قراءة ناقدة في كتاب -كنت اتحاديا- لعبد الجليل باحدو (الجزء الثاني والأربعون)


أحمد رباص
الحوار المتمدن - العدد: 8759 - 2026 / 7 / 7 - 19:57
المحور: الادب والفن     

على مساحة نصف صفحة وصفحة (431، 432)، وتحت عنوان "نفاق.. وغياب الوفاء"، كشف الكاتب القناع عن التناقض بين التقدير الرمزي للمهدي بنبركة داخل حزب الاتحاد الاشتراكي وغياب الوفاء الحقيقي له عبر عدم كشف الحقيقة حول اغتياله. كما انتقد سي باحدو النفاق والتواطؤت الرسميين، وأشار إلى وجود ملفات سرية قد تكشف المزيد مستقبلاً، مع تأكيد أن نضال المهدي وأفكاره لم يعودا حاضرين بجدية في الواقع السياسي.
من الصفحة (444) إلى الصفحة (450)، طور الكاتب تفاصيل عنوان تسكنه الإستعارة: "من تزوير الانتخابات إلى تزوير التاريخ - يا حفيظ يا ستار! 1997".
تناول سي باحدو فضيحة محمد حفيظ كمرشح مزور يصنع بطولة مزورة. ترشح الأخير لخوض غمار انتخابات 1997 التشريعية في دائرة ابن مسيك سيدي عثمان عن الشبيبة الاتحادية. بعد إعلان النتائج اكتشف أن الفائز الحقيقي هو مصطفى لحيا من العدالة والتنمية، وليس هو. زوجته فاطمة اليحياوي كانت أول من أعلن الحقيقة. خالد السفياني فضح التزوير في القناة الثانية مباشرة.
بعد مرور 27 سنة، قال حفيظ في كتابه "أوراق من زمن السياسة" إنه هو البطل الذي رفض أن يكون برلمانيا مزورا، وأن رفضه وضع اليوسفي أمام خيارين غير مسبوقين. اعتبر الكاتب ذلك مجرد كذب وتزوير للتاريخ؛ لأن الحقيقة هي أن حفيظا بكى وانهار وخاف من أن يضيع تعويضه من جريدة النشرة، ووقع على رسالة التبرؤ من المقعد تحت ضغط مكتب الشبيبة الذي هدده بالطرد.
وأوضح الكاتب كيف تصنع المقاعد المزورة خلال انتخابات 1997، وكيف أن النظام لم يعد يوزع "كوطة" للأحزاب فقط، بل وزع المقاعد حسب تيارات الاتحاد الاشتراكي نفسه:
- مقاعد لجناح اليازغي: محمد معنى السنوسي؛
- مقاعد لليوسفي: العطار بوغالب؛
- مقاعد لجناح الأموي: عبد القادر العسولي؛
- مقاعد للقطاع النسائي: بديعة الصقلي؛
- مقاعد للشبيبة: محمد حفيظ؛
كانت الداخلية تعطي القادة الخريطة مسبقاً. وقال مسؤول في عمالة ابن مسيك لمحام اتحادي: "المقعد محسوم للشبيبة الاتحادية" قبل الحملة. هذا ما يسميه الأستاذ لحسن القرني "الترشيح النضالي": أصدقاء القادة في دوائر "العامر"، والمناضلين الشرفاء في دوائر "الخاوي".
عن مسرحية "نزاهة الانتخابات"، قال سي باحدو إن اليوسفي كان يرفع شعار "التناوب الحقيقي تفرزه الصناديق و"نزاهة الانتخابات". لكن لما انكشف تزوير مقعد حفيظ، ارتبك لأنه هو نفسه مكلف بـ"إنجاز المهمة الموكولة له من المخزن". اقترح على مكتب الشبيبة "صرف النظر" ثم قال "لما زوروا لنا فإنهم زوروا ضدنا".
وكان حفيظ بين خيارين: يوقع على رسالة التبرؤ أو يُطرد من الشبيبة ويضيع تعويضه. اختار التوقيع وهو يبكي. الداخلية استدعته وأخذت المحاضر، وقال رئيس الاستعلامات: "هذه نتيجة اللعب مع الدراري".
ومن أجل التعويض عن الخسارة، تم الانتقال من مقعد مزور إلى وظيفة مخدومة. فلما خسر حفيظ المقعد، عوضه اليوسفي "المستبصر" بوظيفة في جريدة الاتحاد الاشتراكي: أجرة مجزية + سيارة + هاتف، بدون حضور فعلي. ويقول الكاتب إن ما آلم حفيظ هو أنه الوحيد من بين 14 مرشحا اتحاديا مزور لهم تم استبعاده.
بعد ذلك، انتقل حفيظ إلى خدمة المخزن، حيث حضر اجتماعات مع فؤاد عالي الهمة وإلياس العماري قبل تأسيس حزب البام، وانضم إلى"الوفاء للديمقراطية" لاستقطاب الغاضبين من الاتحاد. وانتقم من خالد عليوة بنشر ملف القرض العقاري.
بعد عرض المضمون المحدد سابقا، لا بد من تسجيل بضع ملاحظات ذات طابع شكلي صرف. هكذا نجد في الصفحة (444) الكاتب يقول: "(...) ولا بد أن يكون المرشح مقبولا ومرضيا عنه؛ ليس من لدن المواطنين، ولكن من الأجهزة إياها..." الداعي إلى تسجيل هذه الملاحظة هو أن سي باحدو يظن أن الضمير "إياها" للغائب المفرد المؤنث يستعمل في جميع الحالات؛ بينما يقتصر استعماله في حالة واحدة وهي متى تكون الكلمة التي يحيل عليها الضمير منصوبة.
في نفس الإطار، يستوقفنا خطأ نحوي فادح في نص قصير مقتبسة من منشور يعود تأليفه إلى محمد حفيظ ومحمد بوز ويبدأ بهذه الجملة: "(...) الاتحاد والشبيبة كانت ترفع شعار..." لم ينتبه سي باحدو إلى هذا الخطإ، فلو بدر منه ذلك لصححه بإعادة كتابة الجملة على هذا النحو: "(...) الاتحاد والشبيبة كانا يرفعان شعار.." ورب معارض يقول إن الكاتب ليس مسؤولا عن ذلك الخطإ لأن الكلام الوارد فيه ليس هو من قاله. هذا الاعتراض مردود على صاحبه المفترض لأن تصحيح الأخطاء الواردة في الاقتباسات مسؤولية تقع على عاتق المؤلف المعني أولا وأخيرا بجودة منتجه.
وقبل إغلاق هذا القوس الخاص بالأخطاء، يبقى من واجبي لفت انتباه الكاتب إلى أن جريدة "le matin" ليست فرنسية، بل هي مغربية ناطقة باللغة الفرنسية لا أقل ولا أكثر..
انطلاقا من وسط الصفحة (451) إلى وسط الصفحة (454)، وتحت عنوان "حكومة القسم على المصحف"، تحدث الكاتب عن حكومة عبد الرحمن اليوسفي، المعروفة بـ"حكومة التناوب"، والتي أعلن عن تشكيلها يوم 14 مارس 1998 شُكلت وسط صراعات حادة داخل الاتحاد الاشتراكي وتهافت أعضائه على المناصب الوزارية.
وأبرز الكاتب ملامح ولادة حكومة التناوب من خلال قول للفقيه محمد البصري جاء فيه أن "ولادة حكومة التناوب كانت في منزل إدريس البصري"، وزير الداخلية القوي آنذاك، ما يشير إلى دور المخزن في هندستها. ومن ملامحها كذلك أن التحالف الحكومي تأسس على اصطفاف الاتحاد الاشتراكي مع حزب الاستقلال والحركة الشعبية والتجمع الوطني للأحرار وحزب التقدم والاشتراكية.
كما تضمنت الحكومة نفسها وزراء السيادة الذين اعتبرهم الكاتب وزراء "بدون لون" جيء بهم من خارج الدستور، وهم عبد اللطيف الفيلالي في الخارجية، عمر عزيمان في العدل، عبد الكبير العلوي المدغري في الأوقاف، عبد الصادق ربيع كاتباً عاماً للحكومة، وعبد الرحمن السباعي مكلفاً بإدارة الدفاع الوطني.
فضلا عن ذلك، اتسمت حكومة التناوب بالتهافت على المناصب، حيث وصف محمد سبيلا التجربة بأنها كشفت عن وجود "جائعين متعطشين للنفوذ والمال" ضمن الاتحاديين، تفوق بعضهم على رجال المخزن في الجشع. بلغت ترشيحات الاتحاد للوزارات 42 ترشيحاً. وكان من أبرز الوزراء الاتحاديين محمد اليازغي الذي اعتبر صديقا لإدريس البصري وصاحب "صفقة إفران"، وفتح الله ولعلو الذي قال في مذكراته إن عمله في المالية حماه من الصراعات الحزبية، ومحمد الأشعري الذي دخل بتزكية من نوبير الأموي، بالإضافة إلى خالد عليوة، محمد بوزبع، أحمد الحليمي، العربي عجول، نزهة الشقروني.
تم إقصاء يونس مجاهد ورفض ترشيحه لوزارة الإعلام بسبب عمله السابق مراسلاً لوكالة (EFE) الإسبانية.
وفي هذا السياق، أعاد الكاتب إلى الأذهان كيف ان محمد بوستة أمين حزب الاستقلال رفض ضم البصري سنة 1994، في حين قبل به اليوسفي في 1998 تحت مبرر "مصلحة الوزير الأول"، مع أن البصري كان "وزير القمع والإرهاب والتزوير"، وفق الكاتب.
وفي إطار انتقاداته التي طالت هذه الاختيارات، اعتُبر الكاتب أن توزير وجوه غير مؤهلة واستبعاد الكفاءات ناتج عن "عوامل شخصية وتصفية حسابات" و"منطق الولاءات". كما أشار إلى أن أحمد الحليمي كان مهندس "حكومة التوافق".
وفي ما بتعلق بالانقسامات الداخلية، أتى الكاتب على ذكر محاولة مصطفى القرشاوي الاستقالة من المكتب السياسي احتجاجاً، لكن اليوسفي رفضها. واتهم عبد الله رشد اليوسفي بتقريب "المشبوهين"، وقال إن أكثر من نصف وزراء الاتحاد الـ14 صعدوا بفضل "ارتباطهم بالدوائر العليا وعلاقاتهم المشبوهة بأجهزة المخابرات".
باختصار، كانت حكومة التناوب "خليطاً عجائبياً لا يبعث على الاطمئنان" على حد تعبير الكاتب. لم يترك المخزن لليوسفي إلا الوزارات "الخاوية"، ومع ذلك تعايش مع إدريس البصري. وكشفت التجربة، حسب سبيلا، سقوط شعارات الاشتراكية والعدالة أمام الجشع والتملق.
لو أن الكاتب عمد إلى حذف الكثير من الكلمات الزائدة والنافلة لكان أسلوب كتابه سلسا خاليا من الشوائب والنوابت. مثلا، نجده يكتب في الصفحة (453): (يقول - اليوسفي - إنني سأستمع إلى رأي جلالة الملك، وإذا كانت مصلحة بلادنا ومصلحة الوزير الأول تحتاج إلى وجود السيد البصري وقتئذ سنقرر ذلك جميعا". تفعيلا لنصيحتي تلك، أعيد الصياغة كما يلي: يقول: "سأستمع إلى رأي جلالة الملك، إلخ.."
أحيانا، يختل معنى الجملة قليلا بسبب نسيان حرف مكمل لفعل من الأفعال، كما حدث في هذه الجملة التي تتحدث عن القرشاوي: "يعلم، وهو الذي لم يكف في جلساته الخاصة الإعلان عن استعداده لتولي منصب وزير الإعلام، أن حظوظه في الاستوزار ضعيفة". فهل أحتاج إلى أن أنبه الكاتب إلى أن فعل "كف" يكون دائما متبوعا بحرف "عن"؟ وهل أنا في حاجة كذلك إلى إخباره بأنه لم يسبق لي أبدا أن قرأت نصا تتوسط أحد جمله علامة تعجب؟