قراءة ناقدة في كتاب -كنت اتحاديا- لعبد الجليل باحدو (الجزء الثامن والأربعون)
أحمد رباص
الحوار المتمدن
-
العدد: 8767 - 2026 / 7 / 15 - 02:53
المحور:
الادب والفن
من خلال هذا العنوان: "اليازغي وجزيرة ليلى"، الذي يتوسط الصفحة (468)، يعود بنا الكاتب إلى الأزمة المرتبطة بهذه الجزيرة القريبة جدا من الساحل المغربي، والتي اثيرت يوم حادي عشر يوليوز 2002 بعد ان نزلت فيها فرقة تابعة للدرك الملكي. برر المغرب عملية الإنزال بـ"محاربة التهريب والهجرة السرية".
عقد الملك محمد السادس مجلساً وزارياً مستعجلاً لإطلاع الحكومة على النازلة. بهذه المناسبة، طلب اليازغي "إيضاحات" بحجة حق البرلمان والشعب في المعرفة، ولاحظ أن الوزير الأول اليوسفي لم يكن على علم بالعملية.
جاء رد الملك حادا وطالب اليازغي بمراجعة الدستور، وإن لم يكن راضياً فليقدم استقالته. من جانبه، استهجن المدغري، وزير الأوقاف والشؤون الإسلامية تدخله، واعتبره "مثيراً للاستياء".
وكانت المفارقة قبل الاجتماع بأيام إذ صرح اليازغي لصحيفة مصرية بأن الأوان آن لتتخلص الدولة من أعباء القصور الملكية. ومباشرة بعد الاجتماع أرسل الملك مقرباً يسأل اليوسفي: هل موقف اليازغي هو موقف الحزب؟ لكناليوسفي تبرأ منه فوراً، بينما دخل اليازغي "في حالة من المسكنة والبهدلة يقدم الاعتذار ويكرر الأسف على ما بدر منه".
في محاولة منه للكشف عن نفاق اليازغي التاريخي، أعاد الكاتب إلى الأذهان موقفه القديم مع بوعبيد أمام الحسن الثاني الذي قال له: "مولاي إن كلامكم هو الدستور وكل كلمة صدرت عنكم مقدسة". لذلك اعتبره بعض مثقفي الحزب "موظفاً بسيطاً يغيب عنه الفكر وعمق الثقافة".
في نهاية المطاف، تم حل المشكل بوساطة أمريكية بطلب من إسبانيا. والنتيجة هي أن اليازغي "نجا من المحاسبة وظل ممسكاً بالمقعد".
إجمالا، فضحت الحادثة ثلاثة أشياء: (1) هشاشة "التناوب" التي ظهرت من خلال جهل الوزير الأول والحزب بعملية سيادية. (2) ازدواجية شخصية اليازغي التي دل عليها انتقاله من اعتبار كلام الملك مقدسا، مرورا بالتعبير عن رغبته في التخلص من أعباء القصور وصولا إلى الاعتذار المذل. (3) منطق المخزن: من يخطئ في حق الملك يُهان علناً لكن لا يُحاسب إن كان "مفيداً"، بل يبقي في منصبه.
وهكذا نجد أن أزمة جزيرة ليلى كشفت أن حكومة التناوب كانت خارج دائرة القرار الحقيقي، وأن قادتها مستعدون لبيع بعضهم مقابل الكرسي.
غطت تفاصيل عنوان "اليسار الإداري يكرم إدريس البصري" صفحة ونصف (470/469). من هذه التفاصيل حفل التكريم المقام يوم سادس دجنبر 1999 على سبيل توديعه بعدما تمت تنحيته من طرف الملك محمد السادس بطريقة "مهينة" يوم 29 شتنبر 1999. منعه الجنرالان بنسليمان وعروب من الخروج من القصر يوم جلوس الملك الشاب على عرش أسلافه المنعمين، ومع ذلك أقام له اليوسفي حفل وداع "من ماله الخاص" وليس من المال العام.
كان اليوسفي يناديه بـ"سيدي إدريس" رغم العراقيل التي وضعها أمامه وهو وزير أول.
مرة أخرى، تظهر ازدواجية اليازغي بجلاء: فبعدما استضافه لحفل العقيقة رفض حضور حفل تكريمه، وكتب يقول: "لا يمكن تكريم ربع قرن من تزوير الانتخابات".
على ذلك، عقب الكاتب فاضحا إياه: تلك "مزايدة من تاجر سياسي صغير" مع أنه كان المستفيد الأول من التزوير، وربطته علاقة خاصة بالبصري.
في يوليوز 1979، بعد 3 أشهر فقط من قمع إضراب 10-11 أبريل للتعليم والصحة، استدعى اليازغي البصري لحضور عقيقة ابنه علي. وحضر مناضلون من بني ملال فاستنكروا وغادروا غاضبين. "بعد 20 سنة اعتقد أن الزمن كفيل بالنسيان".
لم يكن اليوسفي وحده على علاقة بإدريس البصري. فقد زار الأخير عبد القادر الشاوي اليساري المحكوم بـ30 سنة سجناً قبل تعيينه سفيراً في الشيلي. كما زار البصري بيت يونس مجاهد لتقديم العزاء في وفاة ابنه، رغم أن مجاهد كان ينتمي إلى منظمة "إلى الأمام" وحكم عليه سنة 1977 بـالسجن لمدة 10 سنوات على خلفية قضية السرفاتي.
في رد فعل الشارع والصحافة، اشعل مناضلو حقوق الإنسان وضحايا القمع الشموع أمام إقامة الوزير الأول تعبيرا عن احتجاجاهم، فيما أطلقت صحافة الدولة على الاتحاد لقب "اليسار الإداري"، واعتبرت أن قبول البصري في الحكومة ثم تكريمه بعد طرده أظهرا حقيقة اليوسفي وتهافته وتعطشه للسلطة مهما كان الثمن. لكن اليوسفي "لم يكن يهتم بما تقوله الصحافة عن مبادراته الكارثية". وهكذا نلاحظ أن الاتحاد الاشتراكي تحول من حزب معارض تقمعه الداخلية إلى قائد حكومة تدافع عن وزير الداخلية وتكرمه.
اليوسفي واليازغي والأموي والراضي والمالكي ولعلو وآخرون كلهم مارسوا نفس النفاق: العلاقة الخاصة مع البصري في السر، و"الموقف المبدئي" في العلن عند الحاجة. بعبارة واحدة، كان حفل 6 دجنبر 1999 بمثابة خاتمة مسرحية "التناوب": اليسار الذي سجنه البصري هو نفسه من أقام له حفل الوداع.
وإذا تضمن العنوانان السابقان معلومات تنتمي إلى ذاكرة حزب مغربي عتيد صار عزيز قوم ذل، فقد تخللت فقراتهما أخطاء كثيرة لن نقف هنا على ما يمت منها إلى استعمال علامات الترقيم بصلة، بل حسبنا الإشارة إلى تلك التي لها علاقة بالأسلوب.
في هذا الجانب، استغرب كيف تعامل الكاتب في السطر الثالث من الفقرة الثانية من فقرات العنوان الأول مع "البرلمان" و"الشعب" بصيغة الجمع مع أن كل واحد منهما يشكل كيانا مستقلا وقائما بذاته: ولهذا كان يتعين عليه التعامل معهما بصيغة المثنى المذكر. وفي الفقرة الخامسة من فقرات العنوان عينه، نصادف سؤالا في حاجة إلى إعادة صياغة، وربما لم يكن هناك أي داع لطرحه.
في نهاية الفقرة الأولى، كتب سي باحدو: "الجنرال حسني بنسليمان والجنرال عروب زجا بالبصري في البنيقة في القصر يوم وفاة الملك وامروا بمنعه من الخروج". لاحظوا كيف جرى تصريف فعل "زج" في الزمن الماضي بصيغة المثنى المذكر، بينما جاء فعل "أمر" في صيغة الجمع المذكر مع أن لا أحد انضاف إلى الجنرالين حتى تصبح أمام جماعة. وبعد الفاصلة تأتي هذه الجملة: "ثم إعفاؤه من مهامه يوم 29 شتنبر 1999". ولا يعفي الكاتب من المحاسبة كون الجملة مقتبسة بحذافيرها من المرجع، إذ كان ملزما بالتصرف فيها ولا شيء يجبره على إعادة كتابتها بعلاتها وهناتها.
ولو استعمل الكاتب اسم الفاعل في الشطر الأول من الجملة لكان قد أحسن التعبير، أما وقد استعمل الفعلين في الماضي فقد تعسف على حرف العطف "ثم" الذي ينقل الصيغة والعدد والزمن والحركة الإعرابية من المعطوف عليه إلى المعطوف. لو استبدل الكاتب الفاصلة بالنقطة واستعمال فعل "تم" عوض حرف العطف "ثم" لأنقذ أسلوبه من هذا الارتباك.
وآخر ما نختم به مآخذنا على الأسلوب الذي صيغ به مضمون الفقرات المقروءة والمؤطرة بالعنوانين سالفي الذكر الإشارة إلى الركاكة التي شابت هذه الجملة الواردة في الفقرة ما قبل الأخيرة: "ومجاهد كان، أيضا، منتميا لـ إلى الأمام "... وبدلا من ذلك، كان على سي باحدو أن يكتب: "ومجاهد كان، أيضا، منتميا إلى منظمة إلى الأمام "..
(يتبع)