قراءة عاشقة وناقدة في كتاب -كنت اتحاديا- لعبد الجليل باحدو (الجزء التاسع والثلاثون)


أحمد رباص
الحوار المتمدن - العدد: 8755 - 2026 / 7 / 3 - 08:30
المحور: الادب والفن     

تتمة لما سبق، خصص الكاتب ما بناهز الصفحتين تقريباً (435، 336) للتفصيل في موضوع كثفه في هذا العنوان: "مسرحية الجذبة المسخرة". ومن أجل عرض التفاصيل ذات الصلة، تصوّر مشهداً مسرحياً ساخراً ومهزلة سياسية تدور في مؤتمر للنقابة في العيون، حيث يلعب الأموي دوراً مركزياً في تهديده بمغادرة النقابة وإعلانه عدم ترشحه للكتابة العامة، وهو دور متكرر له في مؤتمرات النقابات. تتفاعل الجماهير بهتافات ملء حناجرها وصيحات مؤيدة للأموي، ثم يتحول المشهد إلى حالة من البكاء والرقص المسرحي (رقصة الجذبة)، مما يحول المؤتمر إلى فضاء لتفريغ المكبوتات وجلد الذات.
على مستوى الأبعاد السياسية والاجتماعية لهذه المسرحية المطالبة بالبيعة للزعيم. ولاغرابة إن ألفينا المسرحية تحمل رسالة ضمنية للمطالبة بتسليم كل الصلاحيات والسلطات المطلقة للأموي، ليقود الكونفدرالية بديلاً عن أجهزتها المنتخبة.
كذلك تستشف من المسرحية ازدواجية شخصية الأموي حيث يظهر بمظهر منفتح وملتزم لكنه في الواقع يستخدم الخداع لتنويم المناضلين، سواء في الحزب أو النقابة. كما يقف المشاهد على تعيين المسؤولين بدل انتخابهم، إذ تنتهي المسرحية بتعيين المسؤولين مستقبلاً بدلاً من انتخابهم، مما يفرغ المؤتمر من جوهره الديمقراطي.
وعن تأثير الأموي على الحزب والنقابة، قال سي باحدو إن وصوله إلى المكتب السياسي سمم الأجواء، وأدى إلى تدمير الديمقراطية داخل النقابة، حيث كانت قوائم المسؤولين تُعد من قبل لجنة حزبية عمالية، والكلمة الأخيرة تعود دائماً إلى الأموي.
في هذا الإطار، أدرج الكاتب تجربة شخصية في مؤتمر 1995. يتعلق الأمر بالمؤتمر السابع للنقابة الوطنية للتعليم، الذي شاهد فيه كيف رتب الأموي لمسرحية مشابهة، حيث فرض اختياراته على المؤتمر رغم شعارات أنصاره التي تدعي محاصرته.
الأموي كان يفرض سيطرته على صياغة الملفات الانتخابية والبيانات الختامية، مدعياً الديمقراطية والشفافية لكنه كان يمارس العكس. وذلك يدخل في عداد نقد النظام النقابي في عهد الأموي عبر فضح غياب الديمقراطية والحرية في اختيار المسؤولين، وكشف سيطرة اللجنة العمالية الحزبية على قوائم المجالس الوطنية. وقد هذا النقد الكاتب إلى تعرية التسلط والاستبداد في المركزية النقابية، وكذا التعتيم على تاريخ النقابة ومناضليها المؤسسين.
ومما سجله بهذا الصدد سي باحدو على الأموي عدم وجود قرارات حقيقية سوى ما يصدر عن الأموي، فشل في تحسين أوضاع العمال المادية والاجتماعية. وإنه لأمر في منتهى الغرابة كون المدافع عن حقوق العمال لم يسجل حتى أقربائه في صندوق الضمان الاجتماعي.
ونظرا لبلاغة الخاتمة التي أفردها الكاتب لما دونه تحت العنوان أعلاه، أسوق في ما يلي نصها: "بعد المعارك العظيمة التي يقودها ويضحي فيها الأبطال، يأتي دور الحثالات والأوغاد، وكما يقول الشاعر مريد البرغوثي في ديوانه "منطق الكانة": "شجرة البلاستيك مهما رويتها لا تنمو عليها ورقة واحدة".
وبتلخيص أشد كثافة، يمكن ان نقول إن مسرحية "الجذبة المسخرة" هي نقد لاذع لنظام التسلط والاستبداد داخل الكونفدرالية الديمقراطية للشغل في عهد الأموي، حيث تحولت النقابة من فضاء ديمقراطي إلى مسرحية مسخرة تدار من قبل قائد واحد يفرض إرادته على الجميع، مما يؤدي إلى تدمير روح النضال الحقيقي وتفريغ المؤتمر من جوهره الديمقراطي.
تحت عنوان "أوساخ المناصب"، وعلى مدى صفحة ونصف (337، 338)، تحدث سي باحدو عن قصة شخصية صديقه إدريس فهمي، وهو مناضل قديم في الاتحاد الاشتراكي تعرض للاضطهاد والاعتقال بسبب نشاطه السياسي. كان إدريس ناشطاً في الحزب والنقابة، وجعا من منزل أسرته ملتقى للنشطاء.
في عام 1984، فاز إدريس في انتخابات اللجن الإدارية في وزارة التجهيز، ورغب في الترشح للبرلمان. طلب من الكاتب التوسط عند صديقه الأموي لدعم ترشيحه، لكنه رفض بحجة أن الأموي لم يعد كما كان وأن المبادرة ستفشل. رغم ذلك، اتصل إدريس بالأخ أحمد إزي الذي طلب من الكاتب مرافقته لمقابلة الأموي فوافق.
في اللقاء، نفى الأموي مسؤوليته عن الترشيحات البرلمانية وألقى الأمر على المكتب التنفيذي، ثم استخدم تعبيراً ساخرًا بأن إدريس يريد "أن يتوسخ في البرلمان". الكاتب تدخل وأكد أن إدريس يريد فعلاً أن "يتمرمد في أوساخ البرلمان"، في إشارة إلى فساد أو سوء سمعة البرلمان.
بعد اللقاء، علموا من عضو المكتب التنفيذي محمد بوزيا أن الأموي أصبح شخصية متعجرفة، حيث كان الموظفون ينحنون له كأنه زعيم مخزني، وما بقي إلا أن يطلب منهم تقبيل يده.
وذكر الأستاذ إبراهيم راشيدي أن الأموي استخدم نفس التعبير "أوساخ البرلمان" عندما تحدث عن توزير بعض المحسوبين عليه، وكان رده ساخرًا بأنه يساعدهم على "التوسخ".
في هذا السياق، بأتي سي باحدو على ذكر موقف النقابة من التعويضات التي كانت تحصل عليها في البرلمان، حيث رفض الأموي دعمًا حكوميًا بمبلغ 50 مليون سنتيم بحجة أنه باسم الكونفدرالية الديمقراطية للشغل، وتم تعويضه لاحقاً بمبلغ أكبر باسم صاحب النقابة، مما يشير إلى قضايا غامضة وصراعات داخلية.
وإذا أردنا تحليل وتفسير المضمون السياسي والاجتماعي لهذا النص المقتطف، نبادر إلى القول إنه يعكس صراعات داخلية في الحركة النقابية والسياسية بالمغرب، حيث تتداخل المصالح الشخصية مع العمل النضالي.
سيرا على نفس النهج التحليلي، نلاحظ أن الكاتب قام بانتقاد للفساد والازدواجية، مستخدما عبارة "أوساخ البرلمان" التي تشير إلى نظرة سلبية تجاه الفساد أو الممارسات غير النزيهة داخل المؤسسات التشريعية.
وفي ما بتعلقبالزعماء والنفوذ، نجد أن الأموي يظهر كشخصية فقدت مبادءها، وأصبحت تتصرف بتعجرف ونفوذ بعيدا عن القيم التي كانت تمثلها النقابة.