التزامات الشركات وحقوق الإنسان”، وتدعو إلى تفكيك “النظام العالمي للرأسمالية العنصرية” الذي يقف خلفه.
لكن الحرب الرقمية لا تتوقف عند تحديد الأهداف. إنها تمتد إلى إدارة السردية نفسها. منصات التواصل الاجتماعي، التي يملكها ويشغلها نفس رأس المال التكنولوجي، تتحكم بما يُرى وما يُنسى. الإبادة في غزة تتحول إلى “محتوى” يُستهلك ثم يُدفن في خوارزميات النسيان. هذا ليس فشلاً إعلامياً، بل هو بُعد تكويني للسلطة، كما يقول الباحثون: الإعلام الغربي “لا يفشل فحسب في تغطية الإبادة، بل هو مشارك فاعل في تكوينها. عبر ممارسات التهديج والعرض والسرد، يُجرَّد الذاتية السياسية الفلسطينية، ويُعزَّز السلطة الأخلاقية الشمالية والإبستمولوجيات الاستعمارية”.
هذا التوظيف المزدوج للتكنولوجيا — كأداة قتل وكأداة لإدارة الوعي — هو ما يجعل الإبادة في غزة مختلفة نوعيًا عن الإبادات السابقة. إنها أول إبادة في التاريخ تُدار بالكامل في الفضاء الرقمي، من تحديد الأهداف إلى تبرير القتل إلى محو الذاكرة.
القانون الدولي كأداة طبقية: حين تصمت العدالة
إذا كان المال يموّل الإبادة والتكنولوجيا تديرها، فإن القانون الدولي — الذي بُني بعد الحرب العالمية الثانية ليكون حارسًا للقيم الإنسانية — يتحول إلى أداة طبقية تُستخدم حين تخدم مصالح الطبقة الحاكمة، وتُعطَّل حين تهددها.
منذ اللحظات الأولى للإبادة، كان من الواضح أن نية ارتكاب جريمة الإبادة متوفرة. فقد تعهد وزراء وسياسيون إسرائيليون بتسوية غزة بالأرض، ووضعها تحت الحصار، وتعريضها للتجويع. وكان القصف بلا رحمة وواسع النطاق، فاستهدف مدارس وبيوتًا ومستشفيات، وأغلبية الضحايا كانوا من الأطفال والنساء. وقد أذيعت معاناة الفلسطينيين على الهواء ليراها العالم، وعرضت إسرائيل ما تقوم به في حق الفلسطينيين المحاصرين. ومع ذلك، لم تتحرك حكومات العالم لإيقافها.
بل إن ما حدث هو العكس تمامًا. استهدفت غارات إسرائيل الجوية وعقوبات وزارة الخزانة الأمريكية الجماعات الفلسطينية التي توثق الأعمال الوحشية — ومنها المركز الفلسطيني لحقوق الإنسان، ومركز الميزان، ومنظمة الحق — بسبب توثيقها للأدلة القانونية على الجرائم المقترفة. كما تعرضت المقررة الخاصة للأمم المتحدة فرانشيسكا ألبانيز ومسؤولو المحكمة الجنائية الدولية، بمن فيهم المدعي العام كريم خان، للتهديد والعقوبات بسبب جهرهم بما توصلوا إليه من نتائج.
هذا السلوك يكشف حقيقة القانون الدولي كما هو: ليس مظلة تحمي الضعفاء، بل أداة سياسية بيد الأقوياء. وكما تقول ألبانيز، فإن ما يحدث في غزة “يكشف مدى هشاشة سيادة القانون؛ فأوامر الاعتقال الصادرة من المحكمة الجنائية الدولية لم تمنع وقوع الإبادة الجماعية”.
ورغم أن جنوب أفريقيا رفعت دعوى ضد إسرائيل أمام محكمة العدل الدولية في ديسمبر 2023، متهمة إياها بانتهاك التزاماتها بموجب اتفاقية الإبادة الجماعية، ورغم أن المحكمة أصدرت تدابير مؤقتة في يناير 2024 تطالب إسرائيل باتخاذ خطوات لمنع أعمال الإبادة، إلا أن هذه القرارات لم تُنفذ. بل إن الولايات المتحدة، الحليف الأكبر لإسرائيل، تجاوزت القانون الدولي بشكل أكثر حدة، حتى أنها فرضت عقوبات على المحكمة الجنائية الدولية وقضاتها.
هذا الفشل ليس عرضيًا. إنه نتيجة بنيوية لنظام قانوني دولي نشأ بالتوازي مع التوسع الإمبريالي الغربي. وكما توضح التحليلات الأكاديمية، “كشفت الإبادة الجماعية الإسرائيلية في غزة أن الهياكل الاستعمارية العنصرية ما تزال تُحكم قبضتها على العالم، وبيّنت محدودية النظام القانوني الدولي الذي نشأ بالتوازي مع التوسع الإمبريالي الغربي”.
الدول التي فضحت هذا التناقض — جنوب أفريقيا وكولومبيا وماليزيا — أكدت أن “النظام الذي يسمح بقتل 61000 شخص في غزة لا يمكن وصفه ببساطة بالفشل، بل لقد فشل بالفعل”. لكن الفشل هنا لا يعني نهاية القانون الدولي، بل يعني نهاية وهمه. الوهم بأن القانون يمكن أن يكون محايدًا في عالم تحكمه المصالح الطبقية.
غزة والجنوب العالمي: كسر الاحتكار وإعادة تشكيل الوعي
الرسالة الأعمق للإبادة في غزة ليست إلى الفلسطينيين وحدهم، بل إلى شعوب الجنوب العالمي التي بدأت تفكّر في فك الارتباط، وإلى القوى الصاعدة التي تحاول كسر الاحتكار الغربي وحتى إلى أغلبية الشعوب الأوروبية الغربية والأمريكية . الرسالة تقول: من يقاوم يُسحق. من يخرج من الطاعة يُعاقب. من يحاول بناء نموذج مستقل يُحاصر حتى آخر طفل.
لكن ما لم تتوقعه الطبقة الحاكمة هو أن هذه الرسالة ستنقلب على مرسلها. فالبث المباشر نفسه — الذي أرادته رسالة رعب — تحوّل إلى رسالة مقاومة. العالم الذي أرادوا إخافته، بدأ يرى الحقيقة كاملة: أن النظام الرأسمالي الاحتكاري لم يعد قادرًا على إخفاء عنفه، وأن الشعوب لم تعد تقبل أن تُدار حياتها من غرف المال والبيانات والسلاح.
في الجنوب العالمي، تحولت غزة من قضية إقليمية إلى محور لتعبئة أوسع ضد الإمبريالية. وكما يوضح الباحث مهند عياش، فإن “الإبادة في غزة أوضحت وظيفة إسرائيل كموقع استيطاني إمبريالي أمريكي، وكشفت استمرارية الاستعمار الاستيطاني في تشكيل علاقات الشمال-الجنوب العالمي”. وقد وضعت جنوب أفريقيا، من خلال تحدّيها القانوني في محكمة العدل الدولية، غزة في قلب حملة مضادة للهيمنة الغربية، ودعت إلى إعادة تشكيل النظام الدولي الليبرالي بشكل غير استعماري.
وفي أمريكا اللاتينية، أصبحت غزة نقطة تجمع لليسار المناهض للإمبريالية. فقد أخذت نيكاراغوا ألمانيا إلى محكمة العدل الدولية بموجب اتفاقية الإبادة الجماعية بتهمة “تسهيل ارتكاب الإبادة الجماعية” في فلسطين من خلال تزويد إسرائيل بالمعدات العسكرية وتخفيض تمويل الأونروا. واعترفت كولومبيا، بقيادة غوستافو بيترو، بأنها جزء من الجنوب العالمي وتصرفت وفقًا لذلك، مركزة على ثلاثة محاور: إدانة الإبادة في غزة، والنقد البنيوي للنظام الدولي، والمطالبة بحقوق شعوب الجنوب كذوات تحررية. غزة هنا لم تعد نزاعًا إقليميًا، بل تحولت إلى “التعبير الأقصى عن الوضع الراهن الدولي الذي يرفضه الجنوب”.
المقاومة وإعادة تشكيل الوعي العالمي
لكن الرسالة الأهم التي حملتها غزة للعالم هي أن الإبادة لم تعد قادرة على إخفاء نفسها. فالتوثيق الشعبي، والبث المباشر، وشهادات الناجين، وحركات التضامن العالمية، كلها أدوات كسرت الحصار الإعلامي الذي حاولت الطبقة الحاكمة فرضه.
لقد وصفت الأدبيات الأكاديمية هذا التحول بأنه “أكبر حركة شعبية مناهضة للحرب في هذا الجيل”. فالتضامن عبر الوطني والمجتمعي استجاب للإبادة بتعبئة غير مسبوقة. وقد رأينا كيف بنى الطلاب في الجامعات الأمريكية والأوروبية مخيمات اعتصام في ربيع 2024، احتجاجًا على تواطؤ جامعاتهم مع النظام الإسرائيلي وإبادته للفلسطينيين. وقد أدرك الطلاب أن الجامعة لا يمكن الوثوق بها لحماية الكرامة الإنسانية، لأنها كانت تستثمر في تجريم الكلام واعتقال المقاومة. وكانت المخيمات مواقع يمكن للطلاب فيها التعبير عن الرفض، وسحب الموافقة من إجراءات الجامعة، والانضمام معًا لبناء مجتمع قائم على قيم الرعاية والجماعية.
وحركة المقاطعة وسحب الاستثمارات وفرض العقوبات (BDS) قدمت مثالًا آخر على العمل التضامني عبر الوطني. فقد ركزت على تغيير الحقائق المادية في فلسطين من خلال تحدي الدعم الدولي لإسرائيل، وكشفت عن الشركات الضالعة في الإبادة، ودعت إلى سحب الاستثمارات منها. وقد حققت الحركة نتائج ملموسة، حيث أعلنت اسكتلندا في سبتمبر 2025 دعمها الكامل لحزمة المقاطعة وسحب الاستثمارات والعقوبات ضد إسرائيل والشركات المتواطئة.
لكن الأهم من هذه المكاسب العملية هو التحول في الوعي. فقد أدت الإبادة في غزة إلى انكشاف النظام العالمي أمام نفسه. لم يعد ممكنًا للغرب أن يدّعي التزامه بحقوق الإنسان والقانون الدولي بينما يدعم الإبادة علنًا. ولم يعد ممكنًا للرأسمالية أن تدّعي أنها نظام يخدم البشرية بينما يزدهر رأس المال في الدمار.
خارج الاحتكار… نحو عالم جديد؟
غزة اليوم ليست جغرافيا محاصرة، بل مرآة تعكس بنية العالم كما هي: عالمٌ تُدار فيه القوة من فوق، والمال من خلف الستار، والوعي عبر الشاشات. عالمٌ تُرتكب فيه الإبادة كجزء من سياسة الردع، وكجزء من صناعة الخوف، وكجزء من تثبيت الهيمنة.
والسؤال الذي تخشاه الطبقة الحاكمة ليس سؤال التعاطف مع غزة، بل سؤال البنية: هل يمكن بناء عالم خارج هذا الاحتكار؟ هل يمكن تصور نظام اقتصادي لا يعتمد على “سكان قابلين للاستبعاد”؟ هل يمكن تصور نظام سياسي لا يحتاج إلى إبادة جماعية لتثبيت هيمنته؟
غزة لم تُجب على هذه الأسئلة، لكنها جعلتها حتمية. فالنظام الرأسمالي الاحتكاري، بثلاثيته القاتلة — التمويل والبيانات والسلاح — قد كشف عن نفسه. لم يعد بإمكانه التخفي وراء خطاب “القيم الإنسانية” أو “النظام العالمي القائم على القواعد”. لقد أظهر وجهه الحقيقي، بلا أقنعة، على شاشات العالم.
واللحظة الحالية، على الرغم من فداحتها، هي لحظة انكشاف وليس لحظة نهاية. ما ينكشف يمكن مواجهته، وما يمكن مواجهته يمكن تجاوزه. غزة ليست نهاية العالم، بل بدايته الجديدة. إنها اللحظة التي ينكشف فيها النظام العالمي أمام نفسه، وتبدأ فيها الشعوب في طرح السؤال الذي تخشاه الطبقة الحاكمة:
هل يمكن بناء عالم خارج هذا الاحتكار؟
هذا السؤال ليس أكاديميًا. إنه سؤال سياسي وجودي. والإجابة عليه لن تأتي من المؤتمرات الدولية، ولا من المحاكم، ولا من صناديق الاقتراع التي تديرها نفس الطبقة. ستأتي من الحركات الشعبية، من التضامن العابر للحدود، من تجارب الحكم الذاتي المجتمعي، من إعادة اكتشاف أشكال التضامن غير التمثيلي، من “سومود” — الصمود الفلسطيني — الذي يجسد بديلاً جذريًا: ليس مجرد البقاء، بل البقاء كفعل تحرر.
الإبادة في غزة هي رسالة طبقية من النظام الرأسمالي العالمي. لكن الرسالة المضادة، التي بدأت الشعوب في كتابتها، تقول شيئًا آخر: أن العالم الذي بُني على احتكار المال والبيانات والسلاح ليس أبديًا، وأن البديل ليس فقط ممكنًا، بل أصبح ضرورة وجودية للبشرية جمعاء.
……..
ـ المقصود بـ«النيكروباور» (Necropower) هو «سلطة الموت» أو «القوة النخرية» أو «سلطة الإماتة».
أصل الكلمة من اليونانية:
· نيكرو (Necro) = الموت، الجثة، الميت.
· باور (Power) = قوة، سلطة.
فالمصطلح يعني: القدرة على تحديد من يُسمح له بالعيش، ومن يُدفَع إلى الموت، ومن يُعتبر قابلاً للقتل، ومن يُحمى من القتل.
صاغ هذا المفهوم المفكر الكاميروني أشيل مبيمبي في كتابه ومقاله عن «النيكروبوليتيك» (سياسات الموت)، وذلك في مقابل مفهوم «البيوباور» عند ميشيل فوكو:
· البيوباور: سلطة تدير الحياة (الصحة، الولادة، السكان، الجسد).
· النيكروباور: سلطة تدير الموت، أو تنتج ظروف الموت، وتجعل بعض البشر «قابلين للموت» و«غير قابلين للرثاء».
ـ هيراركيات» هنا تعني تقريبًا: التراتبيات أو التسلسلات الهرمية أو أنظمة التصنيف والتفاضل في السلطة والقيمة. وهي كلمة معرّبة/مستعارة من الإنجليزية hierarchies.