قراءة ناقدة في كتاب -كنت اتحاديا- لعبد الجليل باحدو (الجزء السادس والأربعون)


أحمد رباص
الحوار المتمدن - العدد: 8765 - 2026 / 7 / 13 - 02:49
المحور: الادب والفن     

قبل الانتقال إلى عناوين وموضوعات أخرى، تجدر الإشارة إلى أنه لا فائدة من إعادة جرد نفس الملاحظات الشكلية المسجلة على الصفحات التي انتهينا من قراءتها؛ لأن دواعيها بقيت هي هي. ولا بأس من ذكر أن هذه الأخيرة لم تخرج عن نفس الإطار المحدد في استعمال الفاصلة بإفراط وبغير الحاجة إليها في أحيان كثيرة. ومن أضلاع هذا الإطار، هناك إهمال فظيع لنقطتي التفسير بعد فعل قال ومشتقاته، وإدراج فج لحروف الجر والنصب والتوكيد بين مزدوجتين في بداية الاقتباسات.
والآن، لنستأنف قراءة ما جاء تحت العناوين الفرعية الموالية والتي جاء في مقدمتها عنوان "بيع القرود والضحك على مشتريها" الذي غطت تفاصيله الصفحة (462) وثلاثة أسطر في أعلى الصفحة الموالية.
في بادئ النص، يستحضر المؤلف نقاشا بباريس خاضه مع البصري ومحمد باهي، حيث سأل اليوسفي عن مشروع إصلاح الحزب. لم يخرج رد اليوسفي عن هذه الكلمات: "وهل وجدت حزبا أو مناضلين يساريين مستعدين للنضال؟ وجدت هياكل منخورة وأشخاص يبحثون عن مقاعد في البرلمان والمجالس البلدية والوزارات والدواوين. حملتهم وقدتهم إلى ما يرغبون فيه".
إلى ذلك، أضاف: "السياسي يتكيف مع الواقع ولا يخضعه... حتى وإن لم تكن في السلطة قد تكون فاسدا عندما تتحمل المسؤولية". من ذلك، خلص الكاتب إلى أن اليوسفي "دمية طليت بأصباغ براقة يسخرها المخزن"، لا يقرأ ولا يفكر، علاقته بالمطيباتية كانت وطيدة.
تأصيلا لهذا العنوان: "بيع القرود والضحك على مشتريها"، قال الكاتب إن محمد باهي مدح استقالة اليوسفي من الحزب وقال إنه "أعاد المصداقية للسياسة كي لا تتحول إلى سلعة في أسواق النخاسة". وعقب سي باحدو بأن "الواقع أثبت أن اليوسفي تاجر سياسي شاطر باع القرود كلها وضحك على الملايين".
ويرى الكاتب أن حكومة التناوب ساهمت في "إحباط المغاربة وانعدام ثقتهم في السياسيين"، مستشهدا بالمهدي بنبركة الذي قال إن من يكتفي بالتكتيك بلا أفق استراتيجي إما تُسرق سياسته أو يظهر انتهازياً. اليوسفي جمع بينهما.
وبفضل حسه السياسي اليقظ، فطن الكاتب إلى أن "طمأنة العهد الجديد لليوسفي"، عنوان يتصدر فقرة من تسعة أسطر، ما لبث أن كان مآلها التهميش. فقد أكد محمد السادس في أول خطاب له دعم حكومة التناوب واليوسفي. وقال للشرق الأوسط إن السلطة في المغرب واحدة ومنسجمة، وأنه يحب اليوسفي ويحترمه كثيراً.
في ما يشبه "بداية النهاية"، عنوان ثالث امتد جسده حتى كاد أن يتوسط الصفحة (465)، لاحظ الكاتب أن سحب الملفات الاقتصادية والاجتماعية من الحكومة انطلق بسرعة، ثم أتى أندري أزولاي يوم 25 يناير 2002 ليصرح لجريدة (لوموند) بأن "الأداء الاقتصادي متوقع لعدم تجربة الحكومة، هذا ثمن التناوب". ردت جريدة (الاتحاد الاشتراكي" بغضب على تدخل مستشار الملك، داعية إياه وزملاءه إلى الالتزام بواجب التحفظ.
وقبل محمد السادس، أوصى أبوه حكومة أعضاء حكومة التناوب، عبر الحليمي، قائلا أن أعطوا الأولوية للشؤون الاقتصادية لسد الأفواه وإشباع البطون، أما حقوق الإنسان فتأتي لاحقاً.
وسجل المؤلف أن انتخابات 2002 شهدت هي الأخرى خرقا وتزويرا، بلا تدخل من إدريس البصري هذه المرة. ومع ذلك، كان اليوسفي يراهن على "نزاهة" انتخابات 2002، وقال للقناة الثانية: "إذا مرت بطريقة سيئة فكأننا لم نحقق شيئاً". والنتيجة استمرار نفس السياسة.
من مركز الصفحة (465) إلى منتصف الصفحة التي تليها، امتدت أربع فقرات تضمنت سياقا يلخصه هذا العنوان: "لا خروج عن المنهجية الديمقراطية". هنا، تناول الكاتب نتائج انتخابات 2002 في المغرب وتأثيرها على المشهد السياسي، خاصة في ما يتعلق بحزب الاتحاد الاشتراكي ودوره في الحكومة.
تمخضت هذه الانتخابات عن نتائج سمحت بظهور خريطة سياسية معقدة لا تسمح بتشكيل أغلبية منسجمة. أما في ما يخص تعيين الوزير الأول، لم يرد القصر الملكي أن يقع من حزب الاتحاد الاشتراكي، رغم أنه كان الحزب الأول في الانتخابات، تماما كما حدث في 1997.
تم تسريح عبد الرحمان اليوسفي من رئاسة الحكومة وتعيين إدريس جطو وزيراً أول في 28 أكتوبر 2002. وعن رد فعل حزب الاتحاد الاشتراكي، قال سي باحدو إن الحزب لم يصدر أي رد فعل سياسي أو جماهيري قوي على إقالة اليوسفي. وتخلى بعض أعضاء الحزب عن زعيمهم ووجهوا له انتقادات داخل المكتب السياسي، خص منهم بالذكر محمد اليازغي، إدريس لشكر، ومحمد الأشعري. وفي هذا السياق، أكد اليازغي أن الحزب لم يتبن موقفا حاسما من الخروج عن المنهجية الديمقراطية رغم الإقالة المهينة لليوسفي.
لهذا، قررت أغلبية المكتب السياسي المشاركة في حكومة إدريس جطو رغم الإهانة التي تعرض لها الحزب. وفي إطار موقف الاتحاديين من الحكومة، فقد استمر الاتحاديون في المشاركة في الحكومة، مؤدين دورا ثانويا (كومبارس). يشهد على ذلك أن بعض قادة الحزب شغلوا مناصب وزارية بسيطة. وأشار الأستاذ ولعلو إلى أن الاتحاديين رغم غضبهم من عدم احترام المنهجية الديمقراطية، لم يصلوا إلى قطيعة مع الملك، وشاركوا في حكومات لاحقة مثل حكومة عباس الفاسي.
ويرى الكاتب أن اليوسفي، السياسي المتمرس، لم يستفد من تجربة حكومة عبد الله إبراهيم التي أُقيلت بعد بدء تنفيذ مخطط اقتصادي وتأسيس أمن وطني. كانت تلك الإقالة مرتبطة بسياق استراتيجي دولي مع تدخلات من الحركة الصهيونية والولايات المتحدة، مما يثير تساؤلات حول وفاة محمد الخامس.
باختصار، فقد تبين من خلال الفقرات الأربعة كيف أن حزب الاتحاد الاشتراكي، رغم الإهانة السياسية التي تعرض لها بإقالة زعيمه اليوسفي من رئاسة الحكومة بعد انتخابات 2002، اختار عدم الخروج عن المنهجية الديمقراطية وعدم قطع علاقته مع الملك، واستمر في المشاركة في الحكومات اللاحقة. كما ألمح الكاتب من وراء تلك الفقرات السياسة المغربية وهي متأثرة بعوامل داخلية وخارجية معقدة، وبعض القرارات السياسية الكبرى وقد ارتبطت بسياقات استراتيجية دولية.
(يتبع)