بلجيكا تشتعل من الداخل: حين يكتب الشباب على الإسفلت بيانًا جديدًا عن المستقبل
احمد صالح سلوم
الحوار المتمدن
-
العدد: 8853 - 2026 / 10 / 9 - 10:47
المحور:
مواضيع وابحاث سياسية
يستعيد الشارع الأوروبي صوتَه المبحوح، في زمنٍ تتراجع فيه الديمقراطية إلى مجرد إجراءات شكلية وطقوس انتخابية دورية،
ويرفض أن يظل تابعًا صامتًا لمنطق الأسواق. ففي قلب أوروبا، وعلى بعد أمتار من مقرّات الاتحاد الأوروبي وحلف الناتو، يخرج جيلٌ كامل ليقول إن المستقبل لا يُدار بمعايير وكالات التصنيف الائتماني، وأن التعليم ليس بندًا ماليًا قابلًا للاقتطاع، بل هو الجذر الحي الذي تُبنى عليه أمم بأسرها.
صخب المدن وسكوت الدولة
في شوارع لييج وبروكسل، حيث تتقاطع عراقةُ العمارة الأوروبية مع صمت اليأس الاجتماعي، خرج آلاف الطلبة خلال الأيام الماضية في مظاهرات كثيفة، بدا وكأنهم يخطّون على الإسفلت البارد فقرةً أولى من دستورٍ جديد للوجدان الجمعي. لم تكن تلك الحشود مجرّد احتجاجات طلابية عابرة تذوب في فوضى الأخبار اليومية، بل كانت — في عمقها — انفجارًا داخل قلب منظومة سياسية فقدت قدرتها على الإصغاء، وانحرفت عن وظيفتها التاريخية في حماية الصالح العام.
فعلى النقيض من دولة الرفاه التي ساهمت في رسم هوية أوروبا الحديثة، تقف بلجيكا اليوم أمام واقع مؤلم: رفع الرسوم الجامعية بنسب غير مسبوقة، وتقليص ميزانيات المدارس العامة، وإنهاك المعلمين بأعباء إدارية لا تنتهي، وتدهور بنى تحتية تُرث عبر أجيال. لم تأتِ هذه الإجراءات من فراغٍ عابر، بل نبعت من رؤية حكومية لا تعدو في جوهرها كونها ترجمةٌ حرفية للعقيدة النيوليبرالية، تلك التي تعتبر التعليم كلفةً لا استثمارًا، وترى في الطالب حالة اجتماعية تستوجب الاقتطاع لا حماية.
وفي لييج ، المدينة التي تحمل ذاكرة الطبقة العاملة ومقاومتها التاريخية، بدا المشهد أكثر حدةً وأشدُّ دلالة: طلبةٌ يواجهون خراطيم المياه، قاصرون يُقتادون إلى التوقيف، ومدارس تُغلق أبوابها خوفًا من غضبٍ لم يعد قابلًا للاحتواء. إنها المدينة ذاتها التي شهدت على هامش الحرب العالمية الأولى مسيرةَ نساءها الشهيرة، تعيد اليوم تاريخَها المعاد، لكن بلغة جيلٍ جديد لا يعرف الاستسلام.
العاصمة التي تتظاهر ضد نفسها
وفي التاسع من الشهر الجاري، تستعد بروكسل لمظاهرة واسعة لا تُقرأ بوصفها حدثًا سياسيًا اعتياديًا، بل بوصفها لحظة مواجهة رمزية بين المدينة ومؤسساتها ذاتها. فبروكسل ليست مدينة عادية في الجغرافيا السياسية؛ إنها مركز القرار الأوروبي، وأعرق أسواق اللوبيات المالية، ومقرّ حلف الناتو. والاحتجاج في شوارعها ليس احتجاجًا على حكومة محلية عابرة، بل مواجهة مع بنية كاملة تُعيد إنتاج السياسات نفسها تقريبًا في كل العواصم الغربية: تقشفٌ، وخصخصة، وعسكرة، وتراجع مستمر لدور الدولة الاجتماعية.
هنا يتجلّى ما أطلق عليه المفكر العالمي سمير أمين مصطلحَ «أزمة المركز الرأسمالي»: أوروبا التي طالما تباهت بنموذجها الاجتماعي الفريد، باتت اليوم تنقل أزماتها البنيوية إلى شبابها، وتعيد توجيه مواردها من التعليم والصحة إلى الإنفاق العسكري المتصاعد، في لحظة تاريخية تتقاطع فيها النيوليبرالية مع التوترات الجيوسياسية، فتنتج معادلةً قاسية يدفع ثمنها دائمًا الطرف الأضعف.
وعي طبقي جديد يولد من رماد الأزمة
غير أن ما يميّز هذه الاحتجاجات ليس حجمَها الميداني وحده، بل طبيعتها الجوهرية. فالطلبة لا يطالبون بتخفيضٍ بسيط في الرسوم أو تعديلٍ شكلي في التشريعات، بل يواجهون نموذجًا اقتصاديًا كاملًا. إنهم يدركون — ولو بطريقة غير ممنهجة — أن مستقبلهم يُنهب لصالح أقلية مالية نافذة، وأن الدولة لم تعد تمثلهم بقدر ما تمثل مصالح رأس المال الاحتكاري الذي يضغط على الحكومات عبر الأسواق والديون ووكالات التصنيف.
هذا الوعي الجديد، الذي يجمع تحت خيمته الطلبة والمعلمين والطبقات العاملة والعائلات المثقلة بالغلاء، يعيد تشكيل الخريطة السياسية في بلجيكا، تمامًا كما حدث في برلين حين تحولت احتجاجات السكن إلى قوة انتخابية غيّرت ميزان القوى في المدينة. إنهم ليسوا طلابًا يطالبون بامتياز جامعي، بل مواطنون يُعيدون تعريف العقد الاجتماعي بأكمله.
بلجيكا أمام مفترق طرق
لا يمكن التنبؤ بنتائج الانتخابات المقبلة، ولا يصح الجزم بأن اليسار سيصعد إلى سدة الحكم أو أن التأميم سيعود كسياسة مركزية في القارة العجوز. لكن ما يمكن التأكد منه أن الاحتجاجات الراهنة تُضعف شرعية الأحزاب الحاكمة، وتفتح الباب أمام تحول سياسي أوسع، لأن الأزمة لم تعد تقنية تُحل بمعادلات مالية، بل وجودية تمسّ حياة ملايين المواطنين.
فبلجيكا تقف اليوم أمام سؤال كبير بلغة بسيطة: هل تبقى دولةً تُدار بمنطق التقشف والامتثال المذل للأسواق، أم تعود إلى وظيفتها الأصلية كدولة تحمي التعليم والصحة والطبقات الشعبية؟
الطلبة في لييج وبروكسل لا يملكون الإجابة النهائية على هذا السؤال، لكنهم يملكون شيئًا أهم وأعمق: القدرة على تغيير المزاج العام، وإعادة تعريف معنى السياسة في بلدٍ أنهكته عقود من العقيدة النيوليبرالية.
في زمنٍ تتراجع فيه الديمقراطية إلى مجرد إجراءات شكلية، يصبح صوت الشارع هو اللغة الأخيرة التي يمكن أن تُعيد السياسة إلى معناها الأول: خدمة الناس، لا خدمة الأقلية المالية. إن الاحتجاجات البلجيكية ليست حدثًا محليًا معزولًا، بل علامة مبكرة على تحول أوروبي أوسع، حيث ينهض جيلٌ جديد ليقول بصوت عالٍ إن المستقبل ليس ملكًا للأسواق، بل لمن يدرسون في مدارس مكتظة، ويعيشون في مدن غالية، ويحلمون بوطنٍ لا يُدار كشركة، بل كبيتٍ للجميع.
وعلى هذا الإسفلت الذي تغسله خراطيم الشرطة كل ليلة، يُكتب في الصباح نصٌّ جديد لم يستكمل بعد... لكن حبره، هذه المرة، لن يجفّ.