اليسار بين النقد العضوي والعداء المفارق
كمال غبريال
الحوار المتمدن
-
العدد: 8756 - 2026 / 7 / 4 - 09:46
المحور:
مواضيع وابحاث سياسية
"الموقف والفكر اليساري في مختلف مناحي الحياة السياسية والاجتماعية والاقتصادية جزء عضوي من النظم والعلاقات التي تحكم الحياة. طالما بقي هو رؤية وموقف النقد والتصحيح من داخل المنظومات. بمعنى أن يسعى لتنقيتها من أي نقص أو عوار. والذي بدونه تتخلف وتتجمد الحياة. وليس هو الناقد من خارجها، كما نرى من كثير من اليساريين الآن، الذين يبدو موقفهم النقدي ليس فقط من خارج المنظومات القائمة، إنما بموقف وروح العداء اللدود لها. هذا يجعل اليسار عدواً مفارقاً للحضارة المعاصرة، وحليفاً لأعدائها من الراديكالية الدينية، وليس كما ينبغي أن يكون مكوناً عضوياً جوهرياً منها."
قراءة في دور المعارضة التصحيحية داخل الحضارة المعاصرة
مقدمة
شهد التاريخ السياسي والاجتماعي الحديث نشأة وصعود تيار "اليسار" كتيار أيديولوجي تشكّل تاريخياً في مواجهة مسار الحضارة التي قادت رأسماليتها قاطرة الحداثة. لكن اليسار المنشود لضبط إيقاع الحياة، ليس ذلك الكيان العدائي المنكفئ على ذاته، بل الحراك الفكري والحركي الذي يسعى لإعادة تقييم الواقع وتفكيك البنى الجامدة من داخلها. فرغم الانهيار التاريخي للشيوعية وللأيديولوجيا الماركسية الكلاسيكية وفشل سائر تطبيقاتها، لا تزال رواسب تلك الأفكار والمواقف العدائية متجسدة في سلوك وفكر قطاع واسع من اليسار المعاصر.
يمر هذا التيار اليوم بأزمة هوية حادة تتمحور حول طبيعة "الدور"؛ هل هو أداة نقد وإصلاح وتطهير للمنظومة القائمة من داخلها، أم أنه وارث تركة العداء ورغبة الهدم لكل ما أفرزته الحضارة الحديثة؟
تسعى هذه المقاربة إلى تفكيك هذه الإشكالية، والتمييز بين "اليسار العضوي" الذي يمثل صمام أمان للمجتمعات، و"اليسار المفارق" الذي ينعزل بروح العداء لكل ما هو قائم باعتباره يميناً رأسمالياً وحشياً.
أولاً: اليسار كجزء عضوي من المنظومة (رؤية النقد والتصحيح)
إن القيمة الفلسفية والتاريخية الكبرى لليسار تكمن في كونه "الضمير النقدي" للمنظومات السياسية والاقتصادية والاجتماعية. فطالما تحرك اليسار من داخل البنية المؤسسية وتموضع في قلب العلاقات الحاكمة، فإنه يعمل بمثابة "ميزان حساس" يكشف مواطن الخلل، والنقص، والعوار الذي يصيب المؤسسات نتيجة التقادم، أو البيروقراطية، أو انحراف رأس المال نحو التوحش. وتتجلى هذه العضوية في مسارين رئيسيين:
1. الدور الاقتصادي والاجتماعي وأنسنة الحضارة
في الفضاء الاقتصادي، لا ينبغي للنقد اليساري العضوي أن يستهدف تدمير رؤوس الأموال أو تصفية أصحابها، بل تزويد الرأسمالية بآليات ضبط ذاتي توفر شبكات أمان اجتماعي مستدامة (كالتعليم المجاني، الرعاية الصحية الشاملة، وحماية حقوق العمال).
هذا النقد المنتمي إلى "الداخل"، هو الذي أفضى تاريخياً إلى صياغة مفهوم "دولة الرفاه" في أوروبا، وهو ذاته الذي منح الرأسمالية مقومات استمراريتها وتجددها؛ إذ شكّل صيغة توليفية حافظت على النظام الاقتصادي ومنعته من الانزلاق نحو مادية محضة تستبعد العوامل الإنسانية من حسابات الربح والخسارة. فبذلك وحده يمكن أن يثبت اليسار العضوي أنه مكون جوهري يسعى لأنسنة الحضارة وتطوير منجزها الإنساني لا تقويضه.
2. كسر الجمود ومقاومة التخلف كصمام أمان
تنزع البنى الاجتماعية والسياسية بطبيعتها نحو التكلس والجمود إذا خلت من التدافع الفكري. وبدون تيار نقدي يساري يسعى لتنقية القوانين والأعراف من مختلف صنوف التمييز والطبقية، تتخلف المجتمعات وتفقد مرونتها. النقد العضوي الواعي غير المؤدلج لا يرى في مؤسسات الدولة عدواً تجب الإطاحة به، بل يراها أدوات سيادية واجتماعية قابلة للإصلاح والتطوير لخدمة المجموع البشري، مما يجعله صمام أمان حقيقي يدفع بالمنظومة نحو التطور المستمر والعدالة الاجتماعية.
ثانياً: الانزياح نحو "اليسار المفارق" وروح العداء اللدود
في المقابل، يتشكل "اليسار المفارق" كتيار مؤدلج وراديكالي مشحون بعداء مبدئي للواقع. عندما يتبنى نقد المنظومة الحضارية من خارجها، متخذاً موقف القطيعة التامة معها، ومنطلقاً من فرضية قطعية ترى أن كل ما أفرزته الحداثة والمعاصرة — من مؤسسات سياسية، وأنظمة اقتصادية، وعلاقات دولية — هو "شر مطلق" لا يقبل الإصلاح، وبالتالي يغدو الهدف المضمر أو المعلن هو الهدم الكلي والرفض المطلق للمنجز القائم لا التقويم والتصحيح.
أبرز مظاهر هذا الانزياح وتداعياته:
الشيطنة المطلقة للمؤسسات: اختزال الدولة والقوانين والمنظومات الدولية في كونها "أدوات قمعية محضة"، بدلاً من التعامل معها كأطر تنظيمية تتطلب نضالاً لتعديل موازين القوى داخلياً.
الانعزال والتعالي الفكري: الانكفاء داخل "أبراج عاجية" وتكرار شعارات طوباوية (يوتوبية)، حيث يتحول النقد إلى غاية معزولة عن الواقع، وتصبح المعارضة مجرد "هوية نفسية" وموقف احتجاجي دائم، لا مشروعاً سياسياً قابلاً للتطبيق البرغماني، مما يسقط هذا التيار في فخ العزلة السياسية التامة والتحول إلى مجرد "ظاهرة صوتية".
مناهضة المنجز الحضاري بروح راديكالية: الوقوف في ريبة مستمرة من المنجزات العلمية والتكنولوجية والتنظيمية للحضارة الحديثة، والتعامل معها بروح العداء الصرف والشك الدائم، مما يجعله عدواً مفارقاً يتخلى عن دوره البنائي ويتجه نحو الهدم العدمي.
التحالفات الهجينة مع أعداء الحضارة: السقوط في فخ التحالف الفج — الذي بات ظاهرة بارزة — مع التيارات الدينية الراديكالية، والتعاطف مع تنظيمات تمارس العنف والإرهاب، حيث يتقاطع هذا اليسار مع تلك التيارات الظلامية لمجرد التقائهما في خانة "العداء المشترك" للمنظومة المعاصرة.
ثالثاً: تداعيات التحول وخسارة الشرعية
إن النتيجة الحتمية لتبني "روح العداء اللدود" والانتقال من النقد العضوي الإصلاحي إلى العداء المفارق الراديكالي هي تجريد اليسار من شرعيته كشريك بنيوي في عملية البناء. فعندما يتخلى الفكر عن تموضعه الداخلي كصمام أمان وأداة لأنسنة النظام، ويتحول إلى أداة للمفارقة والرفض العدمي الكلي من الخارج، فإنه يعزل نفسه تلقائياً عن الجماهير الواقعية التي تبحث عن حلول ملموسة لمشكلاتها اليومية. هذا الانزياح يحرم المجتمع من طاقة تصحيحية قوية، ويحول التيار اليساري من مهندس لتوازن الحضارة الإنسانية إلى قوة هامشية تقتات على الصراعات العدمية وتساهم في إذكائها.
خاتمة
إن الحياة السياسية والاجتماعية المعاصرة في حاجة ماسة إلى أطروحات اليسار، ولكن في صيغته العضوية غير المؤدلجة؛ ذلك التيار الذي يملك شجاعة النقد من داخل الميدان، ويسعى بوعي ومسؤولية لتطهير المنظومات القائمة من عيوبها ومظالمها. إن بقاء الحضارة المعاصرة حية، مرنة، وديناميكية مرهون بوجود هذا النقد التصحيحي المستمر الذي يضمن التطوير ويمنع التكلس.
أما الاستمرار في نهج العداء المطلق والمفارقة الهدمية، فلن يؤدي إلا إلى إجهاض هذا الدور المنشود وتهميشه، وهو ما يهدد المنجز الإنساني المشترك ويخلي الساحة لقوى التطرف والجمود.
يكمن طوق النجاة لليسار المعاصر في التخلص التام مما تبقى من تركات عداء ماركسي راديكالي للرأسمالية، والانخراط في المسيرة الحضارية كشريك أصيل في صياغة الحاضر والمستقبل، لا كعدو متربص على هامش التاريخ.