المعلمُ الذي علّمَ الشعرَ: في أهمية المعلم الشيوعي
احمد صالح سلوم
الحوار المتمدن
-
العدد: 8866 - 2026 / 10 / 22 - 17:03
المحور:
الادب والفن
سؤالٌ خرج من القدس ليهزّ وجدانَ العرب
هناك أسئلةٌ تمرّ على الإنسان مرورَ نسمةٍ عابرة، فلا يذكرها حتى ينساها. وهناك أسئلةٌ تُزرع في التربة كبذرةٍ تنغرس في العتمة، ثم تنتظر سنينَ طويلة حتى تكون فيضانًا. وسؤال المعلم، أيُّه القارئ، ليس من الجنس الأول؛ إنه من الجنس الذي يرتدّ إلى مُطلقه بعد عقود، فيجده وقد صار شجرةً ظلّلت وجودًا بأكمله، أو جثّةً ذابلة جفّت في الصحراء لأن من زرعها لم يكن يعرف شيئًا عن الماء.
خرج السؤال يومًا من قاعات مركز خليل السكاكيني الثقافي في رام لطلبة الفرير من القدس الفلسطينية ، من أفواه تلاميذٍ يافعين حملوه إلى شاعرٍ فلسطينيٍّ صار اسمه عابرًا للقارات، ولم يكونوا يدرون أنهم بسؤالهم ذاك سوف يفتحون أحد أخطر ملفّات الحضارة العربية المعاصرة: ملفَّ المعلم. لا ملفَّ المنهج، ولا ملفَّ الوزارة، ولا ملفَّ الميزانية — بل ملفّ الإنسان الذي يقف بين الطفل والعالم، بين اللغة والمعنى، بين الوليد والتاريخ.
سأل تلاميذ القدس محمود درويش عن معلّمه الأول. وكانوا سائليهم من باب الأدب والتربية الأدبية، لا من باب السياسة ولا من باب العقيدة. فإذا بالإجابة تقفز فوق السياسة والعقيدة معًا، لتستقرّ عند شيءٍ أعمق وأبعد: عند شرط الإبداع ذاته. قال درويش، بذلك الوقار الذي يخصّ به الكبار مواقفَهم المصيرية، إن معلّمه كان شيوعيًّا، لكنه لم يعلّمه "الأدب الشيوعي" — فلا يوجد، في نظره، شيءٌ يُسمّى الأدب الشيوعي — وإنما علّمه شيئًا واحدًا بالغ البساطة والجلل: أن يعبّر عن نفسه بحرّية، وأن يكون معارضًا.
تأمّل هذه الكلمات. لم يقل: علّمني النحو، ولم يقل: علّمني البلاغة، ولم يقل: علّمني الشعر. قال: علّمني أن أكون حرًّا في التعبير، وأن أحتمل وزرَ المعارضة. أي أن ما زرعه المعلم في تربته لم يكن معلومةً تُحفَظ ولا حرفةً تُتقَن، بل كان نمطَ وجودٍ كاملًا: علاقةً جديدةً باللغة، وبالذات، وبالجماعة، وبالسلطة. والإبداع، كما سيتّضح في صفحات هذا الكتيّب، ليس موهبةً تسقط من السماء على من شاءت، بل هو ثمرةُ هذه العلاقة حين تكون سليمة، أو جنينُها المشوَّه حين تكون مسمومة.
لماذا إذن نُخصّ هذا الكتيّب بالمعلم الشيوعي تحديدًا، لا بالمعلم الجيّد عمومًا؟ أليس في هذا تحيّزٌ أيديولوجيّ يفسد النظر؟
الجواب أن التجربة التاريخية — لا الانتماء النظري — هي التي تُملي هذا الاختيار. فحين نتأمّل خارطة الإبداع العربي المعاصر، نكتشف حقيقةً مذهلة: أن المناطق التي عرفت تجربةً شيوعيةً أو شبه شيوعية، مهما كانت قصيرةً ومضطربة، أنتجت نسبًا من المبدعين والمثقفين والفنانين يفوق بأضعاف ما أنتجته مناطقُ خضعت لقرون كاملة من الحكم الديني السلفي المطلق. جنوب اليمن، الذي حكم فيه الشيوعيون عقدين ونيفًا، قدّم للثقافة العربية من الكتّاب والشعراء والفنانين ما لم تقدّمه شبه الجزيرة العربية بأكملها — بتاريخها الهمجي الطويل وبترليوناتها النفطية — في قرنٍ ونصف. والصين، التي خاضت تجربتها الاشتراكية عقودًا، تحوّلت اليوم إلى ثاني اقتصاد عالمي وإلى حضارةٍ تتمدّن بسرعة تاريخية قياسية، بينما أمّةُ العرب تهدر ثرواتها على ما لا يُثمر ولا يُبدع.
السؤال إذن ليس سؤالَ حزب. السؤال هو: ما نوع الإنسان الذي يقف أمام طفلنا؟ هل هو إنسانٌ يعلّم الطفل أن يسأل، أم إنسانٌ يعلّمه أن يخاف؟ هل يمدّ يده فيفتح للطفل نافذةً على العالم، أم يمدّ يده فيغلق النوافذ كلَّها ويُطفئ الأنوار؟
هذا الكتيّب محاولةٌ للإجابة، وهو في الوقت ذاته نداءٌ إلى الآباء — كلّ أبٍّ وأمٍّ عربيَّين — أن ينظروا إلى مدارس أبنائهم نظرةَ من ينظر إلى مصيرٍ لا إلى شهادة، وأن يسألوا السؤال الذي سأله تلاميذ القدس لدرويش، لكن هذه المرة عن معلّم أبنائهم: من أنت؟ وماذا تزرع في هذا الطفل؟
الفصل الأول: عينٌ على القدس — المقابلة التي أعادت فتح الملفّ
1. حين يسأل التلاميذ
المدارس لا تُقاس بوزاراتها ولا بمبانيها ولا بشهادات معلّميها. المدارس تُقاس بلحظةٍ واحدةٍ صافية: لحظة حين يرفع تلميذٌ يده ويسأل. ففي هذه اللحظة وحدها تنكشف حقيقةُ القاعة: هل هي مصنعُ أجيالٍ حرّة، أم مزرعةُ قطعانٍ مطيعة؟
حين جلس تلاميذٌ من القدس أمام محمود درويش، لم يسألوه عن أسراره الشعرية ولا عن موسيقى قصائده — سألوه عن المعلّم. وسؤالُهم هذا، في عمقه، كان سؤالًا عن أنفسهم: عن الحظّ الذي ينتظرهم في قاعاتهم، عن الرجل أو المرأة الذين سيفتحون لهم أبوابًا أو سيصدّونهم عنها، عن البذرة التي ستلقى فيهم فتكون شجرةً أو حشيشًا.
وسؤالُ التلاميذ هذا — "هل يمكن القول إن المعلم هو الأساس لإطلاق أيّ موهبة أدبية؟" — كان سؤالًا تربويًّا بالغ الدقة، لأنه لم يكتفِ بالتساؤل عن الموهبة، بل عن الإطلاق، عن اللحظة التي تنطلق فيها الموهبة من رحم الصمت إلى فضاء الكلمة. والجواب الذي قدّمه درويش كان تصنيفًا فلسفيًّا دقيقًا للمعلمين، تصنيفًا ينبغي أن يُعلَّق في كل غرفة معلمين في العالم العربي:
"هناك نوعان من المعلمين: معلّم تتعلمون منه أمورًا ثقافية ولغوية كالتاريخ الأدبي والقواعد اللغوية وغيرها، وهذا معلّم غير جيد. وهناك معلّم يشرف على صحة لغتكم وصحة تعبيركم اللغوي ويرشدكم إلى الطريق الصحيح."
تأمّل التصنيف. المعلم الأول — صاحب المعلومات، المستودع المتحرّك لحقائق التاريخ الأدبي وقواعد النحو — معلّمٌ "غير جيد". لماذا؟ لأن المعلومة في عصر الموسوعات الرقمية ليست هي الجوهر. الجوهر هو ما أضافه المعلّم الثاني: الإشراف على الصحة — صحة اللغة وصحة التعبير — وهذا إشرافٌ يفترض قلبًا واعيًا وذائقةً حيّة وضميرًا مهنيًّا، لا مجرد عقلٍ يحفظ ويملي.
ثم يضيف درويش الجملة الأخطر في المقابلة كلِّها، الجملة التي تصلح أن تكون فلسفةً تربويةً كاملة: "قد يكون المعلّم أيضًا مدمّرًا إذا كان صاحب تفكير سلفي أو صاحب ثقافة أدبية محافظة، وبالتالي قد يوقعكم في الخطأ."
المدمّر. لم يقل "ضعيفًا"، ولم يقل "غير مؤهّل". قال مدمّرًا. وهذه كلمة تستحق أن نتوقف عندها طويلًا، لأنها تعني أن الضرر لا يتوقّف عند حدود الجهل، بل يتجاوزه إلى النشاط: معلّمٌ يعمل على تدمير ما هو موجود أصلًا، يقتلع الموهبة من جذورها قبل أن تُزهر، يصوغ للطفل ذهنيّةَ الخوف والتقليد بدل ذهنيّة الدهشة والسؤال. والمدمّر، في تعريف درويش، له صفتان: التفكير السلفي، والثقافة المحافظة. وهما صفتان تتقاسمان المصير نفسه: إغلاق الأبواب.
2. لماذا سألت القدس تحديدًا؟
ليس من قبيل الصدفة أن يصدر هذا السؤال من القدس. فالقدس، مهما حاصرتها الأسواط والحواجز، تبقى مدينةَ المعنى الأولى في الوعي العربي، وأكثر مدننا استعدادًا لطرح الأسئلة المصيرية؛ لأن الاحتلال ذاته علّم أهلها أن ما يبدو بديهيًّا — الأرض، والبيت، والهوية — هو أخطر ما يجب أن يُسأل عنه ويُدافَع عنه. والتلميذ الفلسطيني الذي يرفع يده يسأل، في ظلّ احتلالٍ يريد محوَه، إنما يمارس أولى صور المقاومة: مقاومةَ اللاّمعنى، وإصرارَه على أن الروح أسبق من الحائط.
ومن القدس أيضًا خرج محمود درويش نفسُه، ذلك الفتى الذي كتب في مذكراته عن طفولته، عن أول قصيدةٍ نظمها وعمره سبع سنوات، عن المعلّم الذي رأى في ورقته الأولى ما لم يره غيرُه. فقد كانت القدس، رغم جراحها، تُنتج أسئلةً لا تُنتجها العواصم المخدَّرة بالنفط؛ لأن الألم، كما يقول الحكماء، هو أعظم معلّمي السؤال.
3. شكرًا للصحافة التي لا تحذف
يحلو لنا أن نسجّل شكرًا صادقًا لصحيفة "القدس العربي" برئاسة التحرير لعبد الباري عطوان قبل أن تحتلها محمية قطر أو قاعدة العيديد الإعلامية ، وتحديدًا لصفحة أدب وفن، لأنها نشرت المقابلة كاملةً دون أن تحذف السؤال ولا الجواب. وهذا ليس تفصيلًا صغيرًا؛ ففي زمنٍ تتساقط فيه المؤسسات الإعلامية العربية الواحدة تلو الأخرى تحت ضغوط التمويل الخليجي والمقاطعة السياسية، صار حذفُ السطر الواحد — سطر المعلّم الشيوعي — ضريبةً دُفعت مئات المركات في مؤسسات "الإعلام العربي" الحديث. أن تنشر الصحيفةُ السؤال كما وُلد، وأن تحفظ للمعلم حقّه في التاريخ، فذلك فعلٌ صحفيّ أصيل في زمن الانحطاط المهني.
إن نشرَ هذه المقابلة كان، في ذاته، عملًا تربويًّا ثانيًا: تعليمُ الجمهور أن للسؤال عن المعلّم شأنًا، وأن له في الصحافة مكانًا لا تحجبه أيديولوجيا المحسوبيات.
الفصل الثاني: الشيوعي الذي علّم الشعرَ لا "الأدب الشيوعي"
1. الحرية كمنهج
قال درويش، مجيبًا عن سؤال: "هل نقل إليك أفكارًا علمانية شيوعية؟":
"نعم، معلّمي كان شيوعيًّا ولكنه لم يعلّمني الأدب الشيوعي، فلا يوجد شيءٌ يُسمّى الأدب الشيوعي. لقد شجّعني على التعبير عن نفسي وعن رأيي بحرية، شجّعني على أن أكون معارضًا."
هنا ينبغي أن نتوقف وقفةً طويلة، لأن هذا الجواب يدمّر واحدةً من أكثر الأكاذيب شيوعًا (عفوًا للتورية) في الخطاب التربوي العربي: أكذوبةُ أن الشيوعي يعلّم "الأدب الشيوعي"، وكأن الأدب جنسٌ حزبيّ يُزرع في التلاميذ كما تُزرع البطاطا.
فالمعلم الشيوعي، بحسب شهادة أشهر أدباء العرب، لم يعلّم شيئًا اسمه الأدب الشيوعي — لأن الأدب، في العمق، لا يعرف إلا شيئًا واحدًا: الحرية. والمادة التي يشتغل عليها الأدب هي الوجود الإنساني بأسره، لا خطًا حزبيًّا. وما فعله المعلم هو أبسط من ذلك كلِّه وأعمق: فتح للطفل نافذةً على ذاته، وقال له — بفعلٍ لا بقول: عبّر، وكون، وعارض.
وهنا سرّ الفرق الجوهري بين التربية الشيوعية وبين التربية السلفية: الأولى تزرع القدرة، والثانية تزرع الطاعة. الأولى تقول للطفل: أنت قادر على أن تكون، فابحث عما تريد أن تكونه. والثانية تقول له: أنت مجرّد تابعٍ لنصٍّ جاهز، فاحفظ ولا تسأل. الأولى تُنتج مواطنًا يعارض، والثانية تُنتج رعيّةً تُذبح في صمت.
2. المعارضة بوصفها فضيلة أدبية
كلمة "معارض" التي استعملها درويش ليست كلمةً سياسية في هذا السياق؛ هي أولًا كلمةُ أدب خالصة. فالشاعر الذي لا يعارض شيئًا — الذي يؤيّد كلَّ شيء، ويكرّر كلَّ شيء، ويصفق لكلِّ شيء — ليس شاعرًا، بل ميكروفون. والمعلم الذي يعلّم المعارضة يعلّم — في جوهر الأمر — شرفَ الرؤية: أن ترى ما لا يراه الآخرون، وأن تقول ما لا يُقال، وأن تحتمل ثمنَ قولك.
هذا ما يفسر ظاهرةً مدهشة في تاريخنا الأدبي الحديث: أن أعظم شعراء العرب المعاصرين — درويش، وسميح القاسم، وخليل حاوي، ونازك الملائكة، وبلند الحيدري، والسياب، وعبد الوهاب البياتي — جاؤوا إما من خضمّ التجربة الشيوعية، أو من أوساط لامستها، أو من مدارسَ لمسها المعلم الشيوعي. بينما المدارس الدينية السلفية، بكل ما أُنفق عليها من ملايين النفط، لم تُخرّج شاعرًا واحدًا يُذكر في سجلّ الإبداع العربي. صنعت لنا ذاك "الشعر" الهابط الذي يتغنّى بالسلاطين والفتوحات، وذاك النثر المهلهل الذي يمجّد الجماعات المسلّحة. لم تصنع إنسانًا رأى العالم بعينه الخاصة.
3. لماذا كان الشيوعيّ معلّمًا أفضل تحديدًا؟
قد يسأل سائل: أليس في العلمانيين غير الشيوعيين من هم معلمون أجلّاء؟ الجواب: بلى، وباعترافنا بذلك يكتمل العدل. ولكنّ الحقيقة التاريخية تقول إن المعلم الشيوعي — في السياق العربي بالذات — جاء يحمل ثلاث مزايا نادرة اجتمعت فيه:
أولًا: إيمانه المطلق بالإنسان. الماركسية، في جوهرها، فلسفةُ إنسانٍ كامل: إنسانٌ قادر على تغيير العالم، قادر على صناعة تاريخه، غير محكومٍ بقَدَرٍ سماويّ ولا بشريعةٍ نزّلها الغيب. فحين يقف هذا المعلم أمام تلميذه، فهو ينظر إليه نظرةَ من يرى إنسانًا مستقبليًّا، لا نظرةَ من يرى عبدًا مأمورًا. وهذه النظرة وحدها تكفي لتغيير مصير طفل.
ثانيًا: ثقافته العلمية. الشيوعيّ العربي كان، في غالبيته الساحقة، من الأكثر تعلّمًا بين أبناء جيله: قارئًا في الفلسفة والأدب والتاريخ الطبيعي والعلوم، متقنًا لغتين على الأقل، فاهمًا لما يجري في العالم. فمعلّمٌ بهذا الوزن الثقافي لا يمكن أن يُعلّم الطفل الجهلَ ولا الخرافةَ؛ إنه يحمل المكتبة في رأسه، والمكتبة عدوّةُ الظلام المكبوت.
ثالثًا: شجاعته الأخلاقية. أن تكون شيوعيًّا في مجتمعٍ تحكمه أنظمةٌ خائفة، وتموّلها أسرٌ ظلامية خليجبة عميلة للغزاة الامريكان والصهاينة ، وتشيطنك فيها المنابر كلُّها — فذلك موقفٌ يتطلّب شجاعةً نادرة. والمعلم الشجاع، وحده، هو الذي يستطيع أن يعلّم الطفل المعارضة؛ لأن من لم يعارض في حياته لا يمكن أن يعلّم المعارضة. التربية، في آخر المطاف، تمرّ عبر القدوة، والقدوة الحقّة لا تُشترى ولا تُزوَّر.
الفصل الثالث: المعلّم المدمّر — سلفيّة القاعة الدراسية
1. سؤال الحظّ
سأل تلاميذ القدس درويش: "هل يعني أن الحظ يلعب دورًا أساسيًّا؟"
فأجاب: "نعم، الحظ يلعب دورًا كبيرًا، فإذا علّمكم أستاذ قدير لديه إيمان بالتعدّدية وحق التعبير الحر، عندئذ أنتم محظوظون."
كلمة "الحظ" هنا ليست استسلامًا للصدفة؛ إنها شهادةُ فاجعة. فحين يكون مصير موهبة طفلٍ رهينَ الحظ — أي رهينَ القرار الإداري الذي عيّن فلانًا لا علّانًا — فهذا يعني أن المنظومة التربوية بأسرها لم تبنِ بعدُ ضماناتٍ حقيقية للجودة؛ وأن مئات آلاف الأطفال العرب يدخلون القاعات كلّ صباح مراهنينَ على أسوأ أنواع اليانصيب: يانصيب المعلّم.
وفي بلادنا، تراكمت عواملٌ جعلت هذا اليانصيب أكثر فتكًا من أيّ مكان آخر:
- الانتقاء العكسي: فلعقودٍ طويلة، كانت الوظائف التعليمية موزَّعةَ الأرزاق عند الأنظمة؛ تُعطى للموالين لا للأكفّاء، وللمنتمين دينيًّا لا للمثقّفين. فدخلت إلى القاعة أجيالٌ من المعلمين بلا ثقافة ولا ذائقة، بعضهم لا يقرأ كتابًا واحدًا في السنة.
- التمويل الخليجي: فمليارات النفط السعودية والقطرية والإماراتية الكويتية غُرست في المدارس والمعاهد والجامعات العربية — مباشرةً أو عبر "الجمعيات الخيرية" — لتتكفّل بـ"تأصيل" المناهج بأيديولوجيا سلفية صارت تُدرَّس بلغة الدين، فيما هي في العمق لغةُ السياسة والسلطة.
- حظر المعلم الشيوعي: فبينما فُتحت أبواب التعليم على مصراعيها للمعلّم السلفي، أُغلقت كلُّها في وجه المعلم الشيوعي الذي صار — في خطاب الأنظمة والمنابر — كافرًا يليق به السجن، لا مربّيًا يليق به القاعة. حوّمت شيطنةُ الشيوعية إلى عقدةِ ذنبٍ جماعية في الوجدان العربي: ذنبٍ اسمه "التعليم الحر".
2. تفكيك "المدمّر"
نعود إلى كلمة درويش: المدمّر. ما الذي يدمّره المعلم السلفي تحديدًا؟
يُدمّر العلاقةَ باللغة. اللغة، في نظر التربية السلفية، ليست عالمًا حيًّا يُكتَشف، بل نصٌّ مقدَّس يُحفَظ. فتتحوّل العربية في يد التلميذ من لغةِ التعبير إلى لغةِ التلقين، من مفرداتِ الحياة إلى مصطلحاتِ الموت والجزاء. ولا يبدع من لا يملك لغتَه؛ لأن الإبداع هو، في أصله، فعلُ امتلاكٍ للغة: أن تمسك بها كما يمسك النحّات الحجرَ، لا كما يمسك السجين قضبانَه.
يُدمّر الذات. المنهج السلفي لا يرى في الطفل ذاتًا فريدة؛ يرى فيه نسخةً من نسخة، وتلميذًا في مدرسة فقهية، وعضوًا في جماعة قبل أن يكون إنسانًا. وكل تعليمٍ يبدأ من الجماعة وينتهي إليها لا يمكن أن يُنتج فردًا؛ يُنتج قطيعًا. وأمّةُ القطعان لا تبدع؛ تتبع، وتنفّذ، وتنتحر جماعيًّا حين يُطلب منها ذلك.
يُدمّر السؤال. وهذه هي الكارثة الكبرى. فالسلفية — في بنيتها المعرفية — علمُ يقينٍ مغلق: كل مسألة فيها "محسومة"، وكل سؤال "فتنة"، وكل شكّ "زندقة". والطفل الذي يتربّى على أن السؤال جريمةٌ، لن يصير عالمًا ولا شاعرًا ولا مفكّرًا؛ سيصير مؤدّيًا لدورٍ مكتوب سلفًا. وإذا أردت الدليل، فانظر حولك: ماذا أنتجت هذه الأجيال؟ لا آلةً، ولا دواءً، ولا قصيدةً خالدة، ولا نظرية. أنتجت التفجير والتكفير، والشتائم على الإنترنت، واقتصاداتَ ريعيةً تعيش على فتات الآخرين.
3. الأجيال المنتحرة
هنا نصل إلى صميم الفاجعة التي لمستها يدُ تلاميذ القدس دون أن يدركوا مداها: فحين يتخرّج من مدارس السلفية والإخوان المسلمين والقاعدة وحزب النور ملايينُ الشباب، لا يكون المجتمع قد "تعلّم"؛ يكون المجتمع قد استعدّ للانتحار. والانتحار هنا ليس مجازًا فحسب: إنه انتحارُ حضاريٌّ حقيقي يبدأ بإعدام العقل ويمرّ بإعدام الإبداع، وينتهي — كما نرى — بإعدام الأجساد في حروبٍ أهلية وساحاتٍ تفجيرية، فتتحوّل البلاد إلى مآتٍ جماعية يديرها منفذو فتاوى تعلّموها في مدارسَ لم تعلّمهم شيئًا عن الحياة.
إن ربطَ سؤال المعلم بسؤال الوجود العربي ليس مبالغةً بلاغية؛ إنه تشخيصٌ دقيق لمرضٍ يبدأ من مقعد الدراسة الأول وينتهي عند حافة الهاوية الأخيرة.
الفصل الرابع: الصين — حين تعلّمت الحضارةُ من معلمها
1. عقودٌ تصنع حضارة
قبل ثلاثة أجيال، كانت الصين دولةً فقيرةً مدمَّرةً بفعل الحروب الاستعمارية الغربية والحصار. واليوم — بعد عقودٍ من التجربة الاشتراكية وإعادة البناء الشامل — تقف الصين اول اقتصادٍ في العالم، من حيث معادل القوة الشرائية ، مركّزةَ الصناعة، ومصدِّرةَ التكنولوجيا، ومشيّدةَ مدنٍ وخطوط قطارٍ فائقة ومحطات فضاء، ومُصدِرةَ ثقافتها وحضارتها إلى كل أرض.
ما الذي حدث؟ حدث أن الصين استثمرت — قبل كل شيء — في الإنسان: محوَ الأمية بشكل شبه كامل، وتعميمُ التعليم العلمي الحديث، وإنتاجُ ملايين المهندسين والأطباء والفلاسفة. وكان على رأس هذا الجيش التربوي رجالٌ ونساءٌ تغذّوا بفلسفةٍ ترى في الإنسان جوهرَ التاريخ: الشيوعيون الصينيون الذين، مهما اختلفت معهم الرؤى السياسية، يعترف لهم التاريخ بأنهم — كما المعلم الذي علّم درويش — لم يعلّموا "الثقافة الشيوعية"، بل علّموا أجيالًا كاملة أن تعبّر عن نفسها بحرية وتكون معارضةً للتخلف.
أنتجت تلك المدارس مهندسًا يبني، وطبيبًا يخترع دواء، وفلاحًا يحوّل صحراءَه إلى مشتل، وكاتبًا يرى العالم بعينه. بينما أنتجت مدارسُنا الدينية — بترليوناتها المهدورة — شيخًا يكفّر، وطالبًا يحفظ، وشابًّا ينتظر "الدولة" كما ينتظر الميتُ البعث. الفرق بين الصين وشبه الجزيرة العربية ليس فرقَ نفطٍ ولا جغرافيا؛ إنه فرقُ المعلم: بين معلمٍ يزرع قدرة الإنسان ومعلمٍ يزرع خوفَه.
2. ماذا يعني "الغنى الثقافي"؟
حين نقول إن الصين صارت من أغنى دول العالم "ثقافةً وحضارةً ومستقبلًا"، فنحن لا نتحدث عن متحفٍ للماضي، بل عن حضارةٍ حيّة تنتج المعرفة وتصدّرها: في الرواية والسينما والفلسفة، وفي العلم والهندسة والطب، وفي طريقة التنظيم الاجتماعي نفسها. الغنى الحضاري الحقيقي هو أن يستيقظ إنسانُ الدولة صباحًا وهو قادرٌ على أن يفكّر، وقادرٌ على أن يبدع، وقادرٌ على أن يعارض التخلف من موقع البنّاء لا من موقع النحيب.
وهذا الغنى لا يأتي إلا من مدرسةٍ تعتبر الطفل كنزًا لا عدوًّا، ومعلّمًا يرى في التنوير رسالته لا في التلقين وظيفته.
الفصل الخامس: جنوب اليمن — المختبرُ الصغير الذي أذهل العرب
1. عقدان ونيف ينتصران على قرون
تُروى الحكاية بلا تحيّزٍ حزبي، بل بحسابٍ بسيط: الجنوب اليمني — ذاك البلد الفقير صغير المساحة، الذي عرف حكمًا شيوعيًّا من 1967 إلى 1990 — قدّم للثقافة العربية المعاصرة من الكتّاب والشعراء والمسرحيين والموسيقيين والمفكرين ما يفوق، بأضعافٍ مضاعفة، ما قدّمته شبه الجزيرة العربية بأكملها عبر تاريخها الطويل، رغم النفط والمال والحجّ والتاريخ الديني الممتدّ.
من الجنوب خرج: الشاعر أحمد عبد المعز، والروائي علي المقري، وأجيالٌ من الصحفيين والفنانين والمثقفين الذين صنعوا — بعقودٍ قليلة وإمكاناتٍ شحيحة — ما لم تصنعه ممالكٌ تملك ميزانياتَ قارات. السرّ لم يكن في الجيوب، بل في المقاعد الدراسية: فالتعليم كان علمانيًّا ومجانيًّا، والمعلمون كانوا — في غالبيتهم — من الرعيلة التي آمنت بأن الإنسان اليمني الفقير يستحق معلّمًا كامل الثقافة، لا واعظًا جاهلًا.
2. الدرس القاسم
الدرس الذي يقدّمه الجنوب اليمني هو أن الإبداع قضية تعليم لا قضية عرق ولا مال ولا تاريخ. فالشعب نفسُه — بعاداته وبيئته — حين ينال تعليمًا علمانيًّا حرًّا، يبدع في سنوات ما لا يبدعه في قرون من التلقين الديني. وحين يُحرَم هذا التعليم ويُستبدَل بالمدارس السلفية المموَّلة، تراجع الإبداع وتداعت الدولة. التجربة اليمنية، بفرحها وبألمها، شاهدُ تاريخٍ خالدٌ على أن سؤال تلاميذ القدس لدرويش هو السؤال العربي الأول: من معلّمُك؟
انتهينا إلى هنا، أيّها القارئ، وقد رسمنا خريطة السؤال: سؤالٌ خرج من أجل طلاب مدرسة الفرير في القدس القديمة المحتلة ،الحاضرين في مقر خليل السكاكيني الثقافي في رام الله ء للقاء الشاعر الكبير ، وعبَر درويشَ ليصل إلى قلب الحضارة العربية. رأينا المعلم الشيوعي الذي لم يعلّم "الأدب الشيوعي" بل علّم الحرية، ورأينا المعلم المدمّر الذي يعلّم الخوف، ورأينا الصين التي صارت حضارةً واليمن الجنوبي الذي صار شاهدَ براءةٍ أو إدانة.
…………
الفصل السادس: جغرافيا الظلام — كيف بيعت المدارس بملايين النفط
1. السوق المعكوسة
هناك قانونٌ سوقيٌّ بديهي: حين تكون سلعةٌ ما مطلوبةً ونادرة، يرتفع ثمنُها. لكن في "سوق التعليم" العربي، حصل العكس تمامًا: كانت سلعةُ التنوير — المعلم الواسع الثقافة، المدرسة العلمانية الحرّة — سلعةً نادرةً ثمينة، فانقرضت. وبقيت سلعةُ التلقين الديني المجاني، فأُغدقت عليها المليارات حتى غرقت فيها العقول كما تغرق المراكب في السوائل الثقيلة.
السؤال: من اشترى هذا الانقراض؟ ومن باع؟
الجواب أن "المشترين" كانوا جمعيّين بمخططٍ واحد، وإن اختلفت جنسياتهم وارتدى كلٌّ منهم ثوبًا يشبهه: أنظمةٌ عربية استبدادية خائفة من أيّ معلّم يعلّم المعارضة، وأُسرٌ ظلامية تحكم محميات النفط، ومؤسساتُ "خيرية" خليجية تحوّلت إلى أذرعٍ تبشيرية سلفية وهابية إخوانجية خادمة للامبريالية، ومنابرُ إعلامية تجعل من كلّ مربٍّ شيوعيٍّ شيطانًا، ومن كلّ واعظٍ جاهلٍ قدّيسًا. هكذا بُنيت "جغرافيا الظلام": خريطةٌ عربية تُلوَّن فيها البلاد بمدى انتشار المدارس الدينية فيها، وتُقاس فيها الثروات لا بما تبني بل بما تُفنّس.
2. الأنظمة — شركاءُ الجريمة الأصليون
لا يمكن فهم كارثة التعليم العربي دون الاعتراف بحقيقةٍ صعبة: أن الأنظمة العربية — مبارك وعلي عبد الله صالح وملوك الأردن ومشيخات الخليج الظلامية وغيرهم، بلا استثناء تقريبًا — لم تكن ضحيةَ الظلام التعليمي، بل شريكته المؤسِّسة. لماذا؟ لأن المعلم الشيوعي، بما يزرعه من معارضة ونقد، كان تهديدًا وجوديًّا لأيّ نظامٍ يقوم على الطاعة. فإذا كان درويش قد تعلّم من معلّمه أن يكون "معارضًا"، فما الذي سيمنع تلميذًا في الدوحة و الرياض و أبوظبي و الكويت و القاهرة أو عمّان أو الدار البيضاء أن يعارض السلطة ذاتها؟
فاختارت الأنظمةُ الحلَّ الأسهل والأكثر فتكًا: أن تُشيّطن الشيوعية كافرًا، وأن تُسلّم التعليمَ — باسم "الحرية الدينية" — لرجالٍ يُخرّجون طلابًا يخافون قبل أن يفكّروا. المدرسة السلفية لا تُنتج معارضين؛ تُنتج مؤمنين بالقدر، وقدرُ الأنظمة — في هذا الفقه المهذّب — أن تبقى. وهكذا كانت المعادلة الكبرى في عقودنا المنحوسة: الأنظمة تشتري الأمنَ بالتخلف، وتبيعُ المستقبلَ بالخرافة.
وقد أعانها في ذلك حلفاؤها الأثرياء: فالسعودية والكويت والإمارات وقطر والبحرين — بآلاف المدارس والمعاهد والجامعات والمشاريع "الدعوية" المبثوثة من نواكشوط إلى جاكرتا، ومن بيروت إلى برلين — لم تكن تموّل تعليمًا؛ كانت تموّل تعطيلَ العقل، واستيرادَ جيوشٍ من المعلمين المدمّرين يحملون شهاداتٍ دينيةً بدل الشهادات الجامعية، ومعهم مناهجُ تكفيرٍ مموّهةٌ بعبارات التقوى.
3. آلية البيع: من التكفير إلى التمويل
كانت عملية بيع المدارس تجري عبر ثلاث محطات متكاملة:
المحطة الأولى: التكفير. لم يبدأ القمع بالسجن، بل باللسان. ففي الفتوى والمنبر والمدرسة الدينية، صار "الشيوعي" اسمه المهين الأول في قاموس التخلف: كافر، ملحد، عميل، دمّار. وبهذا الشيطنة المسبقة، أُغلق الباب قبل أن يُطرَق: من يجرؤ على أن يسأل عن معلّمٍ شيوعيٍّ لولده وهو متهمٌ — قبل أيّ حوار — بإلحاد مزعوم؟
المحطة الثانية: الاستبدال. مُنع المعلم الشيوعي من وظائفه أو سُجن أو هُجّر، وحلّ مكانه المعلم السلفي، أو أسوأ: بقي المنصبُ للعلماني لكن "أُشرف" عليه إخوانيٌّ منحط أو شيخ وهابي في مكتب الوزارة أو في مجلس المدرسة، فيُسقِط على المنهج والمعلمين رقابةً ثانوية لا تظهر في السجلات.
المحطة الثالثة: التعويم. أُغرقت البلاد بالمدارس الأهلية "الشرعية" ذات الرسوم المخفَّضة أو المجانية تمامًا، بينما خُنقت المدارس العلمانية بالتشريعات والميزانيات الجائعة. فإذا كان الفقيرُ — وهو أغلب العرب — أمام خيارين: مدرسةٌ مجانية تُخرّج ابنه "طالبَ علمٍ"، أو مدرسةٌ مكلِفة تُخرّجه إنسانًا، فإن الفقير سيختار المجانيةَ، وستكون ضريبةَ اختياره حياةُ ابنه بأكملها.
وهكذا بُنيت الآلة: تكفيرٌ يُخيف، واستبدالٌ يُنزِل، وتعويمٌ يُغرق.
الفصل السابع: شيوخ التخلف — قاموس الكارثة
1. من يزرع الخرافة؟
لكلِّ عصرٍ رجالُه. وعصرُ الانحطاط التعليمي العربي له رجالُه أيضًا، لكنهم — بخلاف رجال النهضة — رجالُ ظلال: لكلٍّ منهم حصّةٌ في تدمير جيلٍ أو أجيال، ولكلٍّ منهم "مدرسة" أو "رابطة" أو "قناة فضائية" حوّلت الجهلَ مشروعًا قوميًّا.
نحن هنا لا نُلغي أحدًا ولا نُعفيه؛ إننا نُحصي أسماءً صارت علاماتَ مدرسةٍ كاملة في تجهيل العرب. وقائمةُ هذه المدرسة طويلة ، ففيها القرضاوي، الذي جعل "الفتوى" خدمةً سياسيةً مأجورةً لأنظمة وملوك وجماعات؛ وفيه ابن باز وآل الشيخ، أعمدةُ مشروع التكفير المؤسَّسي الذي حرّم التعليمَ النسوي والموسيقى والفلسفة وجعل التخلفَ سُنّة؛ وفيه محمد الغزالي، الذي أعاد تدوير التراث الشيخي في قالبٍ "إصلاحي" مضلّل؛ وفيه الشعراوي الذي علّم جيلًا كاملًا أن يقرأ الكونَ كتابَ حِكمٍ سلفية بدل كتابِ طبيعةٍ يفهمه بالعلم؛ وفيه محمد حسان وعبد الحليم الغزّي وأسامة الأزهري وعمر عبد الكافي وسلمان العودة والعريفي وعائض القرني — جيلُ "شيوخ القنوات" الذين حوّلوا العقيدةَ إلى استعراض، والتدينَ إلى تجارة، والطفولةَ إلى معسكرات تخييم دعوية تُزرع فيها الشبهات بدل المعرفة.
وفي الجهة المقابلة — جهة "الدولة الدينية" — محمد العوا وعبد الصبور شاهين، الذين جعلوا من الأزهر وأخواته مصانعَ لتزكية الاستبداد، ومن الدين حارسَ الأنظمة لا حارسَ الضمير. وفي جهة الإخوان والسلفية السياسية: الغنوشي والترابي والبيانوني والعريفي الخ خدم الإمبريالية والعبودية للاعداء الصهاينة والامريكان والأتراك العصملية الاطلسيبن ... كلٌّ وفق تقاليده، وكلٌّ يلتقي مع الآخر عند نقطةٍ واحدة: أن يكون التلميذ أداةً لا عقلًا، وأن تُغلَق سؤالُه بفتوى، وأن يبقى العربُ أمةَ أحفادٍ لا أمةَ مخترعين.
2. الدمى الكبرى
ولكن فوق هؤلاء جميعًا، قامت "الدمى الكبرى": مؤسساتٌ تحمل أسماءً برّاقة وهي في الحقيقة مصانعُ الظلام المنظَّمة. رابطة علماء المسلمين بقيادة القرضاوي، التي أفتت بدماء الملايين وبرّرت انتحاراتٍ جماعيةً باسم الجهاد. واتحاد العلماء المسلمين، الذي تحوّل من بيت علمٍ موهومٍ إلى مكتب علاقاتٍ للسلفية العالمية. والرابطة المحمدية للعلماء، ومجمع الفقه الإسلامي، وأمثالها من "الهيئات" التي تلقّح المناهج والمدارس والمعلمين بفقه التجهيل.
أما "الإسلام الصهيوني" — بتعبيري الخاص — فهو تلك الظاهرة التي صار فيها التدينُ أداةً في مشروعٍ استراتيجيٍّ يخدم أعداءَ الأمةِ نفسَهم: أمّةٌ غارقةٌ في الخرافة والتفكك والتكفير الداخلي، لا تفكر في العلوم ولا في الصناعة ولا في بناء الدولة، أمّةٌ تمزّق ذاتَها بنفسها، هي — من وجهة النظر الاستراتيجية البحتة — أرخصُ إنجازٍ وُلّد في واشنطن وتل أبيب والرياض معًا، ودُفعت قيمتُه نقدًا من مسببات الانحطاط العميل لسلطة رأس المال الأمريكي الصهيوني في الخليج.
3. النهل من منبعَي الانحطاط
ولنكون منصفين حتى في التجريح: فإن "مناهج" التجهيل العربية لم تُخترع في الرياض في القرن العشرين؛ إنها تعود إلى منبعين عريقين ظلّا يُروَّجان في المناهج الدينية كلهما: ابن تيمية، فقيه الحروب والنصوص الذي أصّل للتكفير واللعن والجهيزة المغولية، وجعل العقلَ تابعًا للنقل في كلّ شأن؛ وأبو حامد الغزالي، الذي — رغم فقهه وصوفيته — رسّخ في "تهافت الفلاسفة" و"إحياء علوم الدين" عقليةَ الريبة في العلم والشكّ في المنطق، وأعطى لجيلٍ من العلماء المتزمّتين "الضوءَ الأخضر" ليحاربوا الفلسفةَ والعلوم الطبيعية بوصفهما زندقةً. من هذين المنبعين، ومن فقيه الاحتلال المغولي وفيلسوف الريبة، سحبت الأنظمة والمدارس السلفية ماءَها، وعلّقت على أعناق الأطفال أقفالَه القديمة، وزعمت أنها "أصالة" و"هوية" بينما كان الاختيار الفعلي لمدارس الاستشراق الاستعمارية التي وجدت في ابن تيمية ومحمد بن عبد الوهاب افضل السبل لإغراق العرب في الانحطاط والتفاهات و نهبهم بينما هم ملتهون بتكفير بعضهم البعض ، و بجنس الملائكة ، وحكم ضرطة الامام وقسوة الخليفة .
فإذا سألتَ: أين العرب من نهضة الأوروبيين بعد الغزالي في الغرب مقابل ما بعد ابن رشد في الشرق؟ فالجواب أننا — على يد هذين العملاقين المظلَّلين في وجوههما المظلمة — دفعنا الفاتورةَ كاملة: سبعة قرونٍ من تجميد العقل، أُعيد تسخينها في القرن العشرين بالنفط ومن مدارس الاستشراق في لندن و واشنطن و تل ابيب.
الفصل الثامن: مدارس الانتحار الجماعي — من القاعة إلى الساحة
. الإحصاء المظلم
ضع أصبعك على خريطة: أيّ بلدٍ عربيٍّ كثُرت فيه المدارس الدينية والمعاهد الشرعية، تجد فيه — في الغالب — ثلاثيًا مرعبًا: انهيارًا تعليميًّا في المرتبة الدنيا من التصنيفات العالمية، وبطالةً مؤسَّسة في صفوف الشباب، وعنفًا مقدَّسًا يستأصل أحياءً كاملة.
السعودية ومصر "الإخوانية" زمن الحكم الديني وباكستان "المدارس" ونماذج الساحل والمغرب العربي... كلُّها تقدّم المعادلة نفسها بأرقامٍ مختلفة: ملايين الخرّيجين من "علوم شريعة" و"دراسات إسلامية" لا يملكون مهنةً ولا فنًّا ولا صنعة، يقفون على أرصفة التوظيف الحكومي المنهَك، ثم يجدون في الخطاب الديني — الذي هو كلُّ ما تعلّموه — تفسيرًا جاهزًا لمراراتهم: أن العالم كافر، وأن وطنهم مظلوم، وأن النجاة في "الدولة" المنتظرة أو في "العمل" المبارك أو في الرصاصة.
هكذا تحوّلت المدرسة الدينية من "بيت علم" زعمتْ أنها إياه إلى خط إنتاج الانتحاريين — انتحارٍ شخصيٍّ بالمتفجرات، وانتحارٍ جماعيٍّ بالدولة، وانتحارٍ حضاريٍّ بالأجيال. وكلُّ ذلك لم يكن "انحرافًا" عن منهج المدارس الدينية؛ كان تطابقًا معه: فمن علّم طفلًا أن السؤال فتنة والحياة دارُ ابتلاءٍ والآخر كافر، فقد علّمه الدعوةَ نفسَها التي يترجمها الآخر بلغة البارود.
2. التريليونات المهدورة
والطامّة أن هذه الكارثة لم تكن مجانية. قُدِّرت إنفاقاتُ المحميات الخليجية ومن يدور في فلكها من أنظمة عربية كوادي عربة والكامب و الدول المطبعة — على مدى أربعة عقود — على التعليم الديني والدعوي والمدارس والقنوات والمؤسسات بمئات المليارات، بل تريليونات الدولارات. لو أُنفقت هذه الأموال على مختبراتٍ وجامعاتٍ بحثيةٍ ومعاهد تقنيةٍ ومدارس علمانية شيوعية ممتازة، كما فعلت الصين ، لكانت المنطقة اليوم بين كبريات قارات المعرفة.
لكن بدلًا من ذلك، نرى النتيجة الحية: أمّةٌ تستورد حتى مسمارَها، وتستهلك ثقافةَ الغرب بكل ما فيها من حياءٍ خفيّ، ولا تُنتج — بحجمها البشري وثرواتها — لا اختراعًا يُغيّر السوق ولا كتابًا يُغيّر الذهنية ولا فيلمًا يُغيّر الخيال. أمّةٌ أنفقت تريليوناتها "على اللاشيء والخردة" — كما يصوغها النقد — فأصبحت أحطَّ الأمم إخراجًا للناس في ما يتعلق بمستقبلها، رغم أنها تملك من الماضي ما يكفي من مساهمة بالحضارة اليونانية والعربية لإعادة اكتشاف ذاتها لو أُحسن الاستثمار في عقولها لا في خرافاتها.
الفصل التاسع: المدرسة العلمانية المخترَقة — جاسوسُ التخلف في بيت التنوير
1. القليلُ لا يعني الأمان
قد يقول قائل: ما دامت المدارس الدينية هي الكارثة، فلنعتمد على المدارس العلمانية — القليلة جدًّا — وخلاص.
هذا الكلام سليمٌ في قاعدته، لكنه يغفل خطرًا خفيًّا اكتشفته أجيالُ العرب في المنافي: أن الإخوانيَّ — ومن معه من سلطة الدعوة — لا يحتاج إلى مدرسةٍ شرعية ليُفسد؛ يكفيه مكتبٌ في وزارة، ومعيّنٌ في الإدارة، وأستاذٌ واحد في هيئة التدريس، و"مراقبٌ" تربويٌّ يحرس الأخلاق فكيف وقد سلمت سلطة رأس المال الأمريكي السلطة والمال لمحميات الخليج الظلامية ومن لفها من أنظمة الكامب ووادي عربة والمخزن و عصابة الإخوانج والقاعدة في دمشق .
وفي عقود التوافقات الإقليمية، شُيِّدت جسورٌ لا تُرى بين وزارات تعليمٍ عربية ووزارات تعليمٍ غربية: مشاريعُ تبادل طلابي ومعلمون زائرون ومنحٌ "دراسات إسلامية" وأنشطةُ "توعية دينية" تُقدَّم — بمالٍ خليجي سخيّ — إلى مدارس أوروبية وأمريكية رحبت بها نظرًا لضائقتها المالية. والنتيجة أن تلميذًا عربيًّا يولد في لندن أو باريس أو ديترويت، ويذهب إلى مدرسةٍ علمانيةٍ اسميًّا، يجد فيها — غالبًا — أستاذًا اخوانيًّا أو سلفيًّا في حصص اللغة العربية والتربية الدينية، ومنهجًا عربيًّا مستوردًا مُهرَّبًا من وزارته الأم، ومسجدًا حيًّا أو نادٍ إسلاميًا خلف المدرسة يُكملان ما بدأ.
فالجيلُ العربي المنشأ في المهجر، الذي كان يُفترض أن يكون أحرصَ الأجيال نهضةً وانفتاحًا، يجد نفسه مربوطًا بخيوطِ التخلف عبر برامج "العربية لغتي" المموَّلة من الظلام الخليجي الخادم للإمبريالية ، ومعاهد الصيف "القرآنية"، ومدارس السبت التي تُدرِّس — بدهشةٍ من الجهات الرقابية الغربية — ما يُشبه مناهج القاهرة وعمّان القديمة، لا مناهج نيوتن وابن رشد.
2. كيف تُكتشف الخيانة الصغيرة؟
هناك علاماتٌ تدلّ الأهل — إن انتبهوا — على أن مدرسةَ ابنهم "العلمانية" قد اخترقتها يدُ التدجين: معلّمٌ يستخدم حصّة النقد الأدبي ليُدين "العلمانية" ويُحرّم الموسيقى؛ مسؤولٌ يرفض رحلةً علمية بدعوى "الاختلاط"؛ مكتبةٌ مدرسية تقتحمها كتب الترابي والقرضاوي والشعراوي لا يجد فيها ابن خلدون ولا طه حسين؛ أنشطةٌ "تطوعية" تنقل التلاميذ إلى "معسكرات" الصيف الدعوية؛ وعلاماتٌ أدقّ: طفلٌ عاد إلى البيت ذات يوم وهو يخاف من صورة، أو يلعن، أو يسأل عن "الكفار" في حيّه بلا سببٍ سوى أن معلّمه "شرح".
إن مقاومة هذا الاختراق لا تكون بالصوت العالي وحده، بل بمعرفة الآباء، وبحضورهم في اجتماعات المدارس، وبمطالبة الإدارات بأسماء المعلمين ومصادر المناهج، وبالشكوى الرسمية حين يتحوّل التدريس إلى تبشير ظلامي وهابي اخوانجي قاتل للعقل، وبتعويض الحصص المفقودة بالثقافة الحقيقية في البيت: الكتاب، والموسيقى، والمتحف، والحوار.
الفصل العاشر: فلسفةٌ مفقودة — لماذا تُشيَّطن العلمانية؟
. الكلمة التي خُنقت
"العلمانية" — Secularity — هي، في أبسط تعريفاتها، مبدأُ فصل أدوات الدولة وأدوات المعرفة العلمية عن سلطة الفتوى والمنبر؛ مبدأُ أن يتعلّم الطفل الفيزياءَ من مدرّس الفيزياء، لا من مفتٍ؛ وأن تُبنى المناهجُ على المعرفة المتجددة، لا على التراث المتجمد. هي ليست — كما يزعم أهل الظلام — حربًا على الدين، بل حربٌ على هيمنة الدجّالين على العقول.
فلماذا صارت أخطرَ الكلمات في قاموس التخلف العربي؟ لأن العلمانية الشيوعية هي العدوُّ الأوحد لمشروع المعلم المدمّر. المعلم الشيوعي/العلماني يعلّم الطفل أن يعترض، والعلمانية تضمن له حقَّ الاعتراض؛ فالحربُ على العلمانية هي، في العمق، الحربُ على ذاك الطفل الذي تعلّم من درويش أن يكون حرًّا. ولهذا جُنَّ جنونُ الرابطة والاتحاد ومشايخ القنوات ضد أيّ مدرسةٍ علمانية شيوعية نجحت — من تونس أيام بناء الحداثة إلى تجارب الكردية والأسدية المختلطة — فأُطفئت واحدةً بواحدة، أو حُوصرت حتى نزفت.
2. العلمانية بوصفها شجاعةً تربوية
لنتذكّر أن شيخُ الجمهورية الأصلي، الذي اقتحم عالم الأزهر وحوّله إلى صرح تنويرٍ مؤقت، كان طه حسين — الرجل الأعمى الذي أراد أن يُعلّم كلَّ المصريين، وكانوا يسمّونه "كافرًا". وقد قالوا فيه ما قالوا في كل معلّم شيوعي علماني، لأن كليهما — مهما اختلف الفقه والفلسفة — يقف عند السؤال نفسه: من يملك حقَّ تشكيل عقل الطفل: المعرفة أم السلطة؟
العلمانية الشيوعية في المدرسة هي أن يُجابَ عن هذا السؤال بكلمةٍ واحدة: المعرفة. وأن يعود المعلمُ إلى مقامه الحقيقي: ليس رجلَ دينٍ مصغَّر ولا موظفَ وعظ، بل حارسِ حرّية التلميذ حتى يبلغَ أشدَّه فيختار بعقله.
انتهينا الآن من رسم ظلال الصورة أيّها القارئ: رأينا الأنظمة وهي تبيع المستقبل بالتخلف، ورأينا أسواقَ النفط وهي تشتري العقول بالخرافة، ورأينا شيوخَ القنوات ودماهم الكبار يبنون مدارس الانتحار الجماعي، ورأينا حتى المدارس العلمانية القليلة في لندن وباريس وبروكسل وهي تُخترَق من الداخل.
……….
الفصل الحادي عشر: منشورُ الآباء — سؤالُ المقعد الأخير
1. أن تسأل قبل أن تدفع
هناك لحظةٌ في حياة كل أسرةٍ عربية لا يُعطيها الآباء حقّها: لحظة اختيار المدرسة. يقضي الوالدان شهورًا في مقارنة الأسعار ومواقع البنايات ونتائج الشهادات، ثم يوقّعان في خمس دقائق على مصيرٍ يمتدّ لاثني عشر عامًا. وكأن المدرسة سلعةٌ كالسيارة: تُقارَن مواصفاتُها ويُنسى السائق.
لكن المدرسة ليست مبنًى ولا منهجًا معلَّقًا على الجدار؛ المدرسة هي الإنسان الذي يقف بين طفلك والعالم. ولذلك فإن أول واجبٍ للأب هو أن ينقل مركز ثقل سؤاله من "أين المدرسة الجيدة؟" إلى "من يعلّم فيها؟".
ولتكن هذه القاعدة الأولى في منشورنا: لا مدرسة جيدة بمعلمين سيئين ، ولا مدرسة سيئة بمعلمين أحرار. الدليل أن درويش تعلّم في ظروفٍ ممزقة، لكن معلّمًا واحدًا علمانيًّا شيوعيًّا كفاه تاريخًا كاملًا من التنوير. والعكس صحيح: فأفخم مبنىً مدرسي في أغنى أحياء الخليج قد يكون — وقد يكون فعلًا — غرفةَ تحجيمٍ منظَّمة لعقول الأطفال، بمكيّفاتٍ باردة وظلمةٍ دافئة.
2. أسئلة الفحص العشرة
قبل أن تُسجّل ولدك، أيّها الأب، وقبل أن تنتقل إلى حيٍّ آخر من أجل مدرسة، اسأل — بهدوء المحقق لا بحدّة الخصم — هذه الأسئلة العشرة، في المدرسة وفي الأحياء وعلى مجموعات أولياء الأمور:
الأول: ما نسبة المعلمين الحاصلين على شهاداتٍ جامعية أدبية وعلمية حقيقية، مقابل حملة "الإجازات الشرعية" و"المؤهلات الدعوية"؟ فالمعلم الذي لم يقرأ نصًّا أدبيًّا في حياته لا يمكن أن يشرف على صحة لغة ولدك — وهذا كلام درويش نفسه: المعلم المشرف على الصحة لا ناقل المعلومات.
الثاني: هل يوجد في المدرسة درسٌ للتربية الدينية بوصفه تلقينًا عقائديًّا، أم يُدرَّس التاريخُ الديني بوصفه معرفةً إنسانيةً ضمن منهج التاريخ والحضارات؟ الفرق بين الاثنين هو الفرق بين مصنعٍ ومدرسة.
الثالث: ماذا تُنتج المدرسة؟ اسأل عن خرّيجيها من عشر سنين: كم شاعرًا وكاتبًا ومهندسًا وموسيقيًّا وعارضًا ومبتكرًا أخرجت، وكم خرّيجًا يعرف الفتوى ولا يعرف الفيزياء؟ فسجلُّ الإبداع هو سجلُّ الإدانة أو البراءة الحقيقي.
الرابع: كيف يتعامل المعلم مع الاعتراض؟ اختبر هذا بنفسك في لقاءٍ مفتوح: قدّم رأيًا مخالفًا أمام المعلم المفترض، وراقب. إن ابتسم وناقشك، فابنك في أمان. إن ضاقّ أو لعن أو استشهد بآية، فابنك في خطر — حتى لو كانت رسوم المدرسة أغلى ما دفعت.
الخامس: هل توجد مكتبةٌ حيّة يدخلها التلاميذ طوعًا، فيها ابن خلدون و ابن رشد وماركس ولينين وماوتسي تونغ وماركيز وبابلو نيرودا ونجيب محفوظ وطه حسين وأحمد صالح سلوم وعالم الطفل والموسوعات العلمية، أم رفوفٌ من كتب الترابي والقرضاوي والشعراوي مصحوبةً بكراسات "تزكية"؟
السادس: ما لغة الإدارة في التعامل مع الفنون؟ اسأل عن الموسيقى والمسرح والرسم: هل هي "أنشطة" مرحّب بها، أم بدعٌ يُستأذَن فيها ويُراقَب؟ فمدرسةٌ تخاف من الموسيقى سوف تُخيف ولدك من الحياة.
السابع: من يموّل؟ تتبّع جهة التمويل والهبات والمنح والزيارات: فمدرسةٌ تتلقى هباتٍ "خيرية" خليجية موجَّهة هي مدرسةٌ يجلس في مكتبها المدمّر، حتى لو لم يظهر بعد.
الثامن: اسأل المعلمين أنفسهم — في اللقاءات إن أمكن — سؤالًا واحدًا بسيطًا: ما آخر كتابٍ قرأتموه؟ وسؤالًا ثانيًا: ما رأيكم بإبداع التلميذ الذي يخالف قناعاتكم؟ فإجابتان صادقتان تكفيان عن مئة استمارة تقييم.
التاسع: ما موقف المدرسة من التلميذ المختلف؟ فالمدارس التي تكافئ "المطيع" وتعاقب "الغريب" لا تُربّي إلا الجنود، والجند لا يبدعون.
العاشر: وأخيرًا — وهذا أدقّ الأسئلة — اسأل نفسك: هل أرى في معلمي ولدي صورةَ ذاتي التي أريدها لابني بعد عشرين عامًا؟ فإن كنت لا تتمنى لنفسك أن تكون هذا المعلمَ، فلا تتمنَّه لولدك.
الفصل الثاني عشر: المعلم الشيوعي — لماذا هو، لا سواه؟
1. لأن التاريخ شاهدٌ لا يُرشى
في هذا المنشور نحن لا ندعو إلى حزبٍ ولا إلى لونٍ سياسي؛ ندعو إلى نوعٍ بشريٍّ من المعلمين اختبره التاريخ العربي فشهد له، وشهادته نطقها — دون أن يُطلب منها — أحد أكبرُ شعراء العرب في العصر الحديث.
لماذا المعلم الشيوعي تحديدًا؟ لأنه — في سياقنا العربي — يجمع ثلاث صفاتٍ نادرة:
الثقافة الموسوعية الحية. هو القارئ الأوفى في جيله؛ صاحب المكتبة لا صاحب الكراسة. وحين يشرف على "صحة لغة" التلميذ التعبيرية العميقة — بوصف درويش — فهو يشرف بذائقةٍ نشطة مدرَّبة على العالم كله، لا على نصٍّ واحد يُحفَظ.
الإيمان بالطفل بوصفه إنسانًا كاملَ الحقوق. في فلسفته، الطفل ليس ناقصَ إيمانٍ يُكمله الكبار، بل إنسانٌ كاملٌ يحتاج إلى أدوات. ولهذا لا يخيف ولا يُرهب؛ يشرح ويحرّض على السؤال.
الشجاعة التي تُعدي. أن يكون معلّمًا شيوعيًّا في مجتمعٍ تشيّطنك فيه المنابر كلها، ثم تقف أمام تلاميذك صباحًا وتعلّمهم أن يعارضوا — فهذا فعلُ شجاعةٍ يومي، والشجاعة وحدها هي مادة القدوة التي تُنقل بالعدوى. وقد قال درويش إن معلّمه شجّعه على أن يكون معارضًا؛ فلنتأمّل: لو أن كلَّ طفلٍ عربي تعلّم هذا الدرسَ الواحد — أن يعارض — لانهارت جدرانُ الخوف التي بناها الظلام قرونًا في رؤوس الأجيال.
2. الاعتراض المنتظر
سيقول معترض: لكن بين الشيوعيين من كان قاسيًا، وبين العلمانيين من هو ناكرٌ للأدب، وإن لم يكن المعلم الجيّد حكرًا على لون.
ونردّ: صحيح، والكتيّب لا ينفي. لكن السؤال العملي للأب المضغوط بوقتٍ وجغرافيا محدودَين هو: أين تتركز الاحتمالات؟ وقد أجاب التاريخ: في مدرسة المعلم الحرّ العلماني الشيوعي الواسع الثقافة — وهو في واقعنا العربي المعاصر كان، وما زال في الغالب، من الرعيلة التي غرست فيها فلسفة الإنسان الكامل: المعلمون الذين تربّوا في حركة يسارية وشيوعية وعلمانية ثقافية. وليس هذا تحيّزًا؛ هذا إحصاءُ إبداع.
الفصل الثالث عشر: المدرسة المعاكسة — البيت لا يستسلم
1. حين لا تجد المدرسة الحرّة
سيقول أبٌ واقعي: كلُّ هذا جميل، لكني أعيش في مدينةٍ لا مدرسة علمانية حقيقية فيها، أو في بلدٍ مهجَّرين، أو لا أملك رسوم المدارس الجيدة. فماذا أفعل؟
الجواب: أن المعركة التربوية لا تُخسر لأن خُسرت معركةُ التسجيل. البيتُ العربي — أي بيت — قادرٌ على أن يبني "مدرسةً معاكسة" تُبقي عقلَ الطفل حيًّا رغم حيطان المدرسة. وهي خطةٌ عملية في خمس ركائز:
الركيزة الأولى: الحوار اليومي. اسأل ولدك كلَّ مساء: ماذا تعلمت اليوم؟ ولا تكتفِ بالإجابة؛ اقلبها: وماذا لم يشرحه أستاذك؟ وماذا لو كان الأمر معكوسًا؟ هذا السؤال الأخير — "وماذا لو؟" — هو التمرين الأول للعقل المعارض، وهو الدرس الذي تلقّاه درويش من معلّمه مجانًا.
الركيزة الثانية: المكتبة المنزلية. خزانةٌ واحدة في البيت تضم نصوصًا أدبيةً وعلميةً للأطفال واليافعين تساوي مركزَ ثقافيٍّ كامل في أيّ حيّ فقير. واجعل للقراءة وقتًا مصونًا، وأقرأ أنتَ أمام أبنائك؛ فالطفل لا يفعل ما تقوله، يفعل ما يشاهدك تفعله ساعةً بعد ساعة.
الركيزة الثالثة: الصحة اللغوية. درّب ولدك — كما تدرّب المعلم الجيد — على صحة التعبير وعمقه لا على "صحة العقيدة": شجّعه على أن يكتب عن غضبه وخوفه وحبه بحرّية، ولا تصحّح له فكرتَه بل لغتَه. فالفكرة ملكُه، واللغة أداته
الركيزة الرابعة: الترياق ضد الخوف. إذا عاد ولدك من مدرسته بفكرةٍ مُخيفة — الكفار، العذاب، الحرام — فلا تسخر منه ولا تعاقبه؛ ناقشه. علّمه أن الخوف سلعةٌ يبيعها الجبناء. فالطفل الذي يتعلّم في بيته أن يسأل عن مصدر رعبه، لن يبقى رعبه طويلًا.
الركيزة الخامسة: القدوة الحيّة. قدّم لولدك نماذج حيّة من المبدعين الاحرار: الشعراء، والعلماء، والفنانين، والمفكرين العلمانيين الذين صنعوا حضاراتهم. فالطفل الذي يعرف قصة ابن رشد والصورة التي فُرضت عليه، وقصة طه حسين الذي سُجن لأنه أراد أن يعلّم الناس، وقصة المعلم الشيوعي الذي علّم درويش الحرية — ذلك الطفل سيكون حصينًا، لأنه يملك بدائلَ لقاموس الخرافة الذي يُفرض عليه.
2. ساعة واحدة يوميًّا
لو أعطى كلُّ أبٍّ عربيٍّ ولدَه ساعةً واحدة يوميًّا من هذا الترياق، لقلبنا في جيلٍ واحد اتجاهَ التيار كله. فالتخلف يعمل بنظام "الحصة اليومية": خمس حصص في المدرسة، وحصّة في المسجد أو المركز الدعوي، وحصصٌ على القنوات والهواتف. ونحن نطلب ردًّا متواضعًا: حصةٌ واحدة للحرية. ساعةُ حوارٍ وقراءة ودهشةٍ مشتركة. فإذا انتصرنا فيها، انتصرنا في الجذر، وما الجذر إلا تفاصيلَ يوميةٍ متراكمة.
الفصل الرابع عشر: مشروع النهوض — من قاعة درويش إلى خريطة العرب
1. ماذا لو أسّسنا "رابطة معلمي الحرية"؟
الفكرة التي نطرحها ختامًا ليست حلمًا بل مشروعًا: أن يجتمع في كل بلدٍ عربي المعلمون العلمانيون والشيوعيون والأحرار — الذين كُسروا وشُوّهوا وشُيّطنوا عقودًا — في رابطة معلمي الحرية: تضع معايير مهنية للمعلم الحرّ، وتُصدِر تقارير عن المدارس، وتنشر "دليل الآباء" مثل هذا الكتيّب بلغاتٍ مبسطة، وتدافع عن كل معلّم يُحاكَم لأنه علّم التلاميذ أن يكونوا معارضين.
وأن يقوم شبابُ المهجر — أولئك الذين تعلّموا في جامعات الغرب حرّيةَ التفكير — بإنشاء مدارس افتراضية عربية علمانية: منصاتٌ تعليمية حرّة، بمناهج أدبية وعلمية نقية، تصل إلى الطفل العربي أينما كان: في حيٍّ شعبي في بغداد، أو في ضاحية لندن، أو في مخيّمٍ للنازحين. فالتكنولوجيا التي استعملها الظلامُ ليُغرقنا، قادرةٌ — إذا أُمسكت باليد الصحيحة — أن تكون قناة النجاة.
2. الدروس الثلاثة من الصين والجنوب
من الصين نأخذ الدرس الاستراتيجي: الدولة التي علّمت أبناءها العلمَ والعمل والفكر النقدي صارت — في جيلين — من قادة العالم، رغم أنها بدأت أفقرَ من أغلب بلادنا بسبب الاحتلال الإنكليزي والياباني والغربي. ومن اليمن الجنوبي نأخذ الدرس التأكيدي: شعبٌ واحد، في بيئةٍ واحدة، حين ينال تعليمًا علمانيًّا حرًّا يفوق شعوبَ النفط إبداعًا في عقدين. ومن مقابلة القدس قبل أن تشتريها محمية العيديد القطرية الصهيو أمريكية نأخذ الدرس الإنساني: معلّمٌ واحد حرّ يكفي ليصنع شاعرًا، وشاعرٌ واحد حرّ يكفي ليحفظ له أمةٌ ذاكراها.
اجمع هذه الدروس الثلاثة، فيخرج لك مشروعٌ كامل: تعليمٌ عربي علماني حرّ، معلّمٌ واسع الثقافة شجاع، وأسرةٌ لا تتنازل عن حقّها في معرفة من يقف أمام ولدها.
3. رسالة إلى الوزارات — إن بقي فيها خير
ولن يكتمل النهوض من دون مواجهة سياسية صريحة مع منظومة التجهيل. فنحن نطالب — بصوتٍ واحد — كلَّ وزارة تربيةٍ عربية بخمسة:
إغلاقُ مدارس التلقين الطائفي ومناهجه المستوردة، ومحاسبةُ من أدخلها. وإعادةُ تأهيل المعلمين ببرامج ثقافية حقيقية، مع استبعاد المدمّرين فردًا فردًا — لا قطيعًا ولا تنظيمًا، بل بأسمائهم وسجلاتهم، كما يُستبعد المعلم الذي يعنّف الأطفال. وإدماجُ الأدب والفلسفة والتاريخ الحضاري في صميم المناهج، لا في هامشها. وحمايةُ المعلم الحرّ قانونًا: فلا يُحاكَم معلّم لأنه درّس وليده درسَ المعارضة. وفصلٌ حقيقي لأدوات المعرفة عن أدوات الإفتاء، بما يكفل للطفل أن يتعلّم الفيزياءَ من الفيزيائي، والأدبَ من الأديب، والإيمان — إن شاء يومًا — من قلبه لا من مقعده المدرسي.
الفصل الخامس عشر: الوداع — رسالة إلى الطفل الذي لم يولد بعد
1. شهادة أمام التاريخ
أيها الطفل الذي لم يولد بعد، في أيِّ حيٍّ من حواري هذه الأمّة:
يُروى أن تلاميذًا من القدس سألوا يومًا شاعرًا عظيمًا عن معلّمه، فقال لهم إنه كان شيوعيًّا، وإنه لم يعلّمه "الأدب الشيوعي" — فلا يوجد شيءٌ اسمه ذلك — وإنه علّمه أن يعبّر عن نفسه بحرّية وأن يكون معارضًا. وكان درويش — الذي علّمنا أن "نحيا لهذه اللحظة" — يعرف أن اللحظات التي تُصنع فيها الحضارات هي لحظاتٌ صفية كهذه: تلميذٌ، ومعلّم، وسؤال.
نحن — جيلُ الكتائب والحواجز والقنوات المشبوهة — نترك لك تركةً ثقيلة: مدارسَ كثيرةٍ لا تعلّم، ومعلمين كثرٍ لا يعرفون، وثرواتٍ مهدورةً على الخردة واللاشيء. لكننا نترك لك أيضًا شيئًا آخر: السؤالَ الذي بدأ من رام الله من مركز خليل السكاكيني الثقافي لطلبة الفرير من القدس القديمة ، والجوابَ الذي لم يُحذَف من الصحيفة، والشاهدين الحيّين اللذين لا يمكن دفعهما: الصين التي صنعت نهضتها بالعلم، والجنوب اليمني الذي صنع إبداعَه بالمدرسة الحرّة.
وقد بذلنا ما بذلناه في هذا الكتيّب لنقول لأبيك — قبل أن تولد — جملةً واحدة، فإن وصلتك يومًا فأهلاً بك في العالم:
ابحث عن معلّمك كما تبحث عن حياتك؛ فمن علّم درويش صنع درويش، ومن يعلّمك سيصنعك أنت. ولا تقبل أن يكون معلّمك إلا إنسانًا يؤمن بك، ويرى فيك إنسانًا كاملًا، ويشرف — كما قال الشاعر — على صحة لغتك وصحة تعبيرك، ويرشدك إلى الطريق، ويترك لك الحرية في أن تمشي فيه بقدميك أنت.
2. اللحظة الأخيرة
في ختام هذا الكتيّب، نعود حيث بدأنا: إلى قاعةٍ المركز الثقافي في رام الله القدس وفيه طلاب من القدس أمام شاعرهم ، وتلاميذٍ رفعوا أيديهم، وصحيفةٍ لم تحذف السؤال. فلكلِّ من ساهم في نشر هذه المقابلة كاملةً شكرٌ موصول؛ ولكلّ معلّمٍ علمانيٍّ شيوعيٍّ حرّ يقف الآن في قاعةٍ ما — في حيفا أو حمص أو عدن أو القاهرة أو الدوحة أو الكويت أو جدة أو بيروت — محاطًا بالاتهامات، يعلّم أطفالًا أن يعبّروا بحرّية: أنتم الردُّ الحيّ على كل فتوى تكفير. ولستم وحدكم بعد اليوم؛ فهذا الكتيّب شاهد، والآباءُ يستيقظون، والتاريخُ — مهما طال ليلُه — صباحُه آتٍ لا محالة.
وأخيرًا، فلتتردّد في المدارس العربية — بدلًا من أهازيج الخنوع — كلماتُ الشاعر الذي علّمه معلّمٌ حرّ:
على هذه الأرض ما يستحق الحياة.
ومن علّمنا أن نحياها بكرامة، كان — كما المعلم الأول — شيوعيَّ الأثر قبل أن يكون شيئًا آخر.
خاتمة الكتيّب
كان هذا الكتيّب دعوةً لا موسوعةً، وشهادةَ عصرٍ لا حكمَ تاريخ. وإذا أردتَ أيها القارئ خلاصةَ الصفحات كلِّها في سطرٍ واحد، فهو:
أن أجيالَ الانتحار الجماعي صُنعت في مدارس التلقين، وأجيالَ الحياة تُصنع في مدارس الحرية — والفرق بينهما معلّمٌ واحد: فاختره لولدك كما تختار له حياته.
وإلى لقاءٍ آخر في كتبٍ أخرى، إن عشنا، وإن عاش السؤال.