الصراع بين أيديولوجيا الخراب واستحقاقات الحداثة


كمال غبريال
الحوار المتمدن - العدد: 8736 - 2026 / 6 / 14 - 01:13
المحور: مواضيع وابحاث سياسية     

منذ عام 1979، دخلت منطقة الشرق الأوسط في نفق مظلم مع صعود نظام الملالي في إيران، وهو النظام الذي لم يضع رفاهية شعبه أو التنمية الاقتصادية في قائمة أولوياته، بل ركّز جلّ طاقاته وموارده نحو مشروع أيديولوجي توسعي تحت شعار "تصدير الثورة". وعلى مدى العقود الماضية، تمكن هذا المشروع من بسط نفوذه على عدة عواصم عربية—من بغداد إلى دمشق، وبيروت، وصنعاء، وغزة—محولاً هذه الحواضر التاريخية إلى ساحات للصراعات بالوكالة، ومستنزفاً مقدراتها لصالح حروب لا تنتهي.
بيد أن الهدف المركزي الذي طالما وظفه هذا النظام لحشد الجماهير وشرعنة وجوده—وهو "إزالة إسرائيل من الوجود"—يبدو اليوم أبعد ما يكون عن التحقق. ومع توالي الضربات العسكرية النوعية التي تستهدف المنشآت النووية والصاروخية الإيرانية، واغتيال العقول المدبرة والقادة العسكريين للنظام، يطرح الواقع سؤالاً حتمياً: مَن يملك مقومات البقاء والاستمرار في هذه المواجهة؟
إن الشواهد الراهنة تشير إلى أن "جمهورية الملالي" تواجه مأزقاً وجودياً؛ فالأنظمة التي تقتات على الهوس الديني وقمع الحريات تفتقر إلى المرونة الوجودية، وتصبح بنيتها الهشة قابلة للتصدع أمام القوة التكنولوجية والعسكرية المتفوقة.
في المقابل، تظهر إسرائيل، مدعومة ببنية مؤسسية وديمقراطية داخلية ومؤسسات علمية متطورة، كلاعب يزداد رسوخاً، لاسيما مع صعود محور إقليمي جديد يضم دول الخليج العربي، وهو محور يتبنى البراغماتية، والسلام، والازدهار الاقتصادي كبديل لصراعات الماضي.
وهنا تبرز المفارقة المؤلمة التي تواجه شعوب المنطقة. فبينما كان يُفترض أن تكون هذه الشعوب هي الصانعة لمصيرها والمحددة لخياراتها، نجد أن قطاعات واسعة منها—إما بسبب سلب الإرادة أو التجهيل الممنهج—ما زالت تنساق وراء خطابات الكراهية والعداء المقدس، مفضّلة الشعارات الرنانة على تحسين شروط حياتها البائسة.
في هذا المشهد المأزوم، يجد دعاة التنوير والحداثة أنفسهم في حالة اغتراب حاد داخل أوطانهم. إنهم يقفون وحيدين وسط بيئة فكرية مقفرة، يراقبون كيف تتفوق واحة الحداثة والتطور العلمي والديمقراطي على ثقافة الموت والخراب.
لم يعد السؤال اليوم يتعلق بالانتصار العسكري فحسب، بل هو صراع حتمي بين منطق التاريخ الذي ينحاز للحضارة والعلم، وبين أيديولوجيات بالية تسير مسرعة نحو حتفها.