من جامعة حيفا إلى قيادة «حداش»: يوسف جبارين ورهان الوحدة الفلسطينية في الداخل


احمد صالح سلوم
الحوار المتمدن - العدد: 8857 - 2026 / 10 / 13 - 10:07
المحور: القضية الفلسطينية     

في أحد مطاعم Galeries Royales Saint-Hubert، حيث تتقاطع أروقة الزجاج والحديد مع حركة العاصمة الأوروبية، كانت لويزا مورغانتيني، نائبة رئيس البرلمان الأوروبي آنذاك، قد دعتنا إلى جلسة نقاش. لم يكن يوسف جبارين يومها نائباً في الكنيست. كان أستاذاً في جامعة حيفا، باحثاً في القانون الدستوري وحقوق الإنسان. تحدثت معه بهذه الصفة: أكاديمي فلسطيني من الداخل، يحمل هموم مجتمعه إلى المنابر الأوروبية بلغة القانون والحق، لا بلغة الشعارات.

لم يكن جبارين قد دخل الكنيست بعد. لكنه كان يعرف أن القانون وحده لا يكفي. بعد سنوات، انتخب نائباً لأول مرة عام 2015، وأصبح أحد أبرز الأصوات العربية في البرلمان الإسرائيلي. واليوم، بعد فوزه برئاسة الجبهة الديمقراطية للسلام والمساواة (حداش)، يقود الحزب في الانتخابات المقبلة للكنيست.

من الأكاديميا إلى المنصة السياسية

جبارين، ابن مدينة أم الفحم في منطقة المثلث، ليس وجهاً جديداً في المشهد السياسي الإسرائيلي. شغل عضوية الكنيست بين 2015 و2021، وهو دكتور في القانون متخصص في القانون الدستوري وحقوق الإنسان، وكان أول نائب عربي يترأس لجنة حقوق الطفل في الكنيست. انتخب رئيساً لـ«حداش» خلفاً لأيمن عودة الذي قاد الحزب لأكثر من عقد، وحصل على أغلبية واسعة تعكس إجماعاً داخلياً غير معتاد في حزب شيوعي يضم عرباً ويهوداً، ويُعرف بنقاشاته الداخلية الحادة.

صعود جبارين ليس مجرد تغيير في القيادة. إنه تحوّل جغرافي وسياسي في حزب ظل لعقود يُدار من الشمال الساحلي — حيفا وتل أبيب — نحو منطقة المثلث، حيث يعيش نحو 250 ألف من أصل مليوني عربي في إسرائيل، وحيث تتكثف أزمات العنف والجريمة والتمييز الهيكلي. مناطق المثلث، التي تضم أم الفحم وباقة الغربية وكفر قاسم، كانت تاريخياً الأكثر إهمالاً في توزيع الموارد والميزانيات، والأقل تمثيلاً في القيادات السياسية العربية. انتخاب جبارين، الذي يُوصف بـ«المعتدل الحاد» — هادئ في الخطاب، صارم في الملفات القانونية — يُفترض أن يحرّك هذه المنطقة انتخابياً، حيث تتركز أعداد كبيرة من الناخبين الذين غالباً ما يقاطعون.

حداش: الحزب الذي لا يزال يقاوم

الجبهة الديمقراطية للسلام والمساواة ليست حزباً انتخابياً عابراً. تأسست عام 1977 كمظلة للحزب الشيوعي الإسرائيلي وقوى يسارية يهودية وعربية، وهي الحزب الوحيد في إسرائيل الذي يضم أعضاءً يهوداً وعرباً تحت راية واحدة. توصف بأنها حزب «غير صهيوني» ويساري راديكالي، وتدعو إلى دولة فلسطينية مستقلة إلى جانب إسرائيل، وإلى المساواة الكاملة للمواطنين العرب.

لكن هذا التاريخ الطويل لم يمنع تراجع التمثيل العربي في الكنيست على مدى الدورات الأخيرة. في انتخابات 2022، خاضت حداش والتجمع قائمة مشتركة منفصلة عن القائمة العربية الموحدة بقيادة منصور عباس، ما أدى إلى تشتت الأصوات العربية. اليوم، مع إعادة إحياء القائمة المشتركة، يأمل جبارين في تجاوز هذا الشرخ، واستعادة وزن برلماني يصل إلى عشرة مقاعد أو أكثر.

حرب على ثلاث جبهات

يواجه جبارين ثلاثة تحديات متزامنة. الأول قانوني: حاولت لجنة الانتخابات المركزية استبعاد القائمة المشتركة بأكملها، إضافة إلى القائمة العربية الموحدة، في قرار وصفته القائمة بأنه «دوس على أبسط مبادئ الديمقراطية». تدخّلت المحكمة العليا وألغت قرار الاستبعاد، لكن الحادثة كشفت هشاشة الحماية القانونية للأحزاب العربية في إسرائيل. الثاني سياسي: أحزاب المعارضة اليهودية رسمت خطوطاً حمراء أمام المشاركة العربية في أي ائتلاف بديل، ما يحدّ من قدرة القائمة على تحويل وزنها الانتخابي إلى نفوذ حكومي. الثالث مجتمعي: نسبة التصويت العربي، التي هبطت في الدورات الأخيرة إلى ما دون 50% في بعض المناطق، تبقى العامل الحاسم. جبارين يصرّح بأن تجاوز نسبة 70% في التصويت العربي «سيمنع عودة نتنياهو».

استراتيجية جبارين تقوم على معادلة مزدوجة: «شبكة أمان» لأي حكومة بديلة عن نتنياهو من الخارج، دون الانضمام إليها، مع استخدام هذا الدعم كورقة تفاوض لانتزاع مكاسب للمواطنين العرب — ميزانيات، وخطط لمكافحة الجريمة، ووقف هدم البيوت والمصادرات. في الوقت نفسه، يخاطب الناخب اليهودي اليساري بلغة مختلفة: «إما اليمين ودورة أخرى من حكومة سفك الدماء، أو قائمة مشتركة كبيرة تحمي جميع مواطني البلاد، يهوداً وعرباً».

من Galeries Royales Saint-Hubert إلى قاعة الكنيست

في ذلك اللقاء في بروكسل، لم يكن جبارين يتحدث باسم حزب، بل باسم جيل من القيادات العربية التي ترفض أن يُختزل وجودها في إدارة أزمات «الأقلية». مورغانتيني، التي عُرفت بموقفها الداعم للقضية الفلسطينية، كانت تدرك أن فلسطينيي الداخل ليسوا ملفاً هامشياً في الصراع، بل جزءاً من سؤال أكبر: هل يمكن أن توجد ديمقراطية حقيقية في إسرائيل مع وجود خمس السكان من غير اليهود؟

اليوم، يقود جبارين هذا السؤال إلى صندوق الاقتراع. النتيجة ليست مضمونة: القائمة المشتركة تواجه حرباً قانونية، وانتخابية، وسياسية. لكن في حسابات الانتخابات الإسرائيلية، التي تُحسم عادة بفارق مقعد أو اثنين، قد يكون «الصوت العربي» — إذا تجاوز العتبة — ليس مجرد رقم، بل الفيصل بين استمرار حكومة نتنياهو وبديل قد لا يكون أفضل كثيراً، لكنه على الأقل يفتح نافذة ضيقة للتنفس.

في مطعم ذلك الرواق الزجاجي في بروكسل، كان الحديث عن الحقوق والكرامة. بعد سنوات، أصبح السؤال عن السلطة والوزن. الفرق كبير، لكن جبارين يبدو مقتنعاً بأن الطريق إلى الأول يمر عبر الثاني. وتبقى الأمنية: أن يتوحد شعب فلسطين الداخل في الأراضي المحتلة عام 1948 خلف القيادة اليسارية ليوسف جبارين، القيادة التي تليق بشعب فلسطيني متحضر، بعيداً عن الأحزاب الصهيونية المجرمة.